فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 1942

ومن الطبيعي بعد هذا الا يبقى في الدنيا عاقل يصحح اجتماع النقيضين ويقول: ان المثلث في الوقت الذي له ثلاثة أضلاع فله أيضا أربعة أضلاع، وان أمة اليونان في الوقت الذي كانت موجودة في التاريخ كانت أيضا معدومة، وان الإسلام حق كله وباطل كله في لحظة ومن جهة واحدة، وهكذا.. ومن هنا نعلم انه ليس من التناقض في شيء، تعارض أجزاء الكون وتنازع أحيائه على البقاء.. فالفعل ورد الفعل في الميكانيك ليس بتناقض لأن زمان الفعل شيء يختلف عن زمان رد الفعل. صحيح (ان لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الإتجاه) ولكن ليس من الصحيح ان هذا تناقض، إذ ان الفعل يسبق رد الفعل فلا يجتمعان في الزمان. ولأن الفعل يعاكس رد الفعل في الإتجاه فليسا في مكان واحد.. بل كما سبق لو كان التناقض ممكنا لما كان لكل فعل رد فعل، إذ انهما إذًا جمدا في مكانهما.. وكذلك الخط السالب والموجب في الكهرباء ليسا متناقضين، لأنهما - أولًا- ا يشغلان خطين مختلفين ومكانين فلا اجتماع في المكان، ولأنهما ـ ثانيا ـ يتحولان إلى الحركة لدى اجتماعهما ولا تتولد الحركة إلى دفعة، ولا يمكن ان تحدث الدفعة إلى الأمام لو لم يضق المكان بهما. وهذا دليل على عدم امكان اجتماع المتناقضين إذ لو أمكن لما تصارعت القوتان على المكان وأحدثتا الحركة، بل كانتا تعيشان جنبا إلى جنب في سلام.

هذا من جهة ومن جهة ثانية كل شيء الآن شيء، وفي المستقبل قد يتحول إلى شيء آخر، ولا يتحول الا بعد إمكان هذا التحول. فمثلا: الطفل الآن بشر صغير، وهو في المستقبل إنسان كبير، ولا يصبح إنسانا كبيرا الا بعد وجود إمكانية ذلك له. ومن هنا فليس من الممكن ان تتحول البعوضة إلى حجم الفيلة لأنها تفقد إمكانية ذلك.

ويعبر عن هذه الحقيقة بلفظي (الفعل) و (القوة) (1) . فالشيئ بالفعل ذو حجم معين وبالقوة ذو حجم مختلف.. والأمثال على ذلك كثيرة فكل حركة في العالم تعني التحول من الواقع فعلا إلى ممكن مستقبلا.

وكل جسم حي يسير عبر التحول من الحياة الساذجة إلى الحياة التامة ومنها يتحول إلى الموت والسكون، وكذلك الإنسان يتحول من الواقع إلى المستقبل، من الفعل إلى القوة. فهو لا يعلم شيئًا بالفعل ولكنه يملك إمكانية التعلم وقوته.

بعد توضيح هذه النقاط نعرف حقيقة مبدأ التناقض، فهو عند الفلسفة الغيبية (الميتافيزيقيا) يختلف عنه في الفلسفة الديالكتيكية. فالأولى تشترط لموضوعة (مبدأ عدم التناقض) الوحدة الزمنية والمكانية والفعلية. فلو وجد شيئان مختلفان في زمانين أو مكانين أو في زمان ومكان، ولكن وجد الأول بالفعل والثاني بالقوة (الوجود حالا وإمكانية الوجود مستقبلا) فهو ممكن… والفلسفة الغيبية ترى ان الحركة تنشأ بهذا السبب. فالتناقض الموجود بين شيئين في مكانين أو زمانين أو حالتين يكون سببا لدفع أحدهما للآخر إلى الخارج، والحياة كلها هي التحرك من المتحقق فعلا إلى الممكن مستقبلا.

أما الفلسفة الديالكتيكية فترى ان التناقض ممكن بين شيئين في مكانين متقاربين (مثل السالب والموجب في السلكين المتقاربين) أو في زمانين متقاربين (مثل البيضة والفروجة المتعاقبين، ومثل الهزيمة والإنتصار المتقاربين زمنيا) أو بين شيء موجود فعلا وإمكانية ان يكون شيئا آخر في المستقبل (مثل الجهل والعلم في الإنسان) .

وترى الفلسفة الديالكتيكية ان التناقض هو سبب الحركة، عين ما تراه الفلسفة الغيبية كما سبقت، بيد ان اللغة تختلف. فالديالكتيكية تركز على الجانب الإيجابي منه وتقول: وجود تناقض بين شيئين (يعني في مكانين أو زمانين إذا حاولا الإقتراب من بعضهما) هو السبب الوحيد للحركة.

