فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 1942

في ظلال هذا النص نتساءل: ما هو واقع المفاجأة، هل معناها اننا لم نعرفها، أو لم نتنبأ بها قبل وقوعها، أو لم نفهم سببها قبل ذلك حسبما يركز عليه النص بكلمتي الظاهرة والأساسية؟ إذا كان هذا معنى المفاجأة اتفقنا ولم نختلف فيها إذ كثيرا ما نرى ان الماء يغلي ويغلي وفجأة يتبخر. فنحن قبل ان نكتشف انه حين تصل حرارة الماء إلى مئة درجة يتبخر لم نكن نتنبأ فعلا بإنقلاب الماء بخارا ولم نعرف سببه.

ام ان معناها انها تقع صدفة وبدون سبب، حسب ما يظهر من بعض إيحاءات النص أيضا، إذا كان كذلك فإنه باطل ينشز عنه العقل والعلم. إذ حين نرى تبخر الماء فإن العقل يهدينا إلى وجود سبب ما لهذا التبخر وان كنا نجهله تماما. كيف انقلبت المادة الميتة إلى خلية حية؟ اننا حتى اللحظة نجهل السبب، ولكن لا يعني هذا وقوع الأمر بدون سبب.

أم يعني ان القفزة تعتبر تطورا أساسيا؛ أي ان المادة تنقلب إلى حقيقة أخرى لها ميزات مختلفة عن الحقيقة السابقة، فهذا أيضا صحيح. فللبخار مثلا خواص مختلفة عن الماء الذي يغلي، إذ ان امتداد البخار كاف لرفعه عن الأرض وإمتداد الماء المغلي يكفي لذلك.

والماركسية استغلت هذا المبدأ بعد ان فسرته تفسيرا بعيدا عن العقل والعلم، استغلته لاثبات بعض الأمور:

1-ان قفزات التطور تكون بصورة ديالكتيكية نابعة من تناقضات داخلية في الشيء!

ولكن سبق ان مبدأ التناقض الداخلي في الفلسفة الديالكتيكية لا ينافي وجود أسباب خارجية، بل انه لا يعدو ان يكون تفسيرا لحقيقة التسبب لا إغناء عن وجود سبب.

كما ان تطور الماء إلى بخار لم يكن دون سبب خارجي وهي الحرارة التي سخنت الماء.

2-ان الحركات الاجتماعية تحتوي على قفزات طبيعية صاعدة يتطور المجتمع خلالها من الاقطاع فالرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية، لأن المجتمع محكوم بقوانين الطبيعة تماما، بيد انه سيعلم، لدى الحديث عن المجتمع، سيعلم ان شاء الله عقم هذه النظرية التي تفسر المجتمع الإنساني بالتفسيرات المادية التي تحكمها قوانين الطبيعة العمياء.

مضافا إلى ذلك نقول: ان التطورات الاجتماعية لن تتحقق دون عوامل معينة، وان الإنسان أوتي قدرة التحكم على تلك العوامل بقدر ما يتمكن من التحكم على الأسباب الطبيعية.

ثم ان التطورات الاجتماعية لن تكون صاعدة أبدا، بل قد تنتكس كما ينتكس خط الطبيعة. فالماء لا يتبدل إلى بخار دائما بل قد يتحول البخار إلى مطر غزير.

من هنا نعرف ان القواعد الأربعة للفلسفة الديالكتيكية لا تثبت أمام النقد الإيجابي الا إذا فسرت تفسيرات مناسبة.

الفلسفة الميكانيكية

تتلخص فلسفة المادية الميكانيكية في عبارة ديكارت: ان الكون مكينة كبيرة.. تفسيرًا لهذه العبارة يجب ان نثبت عدة نقاط:

1-ان الميكانيكية ترى ضرورة سبب خارجي لأية حادثة، بل ان طبيعة هذه الفلسفة تقتضي وجود علة خارجية لكل أمر حادث، ولكل حركة حادثة، ولهذا تختلف الفلسفة الميكانيكية عن الفلسفة الديالكتيكية ـ بصياغتها الماركسية الأخيرة ـ في ان الميكانكي يعيد كل صيرورة إلى سبب خارج الذات، والديالكتيك يرجعها إلى داخل الذات.

وقد سبق القول في ان الديالكتيك لا تستطيع بل لا تريد في صياغتها الصحيحة نسف مبدأ السبب الخارجي، لأنه مبدأ فطري يؤمن به كل بشر حتى أولئك المنكرين يقيمون حياتهم العملية والعلمية على أساس هذا المبدأ.

2-ولا تنكر الميكانيكية طبيعة التغير المستمر في مواد الكون.

3-ولا تنكر أيضا وجود تفاعل كامل بين أجزاء الكون، بل هذا المبدأ ركيزة الميكانيكية حسبما يأتي إن شاء الله. لا تنكر كل ذلك كما اتهمتهما به بعض الفلسفات.

4-ولا تنكر الميكانيكية وجود تناقض ظاهر أو خفي بين عوامل الكون، ولكن تفسر التناقض حسب ما سبق في توضيح الديالكتيكية؛ تفسره بمعنى التقابل، وهو ان كل شيء لا يمكنه ان يستقر في مكانه مع شيء آخر يتحول إلى وضع جديد. فالعصا الذي يضرب بها الفلاح الحجر لا يمكنها ان تجتمع مع الحجر في موقع واحد، فيتحرك الحجر ليعطي مكانه للعصا. ولو امعنّا النظر في التفاعلات الكيمياوية لأية خلية لوجدنا فيها هذه الحقيقة أيضا، فالمواد الداخلة تدفع بالمواد المتبقية لإفساح المجال لها ولولا التناقض لإستقرتا بأمان!

5-والنقطة الوحيدة التي نريد ان نركز عليها من الفلسفة الميكانيكية ـ والتي تعتبر جوهر الفلسفة فيما يرتبط بالثقافة البشرية ـ يكمن في ان الحركة إذا وجدت دامت. وسنبين قريبا بإذن الله، علاقة هذه الفكرة بالثقافة، أما الآن فينبغي ان نعرف معنى هذه الفكرة وحجتها.

معنى هذا المبدأ، ان للكون خالقا قديرا أوجده وفصله أجزاء، ودبره بقوانين دقيقة ومتوازنة، والتي منها قوانين التفاعل المتبادل الذي يقضي بأن تكون مادة الكون خاضعة لعدة نظم دقيقة تنقل الطاقة من جزء إلى جزء ثم تعيدها إلى ذلك الجزء، وهكذا تتحرك في عمليات دورية مستمرة.

ومثل ظاهر لذلك، دورة (المياه) التي تتبخر من البحار بفعل الحرارة، وتتحول إلى أمطار، ثم تنتقل إلى أنهار، ثم وأخيرا تسيل راجعة إلى البحار، وهكذا.. وشَبَّهَ أحد الفلاسفة الميكانيك، الكون بساعة آلية الحركة، صنعها القدير وجعلها هكذا تتحرك.

واحتج هؤلاء لذلك بأمرين:

أ: ففي حقل الوجود خلق الله مادة الكون فلا زالت مستمرة موجودة إلى الأبد. وقالوا: ان تلك القوة التي حولت العدم إلى وجود في عملية مهولة، جعلت منه حقيقة مستمرة لم نجد فيها حاجة إلى خلق مستمر.

وظواهر الكون تكشف لنا بوضوح عن ذلك، فالبناء الفخم يشيده البناؤون ثم يدعونه ويبقى. والسيارة الضخمة يبدعها صانعوها وتبقى مستمرة، وهكذا غيرها.. وهذا دليل على استمرارية وجود الأشياء.

ب: وفي حقل الحركة التي تحكم مسيرة الوجود، قالت الميكانيكية: ان الأجسام الساكنة والمتحركة تبقى على وضعها إلى ان تؤثر عليها قوة خارجية. والدليل على ذلك اننا نرى بقاء حركة إطار السيارة الفارغ على أرض مستوية، بقاء حركته بعد الدفع بضعة لحظات. ولدى تقليل وزن الإطار وإستواء الأرض وتخفيف الضغط الخارجي أكثر فأكثر يتحرك الإطار مدة أطول. وربما نستطيع ان نحصل على حركة لا تنتهي في الإطار بتهيئة كل الوسائل المساعدة للحركة وإزالة كل العوائق والضغوط المؤثرة فيها.

وتتصل هذه الفكرة الفلسفية بعلاقة وثيقة بتاريخ الفلسفة الأوروبية وليس من قبيل الصدفة ان نرى تقمص الحضارة الأوروبية لهذه الروح الميكانيكية، وإبعادها عن نفسها أية فكرة فلسفية أخرى.

وفيما يلي تطبيق نظريتين في هذا المجال:

1-من واقع أوروبا الحديثة.. حيث طلع نيوتن على الحضارة بفكرة تثبت ان الكون مرتبط بقوانين ثابتة، تتحرك في نطاقها الاجرام السماوية، ثم جاء بعده آخرون فاعطوا هذه الفكرة مجالا علميا أوسع، حتى قيل ان كل ما يحدث في الكون من الأرض إلى السماء خاضع لقانون معلوم سموه (قانون الطبيعة) فلم يبق للعلماء ما يقولون بعد هذا الكشف غير ان الإله كان هو المحرك الأول لهذا الكون. وضرب واليث مثلا في هذا الصدد: (ان الكون كالساعة يرتب صانعها آلاتها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها ثم تنقطع صلته بها) . ثم جاء هيوم فتخلص من هذا الإله الميت وعلى حد قوله: (لقد رأينا الساعات وهي تصنع في المصانع ولكننا لم نر الكون وهو يصنع فكيف نسلم بأن له صانعا؟!) . هذه روح أوروبا الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت