وقد عملت أميركا في هذا المجال على دعوة الدول الخمس العظمى في العالم التي تتولى عملية تصدير الأسلحة إلى سائربلدان العالم، وهي روسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا بالإضافة إلى أميركا نفسها إلى الاجتماع والتشاور فيما بينها، وقدأسفر هذا الاجتماع عن تشكيل لجنة يشرف عليها وزير الخارجية الأمريكي نفسه، وقرر المجتمعون في هذه اللجنة العمل من أجل الحيلولة دون أن تتسلح دول العالم الأخرى بالأسلحة الذرية، أو الكيمياوية، أو الصواريخ البالستية؛ بل وقرروا أيضًا العمل على تدمير الأسلحة الإضافية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط المتأزمة، والتي تهدد الاستقرار- على حد تعبيرهم- علمًا أننا لا نعرف ما هو هذا الاستقرار الذي يريدونه، أهو استقرار أميركا، أم روسيا، أم أوروبا؟!
ومن المعلوم أنهم عندما يتحدّثون عن منطقة الشرق الأوسط فإنهم يستثنون من ذلك (إسرائيل ) التي باتت اليوم تمتلك قنابل نووية بالإضافة إلى عشرات الرؤوس النووية ومئات الصواريخ الاستراتيجية، كما أنهم يريدون من المناطق المتأزمة بلداننا الإسلامية.
حقيقة الهلع الاستعماري
ترى ما السر في هذه القائمة على الهلع، وانعدام الثقة، ولماذا لا يخشون - مثلًا- من امتلاك الصين، أو روسيا، أوإسرائيل، أو جنوب أفريقيا للأسلحة النووية، بينما يتهيّبون من أن امتلاك المسلمين ولو لجزء ضئيل منها؟
إن السر في ذلك هو أن الدول الغربية قد استرقتنا ، واعتبر الغربيون أنفسهم سادة، واعتبرونا نحن المسلمين عبيدًا لهم،فهم يعتبرون أنفسهم أوصياء علينا، إذ أيقنوا وعرفوا أن الأمة الوحيدة التي من الممكن أن تتحول في يوم من الأيام إلى قوة عالمية عظمى تجرف كياناتهم، وتدمّر بنيانهم هي الأمة الإسلامية بما تمتلكه من خلفية حضارية وتاريخية مجيدةوعريقة، وما تستند إليه من قيم حضارية مشرقة بفضل كتابها المقدّس، القرآن الكريم، ولما لها من القابلية على التوسّع والامتداد إلى آفاق الأرض، واستيعاب البشرية مهما كانت جنسياتها وألوانها ولغاتها. وهذا هو سر إمكانية تحولها إلى قوة عالمية جبارة، وبعد ذلك كلّه ما تملكه هذه الأمة من قيم جهادية وتضحوية تفتقر إليها سائر الأمم، علمًا أن هذه القيم هي سر بقائها وعزتها ورفعتها.
وعلى هذا؛ فإن ما يخشاه الأمريكيون ومن يدور في فلكهم من الغربيين هو بروز القوة الإسلامية العظمى في منطقةالشرق الأوسط.
الوجه الآخر للحضارة الغربية
والحقيقة التي هي على غاية من الأهمية والدقة، والتي يجدر بنا أن ندركها نحن العاملين في الساحة، ونرتفع إلى مستواها،هي أن الحضارة الغربية رغم كونها حضارة متطورة، ولها من السبق التقني، والمنهجية العقلية الراقية ما لا تمتلكه الأمم المعاصرة الأخرى، إلا أن هناك مجموعة من العادات، والتقاليد، والممارسات الجاهلية التي يندى لها جبين التأريخ الإنساني تتكرس في كيان هذه الحضارة؛ على الرغم من تلك النقاط المشعة التي تتميّز بها الحضارة الأميريكية والغربيةمن تطور تكنولوجي وصناعي متفوق، وأن لديهم من القيم الحضارية الراقية ما يزيد تلك النقاط إشعاعًا لتعاونهم،وانسجامهم، واجتهادهم في العمل، وإخلاصهم... إلا أن رائحة الجاهلية المقيتة تفوح من عقليتهم، وتفكيرهم، حيث ينطلقون في تعاملهم مع سائر الأمم من منطلق تلك القيم الجاهلية التي تستحوذ على عقلياتهم.
فطموحات السيطرة والاستغلال والنهب في الحروب يجعلهم يدوسون كل قيمة إنسانية نبيلة تحت أقدامهم، والدليل على ذلك ما فعلوه وارتكبوه هم وأذنابهم بحق الكثير من شعوب الأرض التي رزحت لفترات طويلة تحت نيرتسلّطهم، أليس هم الذين ذبحوا الآلاف المؤلفة من أبناء الشعب الفيتنامي، وارتكبوا المجازر الجماعية ضدهم بكل صلافة ووقاحة، وأليس هم الذين أبادوا ثلاثة ملايين إنسان في كمبوديا، ثم أليس من جاهليتهم أنهم ينافقون في تعاملهم، ويخونون ويكذبون ويغدرون؟؟ وكل هذه الصفات الرذيلة يعتبرونها من أسباب قوتهم، وتسلطهم على الآخرين.
تأثيرات الحضارة الإسلامية
وإذا ما وجدنا لديهم بعض القيم الحضارية السامية التي يتعاملون بها فيما بينهم، كالصدق، والتعاون، والإخلاص،والتفاني، فإن ذلك إنما استوحوه من المسلمين، وقرآنهم، وحضارتهم الرسالية العريقة بشهادة مؤرخيهم، وفلاسفتهم،ومفكّريهم؛ ولا أحد يستطيع في هذا المجال إنكار حقيقة أن مذهب الرفض المسيحي (البروتستانتية) الذي أسسه وتزعمه (مارتن لوثر) قد تأثر إلى حد كبير بموجة المعارف والقيم والآداب الإسلامية الرفيعة، حيث يؤكد الجميع على أن هذا المذهب يشبه إلى حدّ كبير المذهب الشيعي في إطار المذاهب الإسلامية. فهو مذهب توحيدي،استوحى أفكاره وقيمه ومنهجيته من روح الإسلام؛ صحيح أنه مذهب مسيحي، ولكنه- في واقعه- يمثل حركةإصلاحية في المسيحية، فهو يرفض مبدأ (التثليث ) في العبادة، ويدعو إلى الوحدانية.
هذه حقيقة تاريخية لا يمكن أن تنكر، وهناك حقيقة تاريخية أخرى تكمل الأولى، وهي أن الحضارة الغربية نشأت من بعد ظهور الحركة الإصلاحية البروتستانتية التي تفجرت في أوروبا، والتي هي بدورها وليدة الحضارة الإسلامية.
وعلى هذا الأساس؛ فإن كل ما لدى الغرب من قيم فاضلة نبيلة وحضارة وتقدم وازدهار إنما هو مستوحى - في الأصل- ومكتسب من الانبعاث الإسلامي، وإشراقة أشعته على ربوعهم، وحضارة الأندلس الإسلامية هي خيرشاهد ودليل على ذلك، وقد كان مذهب الرفض المسيحي هو السبب والوسيلة التي نقلت إلى الغربيين القيم الإسلامية،والروح القرآنية الناهضة.
والشعب الأميريكي يدين في مسيحيته بالمذهب البروتستاني، ويلزم أن يكون رئيس الجمهورية من اتباع هذاالمذهب لا من اتباع المذاهب المسيحية الأخرى كالكاثوليكية، والارثوذوكسية، وسائر المذاهب الأخرى.
التأثيرات السلبية للحضارة اليونانية
وما نجده اليوم من قيم جاهلية فضة، وأفكار عدوانية، وظلم وعنصرية، وبعض المعتقدات اليهودية، كالاعتقاد بأنهم شعب اللَّه المختار وما إلى ذلك من أفكار خرافية، فإن كل ذلك من آثار الفلسفة اليونانية التي كانوا يعتقدون بها، والتي عكّرت صفو مذهبهم؛ حيث خلطوا السم بالعسل، فامتزجت قيمهم الحضارية الرفيعة برواسب جاهليتهم اليونانيةالقديمة، فأضحوا يعيشون الازدواجية في تعاملهم. ولذلك لم يكن غريبًا أن تصدر السلوكيات الهمجية الجاهلية منهم في تعاملهم مع الأمم الأخرى في نفس الوقت الذي تسود فيه بينهم روح المدنية المتحضرة والديموقراطية، حتى راحوايدافعون عن حقوق (الحيوان ) ويؤسسون الهيئات والمنظمات التي تدافع لذلك.
إن الإنسان الأميريكي والغربي عمومًا يعيشان سلوكين؛ سلوكًا مظلمًا قاتمًا، مصدره قيم الحضارة اليونانية، وسلوكًامضيئًا أخذ نوره من شمس الإسلام التي أشرقت على أوروبا في عصورها الوسطى. والحضارة اليونانية - كما هومعروف- هي حضارة الغاب، وحضارة الوثنية والعنصرية التي ولدت في بيئة قادة عسكريين قساة كانوا يجهزون الحملات، ويشنّون الهجمات على البلدان الأخرى المجاورة لهم فيحطموها؛ ومثال ذلك الإسكندر المقدوني الذي كان يغير على البلدان المختلفة بجيوشه، فيقتل، ويذبح، ويدمر، ثم يصفق له شعبه تأييدًا وموالاةً!