فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 1942

للجواب على ذلك: إن السبب هو القيود والأغلال التي كُبّلت بها أيدينا، فلم تعد قادرة على الاستثمار، والإنتاج،والإبداع، وانعدام الحرية الاقتصادية. فعلى الرغم مما تزخر به بلداننا من كنوز وثروات، ولكن استثمارها والانتفاع منها ممنوعان على أهلها وأصحابها؛ وعلى سبيل المثال فإن هناك أراضي خصبة بكرًا تملأ الآفاق، وهناك مياه عذبةغزيرة من شأنها أن تجعل من تلك الأراضي جنانًا خضرًا تحمل لنا ثمارًا طيبة عبر استصلاحها، وحرثها، وزراعتها،ولكنك عندما تعزم على تعزم على تنفيذ مشروعك لابد أن تصطدم بألف قانون وقانون يحول بينك وبين تحقيق هذاالهدف الاستثماري.

نعم؛ إن القوانين التي من الأحرى أن نسميّها بالموانع والعراقيل تظل تلاحق آمالنا وأحلامنا، ونحن لو أمعنا النظر في هذه القوانين لوجدنا أنها ليست إلا تركة استعمارية مقيتة.

التخلّف في المجال الزراعي

وللأسف فإن الزراعة في معظم بلداننا التي كانت في يوم من الأيام تتمتع بالاكتفاء في هذا المجال، شبه ميتة؛ فأراضيهايقتلها البوار، والمياه العذبة تذهب إلى البحار هدرًا دون استغلال صحيح لها، حتى بتنا نستجدي ونطلب الصدقات من أميركا وأوروبا لتزودنا بشي ء من القمح واللحم والبطاطس بعد أن نهبوا نفطنا، وثرواتنا المعدنية، فأضحى اقتصادناأسيرًا للعملات الأجنبية.

ترى أين نحن اليوم من أمسنا؟ فأرض العراق التي كانت تسمى (أرض السواد) ، حيث لم تكن بقعة منهاتخلو من الزراعة والخضرة، أصبح أبناؤها اليوم يموتون جوعًا، كما أن هذه الأرض كانت في يوم ما ملجأ لكل جياع العالم عندما يصيبهم القحط، في حين نرى الآن أن مخزون القمح فيها لا يكفي إلا لمدة أسبوعين، وإذا ما بحثنا عن السبب؛حدثنا عنه التاريخ؛ فالبريطانيون عندما جاؤوا إلى مصر منعوا وحاربوا زراعة القمح واستبدلوها بزراعة القطن ليزودوا به مصانعهم في بريطانيا، حيث بلغت الثروة الصناعية أوجها، وكانت المصانع في أمسّ الحاجة إلى المواد الخام ومن ضمنها القطن الذي يعتبر المادّة الأولية الأساسية في صناعة النسيج.

إن معظم القوانين الاستعمارية المستوردة التي يُعْمَل بها في بلداننا الإسلامية إنما وفدت علينا في إطار مؤامرة غربيةلتدمير اقتصاد المسلمين، وعرقلة عملية نموّهم وتطوّرهم؛ بل ومن أجل تجويع شعوبنا، وهدم البنى التحتية لاقتصادها؛فأماتوا زراعتنا، وزودونا بالمكائن والآلات غير الأساسية لنضيّع أوقاتنا في صناعات التجميع.

وفي الحقيقة؛ فإننا لو نظرنا إلى البلدان المتقدمة صناعيًا نجد أن تقدمها هذا لم يحدث إلا من خلال التطوّر الزراعي،وزيادة الإنتاج. فالأولى بكل بلد نامٍ - إذن- أن يطوّر زراعته أولًا، ويؤمن إنتاجه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المجال الصناعي. ولعل من الأسباب التي فجّرت الثورة الصناعية في عالم الغرب - وخصوصًا بريطانيا، وكما يرى ذلك بعض المؤرّخين - هو الفائض في الإنتاج الزراعي الذي شهدته بريطانيا، والدول الأوروبية الأخرى آنذاك.

ومن أجل علاج تلك المعضلات لعلنا نقول: حسنًا؛ لنعط الزراعة حقها، فهذه الأرض مفتوحة لمن أراد أن يستثمرها،وبالإضافة إلى ذلك لنعط الحرية في الصناعة، ولنشيّد المعامل، وننتج.

غير إن هذا وحد لا يكفي؛ فالحرية بدون ضوابط وتنظيم لا تكفي، بل إنها ستتحول بهذا الشكل العشوائي إلى طبقيةمقيتة؛ فالبعض يستخدمون دهاءهم ولا يتورّعون عن ارتكاب أية جريمة، وإذا بهم يشكلون كتلًا وتجمعات اقتصاديةخاصة، ويمتصون من خلال هذه التشكيلات دماء الغالبية المسحوقة من أبناء شعوبنا، فيزدادون - بالتالي- ثراءًوترفًا، بينما يظل المسحوقون في فقرهم وفاقتهم، وتضحى الحركة الاقتصادية عبارة عن سيطرة مجاميع من البرجوازيةالكبيرة والصغيرة، والرأسمالية، والكارتلات على مقدراتنا.

الحرية الاقتصادية والسياسية معًا

وخلاصة القول؛ إننا نسلّم بحاجتنا الماسة إلى الحرية الاقتصادية، ولكن هذه الحرية لا تكفي لوحدها، إذ لابد من حريةسياسية تؤازر الحرية الاقتصادية وتوجهها، لأن الحرية الاقتصادية وحدها ومن دون خلفية سياسية تكون بمثابةضابط وموجه لها، لا تلبث أن تتحول إلى ذئب ضارٍ ينهش في جسد الأمة، ويمتص دماءها. فالضوابط والتنظيم والإدارة الحازمة التي تتولاها القوة السياسية في البلاد تعني الحيلولة دون انتشار المفاسد الاقتصادية، كالاستغلال والاحتكار والجشع والغلاء والرشوة والاختلاس. فما أهمية القانون وما معناه إذا شاعت الرشوة في البلاد أو استفحل الاستغلال والاحتكار؛ فهذه العوامل التي تشلّ اقتصاد البلد تتحوّل إلى مجموعة كارتلات تسيطر، وتخطط، وتنفذ.

وفيما يتعلق بالحرية السياسية نتساءل: هل أن هذه الحرية ينتهي عندها كل شي ء، فتسير الأمور في مجراها الطبيعي؟

هنا نقول: إن الحرية السياسية لا تكفي - هي الأخرى- لوحدها، وليست قادرة على منع انتشار عوامل الفسادالاقتصادي، ذلك لأن للحرية السياسية منافعها ومضارها، فمن ضمن منافعها أنها تجعل الواحد منا حرًا في أن يبوح ويعبّر عما يريد ويمارس ما يرغب، ومن مضارّها أيضًا إفساد الرأي العام من خلال حدوث الانشقاق بين الأفراد،فإذا بكل واحد يبغي إسقاط الآخر؛ فيتكلم عنه بما فيه، وما ليس فيه. وهذا هو الجذر الأساسي للمشاكل التي نعاني منها، وهو الذي يجب علينا أن نسعى جاهدين لاجتثاثه من خلال نشر ثقافة رسالية إيمانية وتعامل أخلاقي فاضل.

الثقافة الرسالية؛ إطار الحرية

وإذا ما أُطرت الحرية السياسية بإطار إيماني، وأخلاق إسلامية فاضلة ، فإننا سنكون أهلًا لضبط وتوجيه الحريةالاقتصادية التي هي من جملة الأسباب الرئيسية للنمو والازدهار والتقدم.

إن الثقافة الرسالية هي التي تصنع الإنسان المتقي الورع الذي يكون أهلًا لإبداء الآراء، والبحث على صعيد الاجتماع؛فلا يقول شيئًا، ولا يرى رأيًا إلا بعد تمحيص ودراسة ودراية، ولا يفعل فعلًا إلا بعد إحاطة بالنتائج، فيصدر كل ذلك منه في إطار مخافة اللَّه سبحانه وتعالى وتقواه، فلا يقول ولا يعمل شيئًا من باب العبث.

وهكذا فلابد من ثقافة رسالية توجه التيار السياسي في هذه الأمة، وإذا ما انتشرت في أوساط الأمة ثقافة رساليةصادقة، وعرف الناس حقوقهم وواجباتهم، وأحسنوا التعامل معها، فحينئذ ستكون الحرية السياسية مجدية ونافعة،وستؤتي الحرية الاقتصادية بعد ذاك ثمارها، وتزدهر الأمة، وتمضي قدمًا في مسيرة التقدم.

ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكد على محور الثقافة الرسالية باعتبارها العنصر الأهم في عملية التقدم؛ فلابد -أولًا- من أن يزكى عقل الإنسان، وينمو ويتفتح، وإلى هذه الحقيقة يشير السياق القرآني في قوله: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (الزمر/22) .

فالإنسان المؤمن عندما يفتح قلبه، ويجعله منشرحًا للإيمان، فإن اللَّه سبحانه يغدق على قلبه فيضًا من نوره السرمدي،وعندئذ سيدرك صاحب هذا القلب ماله وما عليه في هذه الحياة سواء إزاء نفسه، أو أمام أسرته، ومجتمعه، وأمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت