فهرس الكتاب

الصفحة 1285 من 1942

هذا الأمر هو الذي جعل فوكوياما يعود إلى هيجل ونظريته غير المادية في التاريخ القائمة على أساس"الصراع من أجل نيل التقدير والاحترام"ص12 وذلك بالوصول إلى الديموقراطية اللليبرالية . كما يعود في نفس الوقت إلى ذلك الجانب الذي سماه أفلاطون: الثيموس ( أي الهمة أو الشجاعة أو القوة الغضبية ) ضمن الجوانب الثلاثة عنده للإنسان: العقل والشهوة والقوة الغضبية ص 13 .

ثم هو يبني أطروحته على اتجاه الاقتصاد العالمي في طريق العولمة: ويقررأنها - أي العولمة وجدت لتبقى لأسباب ثلاثة:

أولا: لأنه - كما يقول ( لم يبق هناك نموذج تنمية كبديل عملي يعد بنتائج أفضل من العولمة حتى بعد أزمة الدول الأسيوية عام 1997\1998 ) طبقا لما صرح له به بعض زعماء الحركة الاقتصادية النامية في سنغافورة وماليزيا من أنهم أصبحوا يفضلون نمط السياسة القائمة على الحقوق الذي هو سمة من سمات الغرب"يفضلونه على نمط السياسة القائمة على الدكتاتورية الأبوية كسمة من سمات الثقافة الأسيوية"

السبب الثاني: في عدم احتمال نقض العولمة هو: أن مشاكل عدم المساواة الاقتصادية التي يسعى اليسار إلى حلها لا يمكن حلها في الوقت الراهن إلا على أساس من المستوى العالمي

السبب الثالث: أن العولمة المعاصرة تلقى الدعم من تكنولوجيا المعلومات التي نشرت التليفون والفاكس والراديو والتليفزيون والإنترنيت في أقصى بقاع الأرض . .

وليس معنى ذلك عند فوكوياما ( أن الديموقراطيات الراسخة المعروفة في زمننا هذا كالولايات المتحدة أو فرنسا او سويسرا لا تعرف الظلم أو المشكلات الاجتماعية الخطيرة ، غير أن هذه المشكلات هي في ظني - حسب تعبيره - وليدة قصور في تطبيق المبدأين التوأم: الحرية والمساواة ، اللذين قامت الديموقراطية على أساسهما ولا تتصل بعيوب في المبدأين نفسيهما ) ص 8

تعليق (1) : وهنا نجد أن فوكوياما يتناسى أن الديموقراطية الحديثة لم تقم على أساس هذين المبدأين الحرية والمساواة فحسب: ولكن بضميمة العلمانية إليهما ، ومن هنا يصح لنا أن نتوقع مجييء العيوب من هذا المبدأ الثالث نفسه

تعليق (2) : إذا كان هذا الاعتذار - عدم القصور في المبدأ نفسه - مقبولا في شأن إخفاق الديموقراطية الحديثة إلى حد أنها كما يقول فوكوياما نفسه ( قد ترتد إلى أشكال أخرى للحكم أكثر بدائية كالحكومة الدينية أو الديكتاتورية العسكرية ) ص 8 .. فهل يقبل العلمانيون هذا الاعتذار عندما يقال في شأن النظام الإسلامي ؟

تعليق (3) : بالرغم من تصريح فوكوياما بأن الإنسان ليس حيوانا اقتصاديا ،وإنما هو يحتوي على الرغبة في اعتراف الآخر به ( انطلاقا من الثيموس الأفلاطوني ومطلب الاعتراف عند هيجل ) فإننا نحن نرى أن الأمر مع ذلك ما يزال يتحرك في النطاق المادي ، ولا يمكن تحقيق الشعور بالاحترام إلا من خلال تحقيق رغبة الإنسان في التطلع للحصول على الرضا من خلال رغبته في الاتصال بالأعلى ، بالله والآخرة ، وإذن فلا ينتهي التاريخ إلا باستسلام الإنسانية كلها للدين الذي يشبع هذه الرغبة ، و ذلك ما تنبأ به محمد صلى الله عليه وسلم في قوله من علامات الساعة ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها ) رواه البخاري وغيره .

