سرى في المسلمين بسبب قلة التدين والإعجاب والفتنة بالحضارة، حتى صار هم الإنسان المسلم أن يحيا الحياة ليتمتع بأكبر قدر من المتع الكثيرة التي أنتجتها الحضارة، ولو كان على حساب الآخرين..
لقد كانت هذه الفكرة ( زراعة الأعضاء ) ناتجة من الغرب، الذي لا يحفل بالإنسان، يقتله من أجل أن يعيش، ولا مانع من أن ينتهك جسده، ليبيعه من أجل أن يعيش، يقول الدكتور كارل مترجما عن شعوره وشعور كل الغربيين تجاه الآخرين:
"والجنس الأبيض، منشيء الحضارة، هو أصلب الأجناس كلها"ص14
"الأجناس الوضيعة تسكن عادة البلاد التي يكون ضوءها قويا ومتوسط درجة حرارتها مرتفعة". ص245.. وانظر130،179،242،328،335،341.
لكن لماذا كان الجنس الأوربي مفضلا على سائر الأجناس، يعلل ذلك بأمرين:
الأول:
أصل الذات وتكوين الجهاز العصبي، فيقول:
"وتدين الأجناس البيضاء بنجاحها إلى كمال جهازها العصبي، إذ على الرغم من أن جهازها العصبي رقيق للغاية وسريع الاهتياج فإن في الإمكان السيطرة عليه، وترجع سيادة الأجناس البيضاء إلى الصفات الاستثنائية لأنسجتها وإحساساتها".. ص131
الثاني:
البيئة يقول:
"ولقد ثبت أن الإنسان المتحضر يفسد في الطقس الاستوائي، وعلى العكس من ذلك فإنه ينجح في الجو البارد، وآية ذلك أنه يحتاج إلى طريقة في الحياة تشتمل على نضال مستمر، وبذل الجهد العقلي والعضلي، واتباع نظام فسيولوجي وأدبي، كذا بعض الاحتياجات الخاصة، فمثل هذه الأحوال تعود الجسم على الإجهاد والأحزان، إنها تحميه من المرض وبخاصة الأمراض العصبية، كما أنها تدفع الإنسان دفعا لا يقاوم ليتغلب على العالم الخارجي".. ص132.
إنه مأخوذ ومغرم ومفتون، فتن بالحضارة المادية التي أنتجها الغرب، ففضلهم على سائر البشر، ونسي الحضارات التي شهدها العالم على أيدي غيرهم خاصة المسلمين الذين نشؤوا في البلاد الحارة صيفا والباردة شتاء، يومها كانت أوربا في قمة التخلف، كانوا يعيشون في القرون الوسطى، وكانت تسمى بالعصور المظلمة، من سماها كذلك؟..
هم سموها، إذن هم يعترفون بتخلفهم وعيشهم في الظلام يوم كان المسلمون يعيشون في النور والتقدم والحضارة، وحضارتهم لم تكن إلا حسنة من حسنات المسلمين عليهم، لما علموهم طرق العلم والبحث في وقت كانوا أجهل الجاهلين بها، فكيف انقلبوا بين شمس وضحاها أرقى الأجناس البشرية؟..
إنه بمقتضى تعليله يجب أن يكون الجنس الأوربي راقيا منذ بدء الخليقة ووجودها على الأرض...
لكن التاريخ يشهد أنهم لم يكونوا كذلك في كل التاريخ، بل مرت عليهم أطوار وقرون تمتد إلى ألفي عام وأكثر كانوا فيها همجا لا يفقهون شيئا، وهذا ينقض دعوى الدكتور من أصله..
فما حكاه من سبب لتفوق ورقي الجنس الأوربي موجود فيه باستمرار دون انقطاع، فالجهاز العصبي لم يتغير، والبيئة لم تتغير، ومع ذلك عاش في تخلف..
إذن على الرغم من بحوث هذا الدكتور وقدرته وشهرته إلا أن التعصب أعماه عن الحقيقة، وفضل بغير برهان صحيح..
هذا ومن المعلوم أن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وله فائدة، ما خلق الهواء البارد والحار إلا لحكمة وفائدة، والعدل الأخذ من كل شيء بالمقدار المناسب، فمقتضى العقل أن يكون المتعرض للهواء البارد على الدوام ناقص كنقص المتعرض للهواء الحار على الدوام، وإنما الكمال في المتعرض لهذا تارة وهذا تارة...
وعلى ذلك فالذي يعيش في بيئة تجمع بين البرودة والحرارة، كجزيرة العرب، أكمل من الذي يعيش في بيئة منفردة بأحد الطقسين...
