فهرس الكتاب

الصفحة 1820 من 1942

إن ظهور الإسلام يعد منعطفا خطيرا في حياة العرب، فقد غير مسار حياتهم وأسس تفكيرهم، واستبدل عقائدهم المنحرفة الضالة بعقيدة واضحة، فكون بذلك القاعدة الفكرية اللازمة لتوحدهم بعد حياة التبعثر والشتات التي كانوا يعيشونها في ظل القبلية، وما فرضته طبيعتها عليهم من مخاصمات وحروب ودماء.

وبقدر تعلق الأمر بالوعي التاريخي، فإن القرآن الكريم قد استفز العقل العربي في المحاور الأربعة التالية، والتي نرى في مجملها أنها كانت المشكاة التي أضاءت الطريق لمسيرة علم التاريخ العربي-الإسلامي:

1-فكرة المصير في القرآن الكريم، وأثرها في الوعي التاريخي.

2-البعد الحضاري في القرآن الكريم فكرة استخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض ، وأثره في الوعي التاريخي.

3-أخبار الأمم الماضية في القرآن الكريم، وأثرها في الوعي التاريخي عند العرب المسلمين.

4-فكرة وحدة الرسالات السماوية في القرآن الكريم، وأثرها في الوعي التاريخي عند العرب المسلمين.

إن هذه المحاور الأربعة ستكون مدار حديثنا، لتشخيص ما تنطوي عليه من محفزات الوعي التاريخي عند العرب المسلمين في عصر الرسالة.

أولا: فكرة المصير في القرآن الكريم وأثرها في الوعي التاريخي:

الواقع أن الإسلام من خلال كتابه الكريم القرآن، لم يكن أول من جاء بفكرة المصير، أي نهاية الإنسان، وما سيؤول إليه بعد الموت.

لقد تناولت اليهودية والنصرانية هذه المشكلة، وقدمتا لها حلا يتلخص في أن الإنسان ليس وحيدا في هذا العالم، بل إنه يتمتع بمكانة ممتازة في مجرى التاريخ، فتاريخ الإنسان في منظورهما:"يبدأ ببداية العالم من قبل أن يخلق المرء بأمد طويل" (9) . كما أن هذا التاريخ للإنسان لا ينتهي بالنهاية المحزنة المأسوية التي يطويها العدم والفناء، وإنما تستمر في عالم آخر بعد الموت، حتى تحصى أعمال الإنسان، وكل ما جنت يداه في الحياة الدنيا، دون إغفال لأي منها، صغيرة كانت أو كبيرة (10) .

ورغم انتشار اليهودية والنصرانية -المحدود- في الجزيرة العربية، فالظاهر أن فكرة (المصير التي جاء بها القرآن، بدت للمشركين العرب وكأنها فكرة جديدة لم يسمعوا بها من قبل) .

كذلك فإن (الدين الإسلامي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتميز بالوضوح والقدرة على تفهم أسس هذا الوجود بصورة واضحة جدا ومن غير تعسف) (11) .

عالج القرآن الكريم مسألة الزمان بشكل واضح لا لبس فيه، فالوجود نوعان: وجود يرتبط بالزمن، فهو وجود متزمن، وهو هنا مخلوقات الله جميعا، ويأتي في مقدمتها الإنسان .. ووجود خارج عن إطار الزمان والمكان، فهو وجود غير مرتبط بزمن، وهو الله سبحانه وتعالى، وهو المطلق.

غير أن هذين الوجودين مرتبطان ارتباطا فلسفيا عميقا، يتجلى بصورة واضحة في العلاقة بين الخالق (اللامتزمن) وبين المخلوق الإنسان (المتزمن) .. وبين المطلق (الله) وبين النسبي (الإنسان) (12) .

إن هذه العلاقة كانت الحلقة المفقودة في تصور العرب المشركين، فصار الزمان أو الدهر مصدر شقاء، لأنه يوردهم موارد الفناء والعدم، في حين نجد أن فكرة الزمان في التصور الإسلامي قد استبعدت كل معاني الخوف والألم والشقاء (13) .

لقد ألغى القرآن الكريم فكرة العدم والفناء اللتين يمثلهم الموت، وأكد على حياة أخرى تجيء بعد يوم البعث أو القيامة، وسيحاسب الإنسان على جميع ما عمله في حياته الدنيا، فإن كانت أعماله صالحة فاز بالجنة، حيث الخلود والنعيم، وإن كانت أعماله سيئة أدخل النار، حيث العذاب الأليم.

يقول تعالى:"إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" (يس: 12) .

فالله تعالى يحيي الموتى، فانتفت بذلك فكرة الفناء، وفي حياة الناس في الدنيا قد كتبت جميع أعمالهم وآثارهم، وأحصيت هذه الأعمال من خير وشر في كتاب واضح مبين:"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (الإسراء: 13 -14) .

فكل إنسان يلزمه الله ما قضى له أنه عامله، وهو صائر إليه بعمله من شقاء أو سعادة .. وقد فسر ابن عباس الآية الكريم:"وكل إنسان ألزمناه .."، قال: عمله وما قدر عليه، وا يخرج له يوم القيامة كتاب عمله فيجده منشورا أمامه (14) .

وهكذا لم تعد الأفعال التي قام بها الإنسان في الماضي منسية ضائعة بعد موت الإنسان، وإنما أصبح كل ما جناه في حياته الدنيا مسطرا ومكتوبا، ويكفي تقديم هذا السجل الكامل بأعمال الإنسان ووضعه بين يديه يوم القيامة، ليكون حكما على نفسه، حسيبا عليها.

وبهذا فقد أصبح للماضي قيمة كبيرة في نظر المؤمنين، وهذه القيمة للماضي الزماني، ترتبط في القرآن بفكرة (العبرة) والاتعاظ بأحداثه وتجاربه، تجارب الأمم والشعوب التي مضت، والوقوف والتأمل في ما فعلته في حياتها من خير، فكان سبب تقدمها وفوزها وسعادتها في الدنيا، أو بما ارتكبته من طغيان وتظالم وتقاعس عن فعل الخير فكان فيه هلاكها ودمارها.

والبحث في الماضي، وأخذ العبر والعظات من حوادثه، هو من صميم النظرة التاريخية، ومن هنا جاء الاستدلال على أثر فكرة (المصير) في القرآن الكريم، في تحفيز الوعي التاريخي عند العرب المسلمين، ولكي يعتبر المؤمنون بما حدث للطغاة والظالمين والمنحرفين عن السلوك الإنساني القويم، الذي أراده الله لعباده في الأرض، يقول تعالى:"فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى" ( النازعات: 25 -26) . جاء في تفسير هذه الآية الكريمة (15) : فعاقبه الله عقوبة الآخرة، وعقوبة الدنيا بإغراقه لفرعون.

وهكذا توثقت مكانة الزمان الماضي في حياة الإنسان، وهذا هو التاريخ بعينه، أوليس التاريخ هو: (السعي لإدراك الماضي البشري وإحيائه) ، على حد تعبير أحد المؤرخين المعاصرين؟ (16) .

لقد نفى القرآن الكريم نفيا قاطعا أي معنى للعبثية في وجود الإنسان، وهي الفكرة التي كانت سائدة عند عرب ما قبل الإسلام، يقول تعالى:"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" (المؤمنون: 115) .

بهذا تحدد الزمان في: خلق العالم بوصفه بدايته، وبيوم القيامة بوصفه نهايته، وبين البداية والنهاية تتم كافة الفعاليات التي يقوم بها الإنسان، لذلك أصبحت هذه المرحلة (أي مرحلة الإنسان الدنيا) ، مرحلة اختبار دقيق لمحتوى أعماله، بانتظار تقويمها يوم القيامة، فينال بها الخلود والنعيم، (أو تكون سيئة فيدخل بها الجحيم) (17) .

إن نظرة العربي المسلم إلى الماضي، كما جاء بها القرآن، وإلى المستقبل الذي امتد إلى ما بعد الموت، قد فتقت ذهنيته للإحاطة بالحركة التاريخية في كافة جوانبها، لأنه العنصر الفعال في هذه الحركة، وهو صانع أحداثها.

فلا غرو أن تصبح فكرة المصير في القرآن، أحد دوافع تبلور ونضوج الوعي التاريخي عند العرب المسلمين، فالذي يفكر بمفهوم التاريخ في هذا اليوم لابد (أنه يتساءل عن البداية والنهاية، عن الزمان، عن الوجدان الإنساني، وكل بحث عن أي من هذه المفاهيم يعتبر مساهمة في توضيح معنى التاريخ) (18) .

ثانيا: البعد الحضاري في القرآن الكريم وأثره في الوعي التاريخي:

قص القرآن الكريم قصة خلق آدم، قال تعالى:"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" ( المؤمنون: 12) . وقال:"وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون" (الحجر: 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت