فهرس الكتاب
وخلاصة القول: إن الفقه التشريعي في الإسلام يخضع للمنهج الاستنباطي القياسي، وأن الفقه الاجتماعي والحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي . والإصابة اليوم التي لحقت بالعقل والفكر الإسلامي لم تقتصر على أحدهما دون الآخر ، وقد تكون من بعض مشكلات العقل المسلم المعاصر ، الخلط بين المنهجين وعدم القدرة على استخدام كل في مجاله.
وقضية السنن بمعنى القوانين المطردة والثابتة ، التي تحكم حركة الحياة والأحياء ، وتحكم حركة التاريخ ، وتتحكم بالدورات الحضارية ، بما يمكن أن نسميه سنن التداول الحضاري ، استيحاء من قوله تعالى (وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) والتي تعتبر معرفتها شرطًا أساسيًا للتبصر بالعواقب ، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من الإنجاز والإبداع الحضاري ، لا يتأتى إلا من السير في الأرض ، الذي فرضه الله على المسلم بقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل. .) (الروم:30) .
هذا السير وهذا الاستقراء ، الذي يحقق الاعتبار لأولي الأبصار ، لم يأخذ بعد البعد المطلوب في العقل المسلم المعاصر، وعلى الرغم مما قيل حتى الآن من تعريف للسنن وأهمية إدراكها، وضرورة التعامل معها، إلا أن رصيدنا لم يخرج في ذلك عن بدايات ونظرات لم تتجاوز إلى الكنه ، ولم تتسع لتشكل مجرى ثقافيًا عامًاَ في الأمة ، وإنما بقيت في إطار بعض المفكرين ، والمتأملين ، الذين يمكن اعتبارهم رواد الاستطلاع والاستشراف على الرغم من أن القرآن حض على ذلك في أكثر من موضع.
لقد كان جيل القرون الأولى يتعامل مع السنن بشكل عملي وتلقائي ، لأنهم فقهوا الوحي ، أما نحن فلم نزل نبحث فيها ، وننظر في مدى أهميتها ، وإن كان الاهتمام بالموضوع بدأت تتسع مساحته في إطار الفكر والعقل الإسلامي في السنوات الأخيرة ، على الرغم من اقتصار الأمر في معظم الأحيان على الحديث عن أهمية الموضوع وضرورته في إعادة تشكيل العقل وتصميم الذهنية الإسلامية ، التي لا تزال تعاني من التخلف ، بسبب الغفلة عن السير في الأرض والكشف عن سنن الله في الأنفس والآفاق ، وأهمية ذلك في معرفة قيام المجتمعات وسقوط ونهوض الأمم.
وبالإمكان القول: بأننا إلى الآن لا نمتلك الرصيد الفكري المأمول في هذا الموضوع ، الذي تنبه له بعض الرواد مبكرًا من مثل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله ، الذي حاول لفت النظر إليه بمختلف الوسائل ، إلا أن العقل المسلم المعاصر بسبب تشكيله الخاص لم يتح له أن يأخذ حقه من نظرات مالك ، ومنبهاته الحضارية، وبقيت تلك النظرات عبارة عن بوارق ، ونوافذ تستدعي الكثير من التفكير ، والتأصيل والنظر ، حتى تتبلور، ويتم تحويل الذهنية الإسلامية من الألم والإحباط ، إلى الأمل ، ومن الأمل والأماني إلى الفعل والعمل والممارسة. ذلك أن الرؤية القرآنية ، والتوجيهات النبوية ، تؤكدان أن هناك قوانين وسننًا ، تحكم حركة التاريخ، والاجتماع البشري، لا تتخلف ولا تحابي أحدًا، ولولا ذلك لما كان في الدعوة للسير في الأرض، والتبصر بالعواقب، والمآلات ، التي انتهت إليها التجمعات البشرية أي معنى أو مردود ، خاصة وأننا نحن المسلمين ، نخضع للقوانين نفسها ، حيث لا يكفي النظر في النتائج ، كما هي حالنا اليوم ، بل لابد من النظر في المقدمات والأسباب التي انتجتها ، حتى يتمكن المسلمون من التحكم بها ، وأخذ الحذر من الوقوع فيها ، وحتى لا ينتهوا النهاية نفسها ، فالمقدمات نملكها ، والنتائج تملكنا ، وقد تكون إحدى آفات العقل المسلم اليوم أننا ندع ما نملكه إلى ما يملكنا.