تعليق (4) : ارتبط هذا الفهم للتاريخ بكل من الفيلسوف الألماني هيجل ، وماركس ، فعند هذين المفكرين: أن ثمة تطورا متلاحما للمجتمعات البشرية من مجتمعات قبلية بسيطة قائمة على العبودية وزراعة الكفاف ، إلى مختلف أشكال الحكومات الدينية والملكية والأرستوقراطية الإقطاعية وانتهاء بالديموقراطية الليبرالية الحديثة والرأسمالية القائمة على التكنولوجيا .

تعليق (5) : نرى أن هذا التاريخ بهذا المفهوم الدنيوي البحت نظرية قابلة للجدل ، إذ أين المسار الديني الخاضع لقيومية الآخرة عند من يعتقد كونه عاملا أساسيا لا يزول ؟

تعليق (6) : كان في اعتقاد كل من هيجل وماركس أن تطور المجتمعات ليس إلى ما لانهاية ، بل إنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية وهكذا افترض الاثنان أن للتاريخ نهاية: هي عند هيجل الدولة الليبرالية ، وعند ماركس المجتمع الشيوعي ، وليس معنى هذا أن تنتهي الدورة الطبيعية للحياة والأحداث وإنما يعني هذا أنه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية ، وذلك لأن كافة المسائل الكبيرة حقا ستكون قد حلت ص 9

تعليق: ونحن نقول إن هذا يتوقف على وجهة النظر القيمية: إذ أين تأثير مسار القيم الأخروية عند من يؤمن بها وينتظر عندئذ مستقبلا لتحقيقها ؟

( 7) ثم يؤكد فوكوياما في كتابه: أن لنا ونحن نودع القرن العشرين أن نعود إلى تأكيد ما قرره هيجل من قبل: أن تاريخ البشرية يتجه بالشطر الأعظم من البشرية صوب الديموقراطية الليبرالية

تعليق: ونحن نرى أن هذا التأكيد ينطلق من تقدير مفعم بالذاتية ، وهي ذاتية ليست مقدسة ، ولا محصنة ضد الجدل ، فإذا لم تؤصل على أسباب موضوعية فقد اصبح وخصومه على مفترق طرق منذ البداية .

وما يذكره فوكوياما من أسباب لهذا الاعتقاد يؤكد ذاتيته .

هل تراجع فوكويوما

في مقاله الأخير الذي أصدره فوكوياما مؤخرا بعنوان ( إعادة نظر في نهاية التاريخ ) وقد نشرته مجلة"الكتب وجهات نظر"في عددها الثامن سبتمبر 1999 بترجمة الأستاذ أحمد محمود . يتساءل فوكوياما في هذا المقال الأخير: هل يعني ذلك من الصحيح أن ما قدمه في كتابه من أن كل شئ في النظام السياسي والاقتصادي الكوني يسير فعلا إلى حالة الاستقرار النهائية ؟ يجيب فوكوياما على هذا السؤال في مقاله الأخير بالنفي ، ولأسباب سياسية واقتصادية إلى الحد الذي يجعله يصرح بسؤال: لماذا كان القول بنهاية التاريخ خطأ إلى حد كبير ؟ ، إنه يصرح بأنه اكتشف أن احتمال كون الإنسانية في هذه المرحلة الديموقراطية الليبرالية القائمة على العولمة الحتمية قد اقتربت من نهاية التاريخ إنما ينشأ فقط في ظل شرطين: أولهما أن التقدم العلمي التكنولوجي له نهاية يتوقف عندها . والثاني: أن الطبيعة البشرية ثابتة لا تتغير تغيرا جذريا . وبما أن هذين الشرطين غير متوفرين: كما تبين له أخيرا فإن احتمال تحقق ما سماه نهاية التاريخ أصبح أمرا مشكوكا فيه كذلك:

أما الشرط الأول فقد أصبح مشكوكا فيه بسبب التقدم العلمي الذي لم يعد له نهاية ملحوظة إلى الحد الذي ينبئ باحتمال أن يخلق نوعا جديدا من البشر ومن ثم ينهار الشرط الثاني الذي افترض ثبات الطبيعة البشرية .

وفي المجال العلمي فهو يقرر أن الإنسانية على شفا انفجار جديد من الابتداع التكنولوجي ، وأنه إذا كان القرن العشرون هو قرن الفيزياء التي كانت منتجاتها النموذجية القنبلة الذرية والترانزستور فإن القرن الواحد والعشرين يبشر بأن يكون هو قرن البيولوجيا أو علم الأحياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت