يقدم ابن خلدون الإنسان على أنه كائن اجتماعي لا تصح حياته بدون مجتمع"فالاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يُتخيل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم"3، كما أن الإنسان نفسه مهيأٌ خَلقيا للعيش مع الآخر، وهو يحتاج يده"المهيأة للصنائع"4 وذلك لجعل حياته ممكنة. والملاحظ هنا أن العمران يكتسب معنا معرفيا عميقا حيث يصبح مرتبطا بغاية خلق الإنسان، وتصبح خلافة الإنسان في الأرض مسؤولية كل فرد على تحقيقها في ذاته أولا، بحيث تكون من هذا الوجه مسؤولية فردية، ثم على تحقيقها اجتماعيا داخل العمران الإنساني كمسؤولية جماعية.
وكذلك فإن ابن خلدون يؤكد على أن الإنسان هو صاحب مصيره، وهو المسؤول عنه، على عكس الحيوانات الأخرى، وذلك"لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها"1. وربما كان من المناسب أن نقف هنا وقفة صغيرة عند إشارة ابن خلدون للحيوانات بـ"التكوين"وإشارته المقابلة للنوع البشري بـ"العمران"، وعلاقة تلك الإشارات بمسألة"الاختيار"و"الحرية"فيما يتعلق بالمصير البشري. فوجود الحيوانات على هذه الأرض ومصيرها فيها إنما هو وجودُ"تكوين"محدد المصير والوجهة والهدف والغاية، ولذلك تضع بعض الحيوانات بيضها في مكان ما ثم تمضي بعيدا في عمق الحياة دون عودة إلى ذلك المكان ودون قلق على مصير الذرية. بينما يبلغ الولد العشرين من العمر في التجربة البشرية وهموم مصيره ومآله ومستقبله تلاحق الأب وتؤرق الأم. لأن الأمرَ أمرُ اختيارٍ للمصير، لا يطمئن الوالدان إلا بعد استيقان صوابه ورشاده وفق مقاييسهما أيًا كانت.
أما الخلافة في كلام ابن خلدون فإنها تأخذ شكل الهيمنة، التي وإن كانت تتربع على أعلى موقعٍ في سُلَّم المخلوقات، إلا أنها هيمنةٌ مسؤولةٌ دورها الأساسي هو المحافظة على الحياة أولًا، ثم الوصول إلى أكمل صورة ممكنة لها في هذه الدنيا. ذلك أن من الممكن أن يصل الإنسان إلى نوع من السيادة المطلقة في هذا العالم، ولكن هذه السيادة تكون سيادةَ شرٍ وعدوان واستغلال كما هي الأمثلةُ صارخةٌ على ذلك في هذا العصر.
والأمر الآخر الهام في الطرح الخلدوني هو تأكيده على ضرورة وجود"الوجهة"كأمرٍ لابد منه لكي يوجد العمران ويتحرك ويتكامل. وكلما ارتقى الإنسان في تحديد وتمييز تلك الوجهة، بحيث تكون وجهةً إلى الحق، ازداد تكامل العمران البشري على هذه الأرض. وحيث أنه يقسم العمران إلى درجات، تبدأ بالعمران البدوي الحاجي الأولي، وتنتهي بالعمران الحضاري الكمالي التكاملي، فإن شرط التحول والانتقال من العمران البدوي إلى ما بعده إنما هو وجود تلك"الوجهة"التي تعني الغاية والهدف والطريق الذي يحرك الإنسان في هذه الحياة.
إلا أن ابن خلدون يلفت انتباهنا إلى تأثير نمط الحياة المعين على المآلات المستقبلية"فاختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو اختلافُ نحلتهم من المعاش... فمن كان معاشه في الزراعة مثلا كان المقامُ به أَولى، وهؤلاء سكان القرى والمدن والجبال وهم عامة البربر والأعاجم، ومن كان معاشه من السائحة مثل الغنم والبقر فهم ظُعَّنٌ في الأغلب... وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة، وأما من كان معاشهم من الإبل فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا... وهؤلاء هم العرب وفي معناهم ظعون البربر وزنانة بالمغرب والأكراد والتركمان والترك بالمشرق، إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة لأنهم مختصون على القيام بالإبل فقط، وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشياه والبقر معها.."1 وهنا نجد كيف يتحول العمران عند ابن خلدون إلى مصطلح متحرك، يرتبط لزوما بنمط حياة المجموعة البشرية ونمط حركتها على الأرض. فالقيام برعي الإبل - على سبيل المثال - يتطلب التوغل في الصحراء عند العرب، وهذا بدوره يجعل الاجتماع مغلقا غير قابلٍ للاتساع، أي يجعل العمران راكدا حاجيا بسيطا في الإجمال.
