فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 1942

"قبل أن أبدأ كتابة هذا الكتاب، كنت أدرك صعوبة هذا العمل، بل استحالته تقريبا، ولكنني شرعت فيه لأنني كنت أعلم أن شخصا ما لا بد سيؤديه، لأن الناس لا يستطيعون أن يتبعوا الحضارة العصرية في مجراها الحالي لأنهم آخذون في التدهور والانحطاط، لقد فتنهم جمال علوم الجماد.."

إنهم لم يدركوا أن أجسامهم ومشاعرهم تتعرض للقوانين الطبيعية وهي قوانين أكثر غموضا، وإن كانت تتساوى في الصلابة مع قوانين الدنيا، كذلك فهم لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم، ومن ثم يجب أن يتعلموا العلاقات الضرورية للعالم الدنيوي، ولأترابهم أبناء آدم، وذاتهم الداخلية، وتلك التي تتصل بأنسجتهم وعقولهم..

فإن الإنسان يعلو كل شيء في الدنيا، فإذا انحط وتدهور، فإن جمال الحضارة، بل حتى عظمة الدنيا المادية لن تلبث أن تزول وتتلاشى..

لهذه الأسباب كتبت هذا الكتاب...

من الواجب أن يحول اهتمام البشرية من الآلات وعالم الجماد إلى جسم الإنسان وروحه...

إن هدف هذا الكتاب هو أن يضع تحت تصرف كل شخص مجموعة من المعلومات العلمية التي تتعلق بالكائنات الحية في عصرنا..

(( (( فقد بدأنا ندرك مدى ما في حضارتنا من ضعف، وكثيرون منا يرغبون في أن يلقوا عنهم التعاليم التي فرضها عليهم المجتمع الحديث ) ))) ...

ولهؤلاء كتب هذا الكتاب، كذلك كتب لأولئك الذين يجدون من أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا لا فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية، بل أيضا ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري، فهذا الكتاب إذن كتب لكل شخص يتولى تنشئة الأطفال وإعداد الفرد أو قيادته".. 11-12"

بعد أن بين سبب تأليف الكتاب، شرع في بيان تعقيد الإنسان وأنه لا زال مجهولا، وأن أسئلة كثيرة تدور حوله لا جواب عليها، قال:

"وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جواب جوانب معينة فقط في أنفسنا.. إننا لا نفهم الإنسان ككل.."

فنحن لا نعرف حتى الآن الإجابة على أسئلة كثيرة مثل:

كيف تتحد جزيئات المواد الكيماوية لكي تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟..

كيف تقرر الجينس الموجودة في نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟..

كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟..."إلخ ص18"

أسئلة كثيرة طرحها لعلميات تجري في جسم الإنسان: كيف تحدث؟.. لم يجد إجابة عليها...

وأسئلة كثيرة طرحها تتعلق بسعادة الإنسان وشقائه، كيف يمكن ضبطها؟..

لم يجد إجابة عليها، لأنه ربما كان يعيش إلحادا حقيقيا، يدل على ذلك بعض كلماته وألفاظه في الكتاب.. وانظر: 64،129،171،233،297

والمسلم يملك الجواب بإيمانه، فكل ما في الجسد من عمليات بمشيئة الله تعالى وأمره، وكنهها وحقيقتها متعلقة بالروح، فإذا عدمت الروح عدمت تلك العلميات، وحركة الإنسان ذاته جزء من تلك العلميات وناتج عنها..

وليس الغرض أن نبحث عن تلك الأمور، وليس من اختصاصنا أن نتوصل إلى كنهها وحقيقتها، بل ولا فائدة من ذلك، إذ الغرض من الخلق ليس هو البحث عن ذلك، إنما الغرض هو القيام بالأوامر الإلهية:

{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ..

لكن الغرب لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ومن غرضه أن يتوصل إلى حقيقة الحياة وكيف تجري في الإنسان ليتوصل من ذلك إلى شيء أخطر وأكبر وهو محاولة بث الروح في الأموات وإعادة الحياة إليهم، بل وصناعة البشر بأيدي البشر..

لكن الروح كان العائق أمام طموحاتهم، فمهما صنعوا وأبدعوا إلا أنهم لا يملكون بث الروح والحياة في مخلوقاتهم أبدا..

إن الرجل الغربي بلغ من تشبثه بالحياة أن بذل الجهد والمال وحطم الأخلاق ليحول بين نفسه وبين الموت، أو على الأقل بين نفسه وبين الشيخوخة والكبر والهزال، لكنه أسقط في يده، وخاب مسعاه، فلم يستطع أن يحقق تقدما في الحفاظ على شباب الإنسان وموفور قوته وصحته، فضلا أن يمنع وقوع الموت..

وهنا أجد الفرصة مناسبة لأذكر مثلا حيا على ذلك:

"زراعة الأعضاء"..

وهي فكرة غربية بحتة، أصلها محاولة مد عمر الإنسان وإعطائه أكبر قدر من القدرة على التمتع والسلامة من الأمراض..

الفقهاء لدينا اختلفوا في المسألة، بين محرم ومبيح..

فأما المبيح فنظر من حيث إن التداوي جائز، وهذا من التداوي، ومن الضرورة..

وأما المحرم فنظر من حيث إن المتبرع بالعضو هو في الأصل لا يملك الحق في التبرع بشيء من جسده، لأن التبرع لا يكون إلا عن ملكية، وهو في الحقيقة لا يملك جسده، بل هو أمانة عنده..

وليس مبحثنا تقرير أحد القولين، إنما الغرض بيان أن فكرة زراعة الأعضاء وكذا الاستنساخ ما هي إلا أفكار مصدرها والدافع إليها التشبث بالدنيا، ولو كان على حساب الآخرين، أي الإنسان الغربي يريد أن يسخر كل شيء لبقائه حيا حتى بني البشر، فلا مانع لديه أن يسخر العلم والمال بل والأخلاق من أجل أن يعيش، لا بأس أن يستولي على أعضاء البشر ونفوسهم كي يتمتع هو بالحياة، وذلك الكلام ليس من فراغ، بل الحقائق والأخبار تؤكد هذا كل يوم..

إذا كان الغرب يستجيز لنفسه اختطاف الأطفال وقتلهم وإجهاض الأجنة لاستخراج مواد تافهة من أجسادهم مثل مواد التجميل، فهل يتورع عن قتل الإنسان من أجل أن يحصل على أعضائه؟..

المشكلة أن نفس الفكرة انتقلت إلى المسلمين الذين تشبهوا بالكفار في التشبث بالدنيا وكأنهم خالدون فيها، واجتهدوا في البحث عن فتاوى تؤيد هذا الفعل، وقد وجدوا من يفتي بذلك..

وإن كان هناك من لا شك دافعه إنساني، نظر إلى حالة المريض وحاجته إلى الصحة والحياة، ولم ينظر إلى حالة المتبرع، وكيف أنه سيتضرر بالتبرع، مهما قيل إنه لن يتضرر?..

فما خلق الله شيئا في بدن الإنسان إلا لوظيفة، وإزالته لا شك أنه إضرار إن لم يكن كليا فهو جزئي، وكذا لم ينظر إلى حقيقة أمر الشرع بالوجوب على الحفاظ على البدن، وأنه أمانة، لا يحق لصاحبه أن يتصرف فيه، بل هو مؤاخذ إذا أساء في ذلك:

فمن قتل نفسه فهو في النار، كما صح الأثر ..

وقد جعل الشرع دية العينين والأذنين والأنف والذكر كدية النفس..

وحرمة المسلم حيا كحرمته ميتا، كما في الأثر .. فلا فرق بين كونه حيا أو ميتا في مثل هذا..

لكن كل هذا ألغي تماما ونظر إلى جانب واحد وهو صحة المريض وبقائه حيا، وهدمت لأجل ذلك وحطمت القيم والأوامر الإلهية..

ومن المستفيد؟..

إنما هي فئة معينة هم الأغنياء الذين يملكون ثمن الزراعة..

ومن مصدر تلك الأعضاء؟..

هم الفقراء الذين لا يملكون شيئا، فيضطر أحدهم لبيع عضو من أعضائه، لينعم بمال يقيم به حياته البائسة، صار فقره وبالا عليه، فلم يعد يملك دفعه إلا ببيع شيء جسده..

هو امتهان كبير للإنسان، نراه اليوم ونسمع به في الدول الفقيرة كالهند وغيرها، منتهى البشاعة والخسة واحتقار الإنسان أن يغدو بدنه سلعة يتاجر بها، استغلالا لحاجته..

إذا كان للغرب المبرر ليعمل على تحقيق فكرة زراعة الأعضاء، وهو نظرة الاستعلاء على الغير والتشبث بالحياة، فإن المسلمين لم يكن لهم الحق في ذلك ودينهم يأمرهم بالرحمة بالآخرين، وأن يحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم، ويحذرهم من زخرف الدنيا، ويبشرهم بأن الآخرة خير من الدنيا وما فيها..

لكن داء الغرب: الاستعلاء والكبر، وحب الدنيا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت