إذا كانت الماركسية تعني من التغير هذا المفهوم الشامل فإنها مخالفة لوجدان كل إنسان. إننا نعلم بوجودنا، وان ثلاثة في ثلاثة يساوي تسعة، وان الصدق حسن والعدل جميل والحق مرغوب فيه. ونعلم ان هذه حقائق لن تتغير.
ثم اننا لم نجرب التغير في السنن الكونية. فكل القوانين ثابتة يقوم على أساس ثبوتها صرح العلم العظيم.
ولا تسع الديالكتيك الا ان تعترف بثبوت القوانين الكونية إذ ان البنود الأربعة للديالكتيك ليست سوى قوانين تدعي المادية الديالكتيكية بأنها لن تتغير أبدا. وإذا سحبت فرضية التغير إلى عالم السنن انهار بناء المادية الديالكتيكية قبل كل بناء.
وعالم المعارف هو الآخر، عالم ثابت موزون. وقد سبق القول منا في أن القول بتغير الحقيقة أشبه شيء بالقول بتغير الصورة التي تمثل لحظة معينة، وانه مغرق في السذاجة.
والقيم، كقيمة العدل والصدق و الوفاء، هي الأخرى ثابتة، لوجدان كل بشر انها كذلك.. أترى يأتي حين من الدهر ينقلب العدل قبيحا عند العقلاء والكذب حسنا والغدر خلقا طيبا؟
إذا فالمبدأ الأول، صحيح إذا وضع في إطار الطبيعة التي يُلاحظ فيها التطور، أما إذا سحب إلى عالم الغيب (الميتافيزيقيا) فإنه يعود هراء لا يمجه الذوق السليم والعقل الصائب فقط، بل ويلفظه حتى أولئك الذين تشدقوا به.
وسنبحث قريبا، ان شاء الله، عن مبدأ التغير وانه ركيزة الفكر الإسلامي، وستعرف هناك الكذبة الكبرى التي افتراها ستالين حين قال:
(ان الديالكتيك ـ خلافا للميتافيزيقية ـ لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود، حالة ركود واستقرار، بل يعتبرها حالة حركة وتغير دائمين، حالة تجدد وتطور لا ينقطعان. ففيهما دائما شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحل. ولهذا تريد الطريقة الديالكتيكية ان لا يُكتفى بالنظر إلى الحوادث من حيث علاقات بعضها ببعض، ومن حيث تكييف بعضها ببعض بصورة متقابلة، بل ان ينظر إليها أيضا من حيث حركتها، ومن حيث تغيرها وتطورها، ومن حيث ظهورها واختفائها) .
وبعد، هل بإمكان ستالين ان يقول: من هم أولئك (الميتافيزيقيون) الذي اعتبروا الطبيعة جامدة؟ بل سنعلم بإذن الله ان الديالكتيك هو الذي يمثل الجمود!!
المبدأ الثاني:
قاعدة التفاعل بين الأشياء سنّة في الخليقة معا. فكل شيء يقع في حلقة معينة من سلسلة الأسباب والحوادث.. وليس هناك من ينكر هذا الترابط. والاسلام يرى ان الكون كله آية من آيات الله العظيمة، وإسم من أسمائه الحسنى. فكل شيء يرتبط بكل شيء في ذات الخلقة وفي أصل الوجود.
ولكن من حقنا ان نسأل، هو يمكن للديالكتيك ان تؤمن بمبدأ الترابط العام؟! من اجل معرفة جواب ذلك، لا بد ان نعرف معنى الترابط والسبب الذي يدعونا إلى الإيمان به.
لا يعني الترابط، التلاصق والإصطفاف في مسيرة الوجود الصاعدة، بل يعني التأثير والإيجاد والتحول.
والذي يحملنا على الإعتقاد بالتأثير المتقابل في الأشياء هو العلم بأنه يجب ان تحدث الأمور بواحدة من ثلاث فرضيات:
1-بسبب خارج ذاته.
2-بالصدفة.
3-بالتفاعل الذاتي.
وبناء على الفرضية الأولى، لا بد لكل فعل يوجد من سبب خارجي له..
وعليه فلا بد من وجود الترابط والتفاعل بين أجزاء الكون ليكون بعضها لبعض سببا وعلة مغيرة.
ولكن الفرضية الثانية (الصدفة) والثالثة (التفاعل الذاتي) تمنع البحث عن سبب خارجي. فمثلا: لو رأينا انفلاق البيضة عن الدجاجة ذهبنا ـ نحن الإسلاميين ـ نبحث عن سبب خارج البيضة، وهي الحرارة المعينة التي سببت انفلاق البيضة، ثم نبحث عن سبب للحرارة وهو توليد طاقة الكهرباء، ونبحث عن سبب للتوليد. وهكذا نستمر في التدرج مع الأسباب وأسباب الأسباب إلى ان يحدث التفاعل بين أجزاء الكون. ولكن القائل بالصدفة يريح نفسه منذ البداية ويقول: لسنا بحاجة إلى البحث عن سبب الانفلاق. وكذلك الديالكتيكي الذي يربط الانفلاق بالتناقض الداخلي ينهي الأمر أيضا، ولهذا يجمد العلاقات بين الأشياء بصورة نهائية!
والواقع ان هيجل كان يقصد بمبدأ التفاعل حقيقة أخرى سنتطرق اليها في المبدأ الثالث. أما الماركسيون فإنهم استغلوا هذا المبدأ لسحق الفرد بين فكي رحى المجتمع. فقال قائلهم (اميل برنز) بعد استعراض هذا المبدأ:
(وقد يبدو هذا الترابط بين الأشياء بديهيا إلى درجة يظهر معها أي سبب لالفات النظر إليه عبثا ولكن الحقيقة هي: ان الناس لا يدركون الترابط بين الأشياء دائما، ولا يدركون ان ما هو حقيقي في ظروف معينة قد لا يكون حقيقيا في ظروف أخرى.. وخير مثل يمكن ان يضرب في هذا الصدد هو وجهة النظر حول حرية الكلام. ان حرية الكلام بصورة عامة تحرم الديموقراطية وتقيد إرادة الشعب في التعبير عن نفسها ولذلك فهي غير مفيدة مطلقا لتطور المجتمع إذ انها توقف تطور المجتمع..) .
وهكذا استغل الماركسيون هذا المبدأ بعد ان حرفوه، استغلوه في سبيل سحق حرية الفرد وجعله أداة في الجهاز الحكومي الذي يمثل المجتمع.
وبعد هذا، فهل من الإنصاف ان تنعت الماركسية الفكر الميتافيزيقي بأنه (يعتبر الطبيعة تراكما عرضيا للأشياء أو حوادث بعضها منفصل عن بعض أو أحدها منعزل ومستقل عن الآخر) كما قال ستالين، ام انه مجرد افتراء وخيانة لأمانة العلم؟
المبدأ الثالث:
مبدأ التفاعل الذاتي الذي ينشأ من وجود تناقض داخلي في الاشياء بدفعها إلى التحول نحو الأعلى بصور مستمرة. وينبغي توضيح عدة نقاط، لمعرفة حقيقة هذا المبدأ:
1-تحدثنا سابقا عن اختلاف معنى (التناقض) الأدبي عن معناه الفلسفي وان الديالكتيك تستعمل اللفظ في مفهومه العام الذي يعبر عن مطلق التقابل حسبما يظهر من أمثلة فلاسفة الديالكتيك.
2-كيف تنشأ الحركة؟ الجواب بسيط: خذ قضيبا ودحرج به حجرا تحدث حركة. ولكن لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يبقى السؤال: لماذا حين اصطدم القضيب بالحجر حَرَّكه؟ يقول الفيلسوف الميتافيزيقي: ان السبب هو التناقض. إذ ان القضيب احتل مكان الحجر فلم يكن للحجر الا الفرار، إذ انه استحال ان يجتمع ضدان في موقع واحد. وحين نمعن النظر نرى ان كل حركة انما تحدث بهذا السبب. فالحركة في البيضة تبدأ بنمو أجزائها، وحين تكبر تضيق البيضة بها فتنفلق.
وهنا نضع أيدينا على رمز عظيم، هو ان كل حركة تحدث بسبب وجود تناقض ولكن لا بسبب اجتماع نقيضين. وجود تناقض بين المحرِّك والمتحرك، لا يمكن ان يجتمعا في مكان فيدفع الأقوى الأضعف إلى الخارج. ولكن لا يعني هذا اجتماع نقيضين أي احتواء المكان الواحد للمحرك والمتحرك في مكان وزمان معينين. وبتعبير آخر: هذا تناقض خارجي أي وجود شيئين في مكان كل منهما يقتضي أمرا مختلفا عن الآخر. فإذا حاول التجمع في مكان حدث التناقض، أي حدث تحكم مبدأ امتناع وجود المتناقضين في مكان فحدثت حركة من هذا الأمر. وهذا أمر متفق عليه من قبل الديالكتيك والميتافيزيقيا، وهو دليل على ان اللفظ فقط كان الحاجز بين الفلسفتين.
3-ومبدأ عدم التناقض الذي تبناه الفلاسفة الشكليون يشترط ان يكون الإثبات والنفي في شيء واحد ووقت واحد وحالة واحدة..