إذ سيناله أوصاف ومزايا كل طقس، فالبرودة تزرع فيه الصبر والجلد والتفكير، والحرارة تزرع فيه العاطفة والحركة... بخلاف من ينفرد بالطقس البارد فإنها تزرع فيه الصبر والجلد والتفكير دون العاطفة، والعكس فيمن يعيش في طقس حار، وبما أن الإنسان لا يكمل حتى يجمع بين العقل والعاطفة، فالكامل والأرقى هو من عاش في بيئة تجمع بينهما، وهذا أمر شهد به المفكرون وجزم به ابن خلدون في مقدمته (1) ، بل ونصوص السنة تشهد بذلك حين فضلت العرب (2) ، وهم ساكنوا الجزيرة على غيرهم من سائر البشر..
إذن هذه الحقائق تثبت عكس ما زعمه الدكتور..
في الحلقة القادمة نتكلم عن وصفه لحياة الغرب في ظل الحضارة المادية...
الكتاب أصله وضع لبيان أخطاء الحضارة المادية، وكيف أنها أنشئت دون اعتبار لوضع الإنسان...
لقد أمعن المؤلف في إظهار سوءاتها.. ومع أنها جلبت كثيرا من الراحة والمتعة للإنسان إلا أن المؤلف متشائم جدا من ذلك التطور..
ويبين بالدراسة والبحث أن كثيرا منها ما هي إلا أدوات تعمل على تدمير قوى الإنسان العقلية والروحية والبدنية..
وليؤكد ما ذهب إليه يقارن بين حياة الزراعة وحياة الصناعة..
حياة الزراعة التي كان الإنسان يقوم فيها بأعماله بنفسه، بيديه وساعديه وقدميه.. يتعب ويواجه مصاعب الحياة وتقلبات الأجواء والفصول، ويعيش حياة البساطة والهم الدائم..
وحياة الصناعة التي صار الإنسان فيها معتمدا على الآلة وحدها في كل شيء، فقل تعبه وجهده وهمه وكفاحه..
إنه يؤكد أن حياة الزراعة، حياة الكفاح والكدح أجدى وأحسن للإنسان من حياة الصناعة، حياة الراحة والدعة والسكون..
يقول في بيان انقلاب حياة الناس في أوربا:
"من الواضح أن بني الإنسان رجعوا مسرورين بالحضارة العصرية، فقد هجروا الريف وتجمعوا في المدن والمصانع.. واستخدموا في لهفة طريقة الحياة ونظم العمل والتفكير التي استحدثها العهد الجديد، ونفضوا عنهم عاداتهم القديمة بلا تردد، لأن هذه العادات كانت تقتضيهم بذل مجهود كبير.. إذ إن العمل في المكتب أو المصنع أقل عناء من العمل في المزرعة.."
ومع ذلك، فحتى حياة الريف قد هانت وسهلت بسبب الفنون الحديثة، فالمنازل العصرية تجعل الحياة سهلة لكل إنسان، إذ إنها بما يتوفر فيها من دواعي الراحة والدفء وجمال الإضاءة، توفر للقاطنين فيها شعورا من الرضاء والارتياح.. كما أن الأدوات العصرية أتاحت للسيدات راحة لم يكن ينعمن بها فيما مضى، فأصبح العمل الذي كان يستلزم بذل جهد شاق كل يوم يؤدى في وقت قصير وبلا جهد تقريبا…
وفضلا عن ذلك فقد أطلقهم العلم العصري من القيود الأدبية التي كان يفرضها عليهم النظام الديني البحت.. وهكذا حررتهم الحياة العصرية من القيود الثقيلة التي كانوا يعانون منها الأمرين، كما أنها تحفزهم على العمل للفوز بالثراء بأية وسيلة مستطاعة بشرط ألا تؤدي بهم هذه الوسيلة إلى السجن..". ص31-32."
وبعد أن بين مكتسبات الحضارة من حيث الحالة المادية والتعليم والراحة والصحة والمتع.. شرع يبين في تكرار مستمر الآثار السلبية للحضارة التي أنشأت لمجرد التطور والتقدم دون النظر في ملاءمتها للإنسان.. يقول:
"إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم، ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا".. ص37.
وينتقد بشدة موقف العلماء والأثرياء، الذين كانوا السبب في إنشائها.. العلماء بعلمهم، والأثرياء بأموالهم… يحملهم السبب في انحطاط الإنسان في الغرب.. فقد خدموا التطور والبحث والإنتاج دون النظر إلى الإنسان، وهل تلائم وضعه، وتحسن إليه.. أم أنها لا تلائمه، وتسيء إليه؟.. يقول: