فأما المستوى المعرفي فكان مع ميلاد الرسالة الخاتمة، رسالة الإسلام مع بعثة النبي صلى الله عليه و سلم، إذ كانت ظاهرة ختم النبوة ميلاد عهد جديد في التاريخ الإنساني، وميلاد القيم العالمية، والمرجعية الممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ودليل على أن الإنسانية قد بلغت الرشد، أو بتعبير العلامة محمد إقبال أن: (مولد الإسلام.. هو مولد العقل الاستدلالي ) (8) . هذا العقل الاستدلالي الذي زُوِّد برسالة عالمية في قيمها ومبادئها، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ) (سبأ:28) .
وفي نظر ابن نبي أن الحضارة في التاريخ كانت عملًا من إنجاز اللاشعور (9) (كانت عملًا غير قصدي ) ، ولم يُنتبه إلى أن الحضارة تخضع لسنن وقوانين تحكم حركتها في التاريخ إلا مع العلامة ابن خلدون، غير أن الحضارة الغربية حققت على المستوى الاجتماعي التاريخي امتداد الحضارة، لتشمل كل النطاق البشري، بغض النظر عن إصدار أحكام قيمية حول هذا الامتداد أكان نافعًا للبشرية أم لا، أو أن الحضارة الغربية ذات قيم عالمية أم لا.
ومن الوجهة الموضوعية، فإن الغرب بتحقيقه لهذا الامتداد للحضارة، بفضل قوته الصناعية، أحدث تحولًا في طبيعتها التاريخية (10) ، بعد أن كان الإسلام وميلاد الرسالة الخاتمة قد حققت التحول الحقيقي في طبيعتها المعرفية بفضل تعاليم الوحي. ومن هنا يمكن القول: إن الحضارة على المستوى المعرفي حققت عالمية قانونها مع النبوة (11) ، وحققت عالميتها على المستوى التاريخي وعلى المستوى الاجتماعي مع الامتداد الحضاري الغربي المعاصر، الذي امتد ليشمل كل الإنسانية، وتتأثر به من قريب أو من بعيد، سلبًا أو إيجابًا.
ولهذا يرى ابن نبي أن قانون الدورات الذي كان يراه ابن خلدون بحتميته، كما يراه (اشبنجلر ) بحتميته أيضًا، يبدو أنه حدث فيه تغير على ضوء أحداث الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وكذا العامل الاستعماري الذي وحد مصير الإنسانية من خلال توحيدها في آلامها (12) .
فالغرب في رأي ابن نبي ليس مستثنى من قانون الدورة، وإنما الحضارة الغربية ذاتها كاطراد تاريخي، تأتي كعامل ثانٍ في مقابل قانون ختم النبوة على المستوى المعرفي، واتساقًا مع منطق التاريخ الذي يتوجه سائرًا مع القدر إلى تحقيق اكتمال دلالات عالمية رسالة النبوة، وفق قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله ) (التوبة:33) .. فالموجة الأوروبية ليست خلودًا، كما ظن من رأى أن ابن نبي يستثنيها من القانون، وإنما المرحلة العالمية هي في ذاتها قانون يخلف قانونًا آخر كان يعمل ضمن إطار محدد من تطور حركة الحضارة الإنسانية، عندما كانت الحضارة قائمة على نظام الوحدات المستقلة.
وتمشيًا مع منطق التاريخ الذي يقود البشرية نحو المصير المشترك، فإن التاريخ يسجل قانونًا آفاقيًا آخر يجعل من عملية الأفول على مستوى الحضارة أمرًا مستبعدًا، هذا القانون هو قانون المقاصة، أي أنه كلما ظهر هناك ذبول أو ضعف في جانب من جوانب الحضارة فإنه يؤدي إلى تعويضه من قبل جهة أخرى في نطاق حضارة المصير المشترك التي تحتاج إلى إنقاذ (13) .
ومما سبق يمكن استنتاج أن ابن نبي يربط انتهاء قانون الدورة بحركة الحضارة، وما وصلت إليه من امتداد في العالم، كنتيجة لاطراد القوة الصناعية الغربية من جهة، ونضج الوعي الإنساني من جهة أخرى بفعل الدفعة التي أعطتها الرسالة الإسلامية، كما أشار إقبال. أي أن المرحلة العالمية كانت منطلقًا للتاريخ، ومصبًا لعمل سنن التاريخ، لتسلم الحضارة إلى سنة أخرى تحكمها في العهد العالمي.
2-الفكرة الدينية المُرَكِّبة:
من الأدوات التحليلية أيضًا التي تميز المنظور الحضاري عند ابن نبي، والتي وظفها في تحليل حركة الحضارة، والتغير الاجتماعي، ما أسماه بـ (الفكرة الدينية ) .. والفكرة الدينية في نظره، هي الفكرة المركِّبة، التي تعمل على التفاعل بين العناصر الأساسية (الشروط الأولية ) للحضارة. فابن نبي عندما جاء إلى تعريف الحضارة، طبق عليها آليتين أو منهجين متكاملين:
أولًا: المنهج التحليلي، إذ حلل الحضار إلى عناصرها الأولية التي تعتبر الرأسمال الأولي، وصاغها في شكل معادلة رياضية ذات متغيرات ثلاثة هي الإنسان والتراب والوقت، وقوامها: إنسان+ تراب + وقت = حضارة.
ثانيًا: المنهج التركيبي، الذي من خلاله أراد أن يكتشف القانون الذي تخضع له الحضارة في بنائها، وتحديد المنهج الذي تخضع له الحضارة باعتبارها بناءً، وهو ما أسماه بقانون التفاعل، إذ العناصر الأولية تبقى ساكنة ما لم تتدخل الفكرة المركِّبة، محدثة الشرارة الروحية التي تجعل من العناصر الأولية ديناميكية متحركة في إطار التاريخ.. هذه الفكرة المركبة التي تحدث الشرارة هي الدين، أو الفكرة الدينية.
والملاحظ أن روح البحث عن القانون الذي يحكم الحضارة كظاهرة اجتماعية تاريخية، جعلت من ابن نبي يحاول أن يضبطها في إطار مجرد على شكل معادلة رياضية، ويبدو أثر خلفيته التعليمية بارزًا، في تشبيهه لمعادلة تركيب الحضارة بمعادلة تكوين الماء بالصيغة الكيميائية، رغم إدراكه لصعوبة التحديد في العلوم الاجتماعية، لتعقد الظواهر الاجتماعية وعدم وصول العلم إلى الدقة فيها مثل دقة العلوم الطبيعية، ولم يتم التوصل إلى تحديد مصطلحاتها بعد كما حدث للعلوم الطبيعية (14) .
ويبدو ابن نبي مستحضرًا لهذا الوعي من جهة ومستلهمًا دقة العلوم الطبيعية من جهة أخرى، وهو يحاول تحديد دور الفكرة الدينية في تحريك العناصر الأولية للحضارة، وإدخالها في إطار ديناميكية تاريخية، ودون هذا المركب فإنها لا تحدث أثرًا في التاريخ. فالدين هو المفعِّل للشروط الأولية للحضارة، والمكوِّن للدافع النفسي الأساسي الذي يخرج الحضارة إلى مسرح التاريخ.
وقبل مواصلة تحليل الدور الذي يقوم به الدين في بناء الحضارة كما يراه (ابن نبي ) ، نتساءل أولًا عن مفهوم الدين عمومًا، في التحديد اللغوي والقرآني وفي العرف العلمي عند المسلمين وعند الغربيين، للوصول إلى تحديد مفهوم الفكرة الدينية التي تحدث عنها ابن نبي وأعطاها دورًا مهمًا في بناء الحضارة، ومدى انطباق مفهومه للدين على مختلف الأفكار التي صاغت الحضارات الإنسانية، كما نحدد موقع الدين والإسلام خصوصًا في مفهوم ابن نبي.
ويمكن القول إجمالًا: إن الدين في الوضع اللغوي له عدة إطلاقات تتضمن إلزامًا والتزامًا، وملتزمًا به، أو بعبارة أخرى علاقة بين طرفين تتضمن عهدًا ومبدأ يلتزم به، فالإلزام من قبل المُلزِم يقابله خضوع والتزام، وهي حالة نفسية وعملية، تسمى عملية التدين، ثم المبدأ الملتزم به، وهي الحقيقة الخارجية -بتعبير الشيخ دراز- وهي جملة المبادئ التي تدين بها أمة من الأمم، اعتقادًا وعملًا (15) .
أما في الاستعمال القرآني فيرد مصطلح الدين بمعنيين، معنى المعتقد والمنهج الذي يتخذه الإنسان في هذه الحياة، يفسر به الوجود، ويشكل به نظرة وتصورًا عن الخالق والكون والحياة، وهذا ينظر إليه من ناحيته الإنسانية العملية، أي تلك الممارسة العملية (التدين ) ، سواء كان هذا الدين إنكارًا أو إقرارًا بوجود الخالق وتحقق وعده أم لا. أما المعنى الثاني فهو بالنظر إلى حقيقة هذا المنهج، وواضعه، وفي هذا يصير هناك دينان فقط; دين الحق ودين الضلالة، أو بعبارة أخرى دين الله الإسلام، وغيره من الاعتقادات التي تخالفه مهما كانت.