ولا شك أن معطيات الوحي ، في الكتاب والسنة تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء ، بما عرضت له من القصص القرآني ، عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها ، وربط الأسباب بالمسببات ، والمقدمات بالنتائج ، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية ، التي تحكم عالم المادة ، ليعتبر أولوا الأبصار.
وهنا قضية أخرى لابد من لفت النظر إليها أيضًا: وهي أن الدعوة للسير في الأرض ، التي حث عليها القرآن، إنما هي في الحقيقة للاستدلال والتأكد من فاعلية السنن، التي قررها القرآن، وعدم تخلفها، من جانب، والامتداد والاكتشاف لسنن أخرى بالاستقراء والملاحظة ، وديمومة النظر العقلي ، من جانب آخر ، وإلا فما قيمة القصص القرآني الخالد ، إذا لم يشكل عقلًا مدركًا للقوانين والسنن ، التي تحكم التجمع الإنساني ، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات، هي حكايات لتزجية الوقت أسقطها الزمن وطواها التاريخ؟!
وقد يكون المطلوب اليوم ، أكثر من أي وقت مضى ، في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت عند غيرنا شأوًا بعيدًا ، أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني ، بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبطنا منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع ، لنكتشف فقهًا حضاريًا في إطار علوم الإنسان، والقوانين الاجتماعية ، التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء ، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نحسد عليها.
لكن إلى أي مدى يمكننا القول: بأن السنن التي تحكم النفس والمجتمع هي بنفس الدقة والصرامة التي تخضع لها المادة الصماء ، التي لا خيار لها ، كما يخضع لها الحيوان الأعجم المدفوع بالغريزة ، والجانب المادي في الإنسان نفسه ، وإلى أي مدى يمكن أن تتحكم بالإنسان الحر المختار ، الذي يخضع في مسالكه وحركته لكثير من الظروف والتغييرات والمؤثرات؟
فالإنسان والواقع الإنسان ، يختلف في طبيعته عن الواقع الكوني المادي من حيث صرامة السنن والقوانين ، التي تحكم سيرورته ، ولذلك يمكن القول: بأن كشف القوانين والسنن ، التي تحكم المادة الصماء والكون المادي ، تثمر المعرفة اليقينية ، وعلى ضوئها يتعامل الإنسان مع الكون في جهوده التي يبذلها في تسخيره لمصلحته ، لكن الإنسان ، والواقع الإنساني ، ليس منضبطًا كواقع المادة ، فالعنصر الروحي في تكوين الإنسان ، والإرادة الحرة ، جعلا هذا الواقع يتصف بكثير من الخفاء والغموض في العوامل والأسباب ، التي تنشأ عنها الظواهر السلوكية ، الأمر الذي يجعله عصيًا عن الفهم اليقيني ، والاطراد الصارم ، خاصة وأن الإنسان هو أداة التحليل ومحله في وقت واحد ، بينما في إطار المادة والكون ، فالإنسان هو أداة التحليل ، أما المحل فشيء آخر منفصل عنه.
وهذا لا يعني أن حركة الإنسان ، ونهوض وسقوط الحضارات ، تسير بشكل عشوائي عبثي ، خالية من كل قانون ثابت ، بل هي محكومة بقوانين عامة تحكم توجهاتها ومساراتها العامة ، ولو قبلنا جدلًا أن خصائص وصفات المادة والحيوان الأعجم ، يمكن أن تنطبق على الإنسان لأفقدنا الإنسان الكثير من حرية الحركة والاختيار ، ووقعنا بلون من القدرية الرهيبة ، التي تلغي إنسانية الإنسان ، وعقله ومسؤوليته ، وتمنعه من القدرة على المداخلة والتحكم ، وهو أهم ما امتاز به .. لذلك نرى أن الاعتقاد بأن معرفة السنن يحسم قضايا الاختلاف في الاجتهاد والتنوع والاختلاف في وجهات النظر ويؤدي إلى وحدة النظر ، فيه الكثير من المجازفة والتجاوز والتداخل بين المنهج القياسي والمنهج الاستقرائي.
من جانب آخر ، فإن نفاذ السنن ، والتحول الاجتماعي والإنساني الذي يخضع لها يتم ببطء شديد ، وعمر مديد ، قد يستغرق حياة الإنسان ، لذلك يكون من الصعوبة بمكان رصد مساراته ، والتعرف على اتجاهاته بدقة في الواقع المشهود.