لو سلمنا بأن البيئة إسلامية صحيحة، وعلمية سليمة، فكيف يبرع العالم في أتفه الأمور وأخسها، وينحرف في أعظم الأمور وأهمها على الإطلاق، وهو أمر دينه؟!
والوجه الرابع:
إن كون البيئة إسلامية علمية صحيحة لا يسوّغ المفاخرة بهؤلاء الملاحدة، وإن ساغ ذلك عند أحد؛ فليسع عنده أيضًا المفاخرة بيهود ذلك الوقت ونصاراه ومجوسه الذين في الدولة الإسلامية، والذين برعوا في نفس العلوم، وهم كثير، لأنهم في نفس البيئة الإسلامية العلمية الصحيحة! وعندها يختلط الخاثر بالزُّباد، والرغوة بالصريح، ولا يكون للدين معنى، ولا للإسلام قيمة.
فصل
جواب الشبهة الثانية
وأما الشبهة الثانية؛ فجوابها من وجوه أيضًا...
فالوجه الأول:
إن دعوة الكفار إلى الإسلام لا تكون بتكلّف المحالات، وتزييف الحقائق، فننسب إلى الإسلام ما هو منه براء، لنرغب الكفار فيه، وإلا فلا فرق بين من يفعل ذلك وبين من يضع الأحاديث في الزهد والرقائق ليرغب الناس في الصالحات، ويقول؛ أنا أكذب للرسول ولا أكذب عليه!
وإنما تكون دعوتهم كما كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار زمانه، ببيان التوحيد وذم الشرك ونحوه مما ورد عنه وثبت، فإن دخل الكفار بهذه الدعوة إلى الإسلام؛ فلله الحمد، وإن لم يدخلوا فيه وأصروا على باطلهم ورموا الإسلام وشتموه، فلا ضرر عليه من كلامهم، بل هم...
كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وعلى المسلم أن يتمثل في ذلك بقول الشاعر:
وما كل كلب نابحٍ يستفزني ... ولا كلما طنّ الذباب أراعُ
والوجه الثاني:
أن يعلم - أصحاب هذه الشبهة - أن المسلمين إنما فتحوا الدنيا وملكوها بعدل عمر وفقه معاذ وحديث أبي هريرة وزهد أبي ذر وشجاعة خالد، ولم يفتحوها بـ"إشارات"ابن سينا ولا بـ"حادي"الرازي ولا ببصريات ابن الهيثم ولا بموسيقى الفارابي:
هيهات بين اللؤم بون والكرمْ ... أبعد مما بين بصري والحرمْ
بل ما بدأت عزة المسلمين تذهب إلا بعد انتشار هؤلاء وأمثالهم - كما سبق بيانه
والوجه الثالث:
أن هذه الشبهة منقوضة طردًا وعكسًا...
أما طردًا؛ فإن أصحاب هذه العلوم من ملاحدة المسلمين إنما استفادوها من اليونانيين، فإن كان في ملاحدة المسلمين"المعلم الثاني"؛ الفارابي، ففيهم"المعلم الأول"؛ أرسطو، وإن كان في ملاحدة المسلمين"الأب الثاني"للطب؛ ابن سينا، ففيهم"الأب الأول"؛ أبقراط، وإن كان في ملاحدة المسلمين"بطليموس الثاني"؛ ابن الهيثم، ففيهم"بطليموس الأول"، وهكذا، وكان الفضل للمتقدم.
ثم إن قلتم؛ إن المسلمين طوروا هذه العلوم، فإن ما طوره الكفار اليوم ووصلوا إليه من الصناعات المذهلة التي طيّروا بها الحديد، وكلموا الجماد، وبنو الشاهقات، وأخرجوا عجائب المخترعات، ليفوق أضعاف أضعاف أضعاف ما طوره أولئك.
فإن قلتم؛ بأن هذه العلوم إنما تدور مع الحق حيثما دار، فقد صحّحتم عقائد الكافرين أولًا وأخيرًا.
وإن قلتم؛ إنها لا تدل على حقٍّ فهي هنا وهنا، قلنا؛ وهذا ما نبغي، فلم الفخار بعلمٍ لا يدل على حقٍ، وبعلماء ابتعدوا عن الحق؟!
وأما عكسًا؛ فإننا لا نجد في وقت قوة المسلمين وعزتهم في القرون المفضلة لهؤلاء الملاحدة ذكر، ولا لعلومهم مجال، وإنما انتشرت حين بدأت تزول الحضارة الإسلامية، أو قل؛ إنها عندما انتشرت بدأت تزول الحضارة الإسلامية، فإن انتشار هذه العلوم وزوال النعمة متلازمان.
والله أعلم
فصل
جواب الشبهات الثالثة والرابعة والخامسة
وأما الشبهات الثلاث الأخيرة، فأذكر فيما يلي أصولًا ثلاثة في الجواب عليها.
أما الأصل الأول؛ فهو: (إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن) (1) .
فالكافر؛ غايته الدنيا وهي منتهى أربه، فهو يعمل فيها عمل مقيم أبدًا، أما المؤمن؛ فهو كعابر سبيل لا بد من ارتحاله اليوم أو غدًا، كالذي في السجن ينتظر الفرج.
لهذا السبب كان السلف مع إقبال الدنيا عليهم؛ كان أقصى مرادهم من الدنيا هو العمل الصالح والتزود بالعلم النافع، وأما الدنيا؛ فليست أهلًا لعمرانها فوق الحاجة.
وأما الكفار؛ فإنهم سعوا منذ القدم في تحصيل الدنيا وعمرانها لأنها جنتهم ومقصودهم فبرعوا في ذلك، وهذه آثارهم شاهدة على ما أقول مع قدم الزمن، كآثار الفراعنة في مصر، وآثار البابليين، وديار حجر وثمود وغيرها، وكما نرى اليوم من زخارفهم وعلومهم، وقد قال تعالى في محكم كتابه: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الزخرف: 33 - 35] .
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: (أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة، متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار، ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا وحبهًا لها، لو أعطينا ذلك كله للكفار لحملق الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفارًا) (2) اهـ.
فانظر رحمك الله إلى حال الكفار اليوم، فإنهم مع ما هم فيه من زهرة الحياة الدنيا ما أعطاهم الله زخارف الأرض كلها، وانظر إلى فتنة كثير من الملمين بهم، فكيف لو أعطاهم زهرة الدنيا كلها؟! وقال تعالى أيضًا: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: 7] .
فقد روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس في تفسيرها، قال: (يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الآخرة جهال) .
وعن الحسن: (ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي) (3) .
فاعلم أن هذه الزخارف لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما حَرَمَ منها سيد خلقه أجميعن صلى الله عليه وسلم وأعطاها لأعدائه.
(1) هذا نص حديث رواه مسلم والترمذي وغيرهما، وانظر في شرحه؛ شرح مسلم للنووي: 18/93، و بدائع الفوائد: 3/177، وله عدة تفاسير منها إن المسلم قيده إيمانه عن المحظورات والكافر مطلق التصرف، ومنها إن هذا باعتبار العواقب، فالمسلم ولو كان أنعم الناس في الدنيا فإنه بالإضافة إلى ما له في الجنة كأنه في سجن، والكافر ولو كان أشد الناس بؤسًا في الدنيا؛ فذلك بالنسبة إلى النار جنة.
(2) أضواء البيان: 7/248.
(3) ذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى على آية الروم هذه كلامًا قيمًا جدًا لولا طوله لنقلته بنصه، انظر أضواء البيان: 6/477.
فإنه لما صعد إليه عمر رضي الله عنه تلك المشربة، فرآه على صعيد قد أثّر في جنبه، ابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: (يا رسول الله، كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟!) ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم متكئًا، فجلس وقال: (أفي شكٍ أنت يا ابن الخطاب؟!) ، ثم قال: (أؤلئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) ، وفي رواية: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) .
وأما الأصل الثاني؛ فهو:"إن الكفار كانوا منذ القدم - ولا زالوا - أكثر من المسلمين عددًا وعُددًا وعمرانًا".