ولكي يكتمل الحديث عن الاجتماع والعمران فإن من الضروري الإشارة إلى تعريف ابن خلدون للعصبية. ذلك أن هذه"العصبية"هي ما يجعل الاجتماع البشري ممكنا، بحيث يقود ذلك الاجتماع فيما بعد إلى إمكانية قيام العمران. فالتسلسل عند ابن خلدون يصبح كالتالي:
عصبية ===> اجتماع بشري ===> عمران
ولقد تعددت الأقوال في تحديد رؤية ابن خلدون للعصبية وتعريفه لها عند الباحثين العرب والمسلمين من جهة والغربيين من جهة أخرى، الأمر الذي لا يتسع بحثه في هذا المقام. إلا أن ما لا يمكن تجاوزه هو الإشارة إلى المنهجية التي يجب اتباعها عند محاولتنا تحديد ماهية ذلك المفهوم عند ابن خلدون. والخطوة الأولى في هذا المجال تتمثل في ربط مجمل الأمثلة التي يطرحها بعضها بالبعض الآخر لاستخراج فهمٍ أوليٍ لها، ثم ربط ذلك الفهم الأولي ببقية المصطلحات التي يطرحها مثل العمران والاجتماع الإنساني والغاية والوجهة بقصد تعديل ذلك الفهم الأولي واستخراج فهم أكثر تحديدا للمراد من مفهوم"العصبية".
وباتباع تلك المنهجية نجد أن رؤية ابن خلدون للعصبية تجعله مفهوما متساميا على النسب والولاء والحلف والقرابة، ولكنه في نفس الوقت ليس مستقلا عنها. والمسؤولية الإنسانية المنبثقة من الخلافة هي التي تعطي للعصبية طابعها المعين في زمان معين ومكان معين. فإذا تحققت تلك المسؤولية عند المجموعة البشرية ساهمت العصبية في إقامة العمران، أما إذا غابت فإن دورها لا يصبح محايدا فقط، بل إنها يمكن أن تتحول إلى عامل تدمير وتخريب للعمران.
ويلاحظ ابن خلدون أن العصبية البالغة القوة عند القبائل المتوغلة في الصحراء كانت قاتلةً لكل انفتاح اجتماعي ممكن، بحيث أصبح أصحابها أبعد الناس عن العمران والحضارة. فالقضية هنا ليست قضية غياب العصبية، وإنما في عدم قدرتها على الإبصار. بمعنى أن الاجتماع البشري يصبح خاضعًا لها مُستلَبًا أمامها، فاقدًا للقدرة على وضعها في موضعها. وفي مثل هذه الحالة بالضبط تبرز بكل وضوح رؤية ابن خلدون لدور الدين من ناحية قدرته على توظيف"العصبية"وإعطائها قوة"الإبصار"بحيث تعود الحركة لتتوجه نحو تكامل العمران. والأمر الذي ينبغي الانتباه إليه أن الدين بهذه الرؤية إنما هو عاملٌ مؤثرٌ في العصبية وموجهٌ لها، وليس أصلا لها كما يُفهم في بعض الأحوال.
أما تحليل ابن خلدون لدور الدين بذلك الشكل فإنه يشرحه بقوله عن العرب"... وأنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلَّ ما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خُلُق الكبر والمنافسة منهم، فسهُل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المُذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس"1. وواضحٌ أن المسألة هنا لا تتعلق برفض الهوى ابتداءً، وإنما بالقدرة على التحكم فيه وتوجيهه إلى الحق، أي في وجود"الوجهة"المطلوبة.