والفلسفة الغيبية تركز على ذات النقطة (أي امتناع اجتماع نقيضين مختلفين في شيء واحد في مكان واحد وحالة واحدة) وتقول انه هو الذي يسبب الحركة.

ولا ينكر صاحب الديالكتيك هذه الحقيقة ولا يمكنه ان ينكرها إذ لو أنكر امتناع اجتماع نقيضين في شيء واحد ومكان واحد، إذًا لما حدثت الحركة، بل جمدت الحياة إذ تعيش أجزاؤها المتناقضة في تحابب وتواد.

وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطة وهي ان الديالكتيكية غيرت لفظة العلة إلى لفظة التناقض، فبدلا من ان تقول: ان المواد الغذائية تسبب نمو الجسم وان الحركة تسبب صرف المواد في الجسم تستعمل لفظة التناقض فتقول: تحليل المواد يتناقض مع النمو، ونحن في الفلسفة لا نبحث عن قائمة المصطلحات بل نبحث عن الحقيقة، وهي تقول لنا ان كل حركة تحدث بسبب تلاقي شيئين مختلفين في مكان واحد ووقت واحد. وهذا يدعونا إلى الاعتراف بوجود سبب للحركة، ووجود سبب لسببها، لأن التلاقي لا يحدث الا بسبب آخر، وذلك السبب بدوره نتيجة لسبب آخر، وهكذا..

وبهذا نعرف انه لا يمكن للمادية الديالكتيكية ان تفسر حقيقة الحركة في الكون بمبدأ التناقض إذ انه لا يعدو ان يبين لنا لماذا يتحرك الشيء بعد تلاقيه بنقيضه، ولكن لا يقول لنا لماذا يتلاقى الشيء بنقيضه.

فالمبدأ الديالكتيكي يفسر لنا حقيقة العلية الموجودة بين الأشياء، ولا يمكنه ان يفسر وجود العلة ويكون أشبه شيء بذلك الذي يسأل عن سبب الخسوف فيجيب بأنه يسبب الظلام في ليلة قمراء. أو يسأل عن سبب حركة السيارة، فيجيب عن وجود تناقض بين دفعة المحرك للإطار ودفعة الأرض للإطار إلى أعلى حسب مبدأ ان لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه.

ان مبدأ الفعل ورد الفعل لا يفسر لنا الا نوعية تسبب الضغط للحركة، دون سبب الضغط وهو وجود المحرك. وليتنا كنا نطلع على الجامعات العلمية في البلاد التي تتبنى الفلسفة الديالكتيكية لنعرف عن كثب ما إذا كانت تكتفي بذكر نوعية التسبب ام تتجاوز ذلك إلى معرفة (السبب) . فحين تريد ان تدفع عجلة ألا تفكر في وسيلة لهذا الدفع بل تكتفي بمعرفة حقيقة الدفع. في الواقع؛ لا نظن بأحد يمكنه ان ينكر حاجة كل شيء إلى سبب، أو يشك في أن مبدأ التناقض لا يشبع هذه الحاجة بل يفسرها فقط.

وبعيدا عن حقل الفلسفة يستغل بعض الأحزاب السياسية، مبدأ التناقض لشن حملات دعائية مستمرة ضد وجود البارئ للخليقة ووجود قيم ثابتة للحياة.

والحقيقة ان هذه الحملات أعطت الفلسفة الديالكتيكية أبعادا خطيرة لأنها زعزعت ثقة الإنسان بفكره وحضارته ومستقبله، وجعلته طعمة سائغة لجوعة الشهوات الطائشة وخلقت له جوا متوترا لا تهدأ ثائرته. ويذكرنا هذا الواقع بالوضع الخطير في نهاية أيام اليونان إذ سادت بينهم السفسطة والجدل واستغلت الفلسفة أبشع استغلال.

المبدأ الرابع:

ماذا تعني قفزات التطور بصورة دقيقة؟ لمعرفة ذلك نرجع إلى نص ننقله عن ستالين يقول فيه:

(ان الديالكتيك خلافا للميتافيزيقية لا تعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية، بل تعتبرها تطورا ينتقل من تغيرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة وأساسية أي إلى تغيرات كيفية، وهذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل هي سريعة فجائية وتحدث بقفزات) .

(1) - لا تعني لفظة القوة هنا وجود قوة داخلية في الشيء تدفعه إلى التحول . كلا، بل معنى القوة هنا: الامكانية، أي من الممكن ان يتحول إلى شيء آخر، ولو بعوامل خارجية؛ فالطفل لولا عوامل الغذاء والهواء لما انقلب إلى شاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت