2-وأما أوروبا القديمة حيث افلاطون وارسطو وافلوطين، فانهم لا ينقصون قولا من أوروبا الحديثة. الوجود في مذهب افلاطون طبقتان متقابلتان، طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية (الهيولى) . والقدرة كلها من العقل المطلق والعجز كله من الهيولى وبين ذلك كائنات على درجات.
ان الوجود هنا تعبير عن كلمة المادة ـ التي عبر بها الفلسفة الحديثة ـ والعقل هو النظام الموجود فيها.
ويقول ارسطو: (فلابد لهذه المتحركات من محرك ولابد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته أو محرك لا يتحرك لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية) .
ولكن لا يعني ان يكون المحرك الأول دائما في تحريكه، بل قد يكون قد حرك الشيء ورفع يده عنه، بل هذا هو الواقع. إذ ان هذا المحرك سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني.
وقد أفرط ارسطو، حتى قال: (ان الله جل وعلا لا يعلم الموجودات لأنها اقل من أن يعلمها وانما يعقل الله أفضل المعقولات وليس أفضل من ذاته فهو يعقل ذاته وهو العاقل والعقل والمعقول وذلك أفضل ما يكون) .
ويغلو افلاطون أحيانا فيقول: (ان الله لا يشعر بذاته لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها، ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ويتنزه عن ذلك الشعور) .
ان هذه الأفكار تصور الله سبحانه تصويرًا سلبيا مطلقا، وتعتبر الوجود وما فيه من الحركة يجري بعيدا عن إرادة الله سبحانه، وعن علمه وقدرته. ولقد صور القرآن الكريم فلسفة هؤلاء، بالقول: [وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ] (المائدة 64) .
وفي فلاسفة المسلمين من اتبع افلوطين وعزل الحي القيوم عن مجال الكون ورأى ان الوجود حقيقة ثابتة والحركة جزء من طبيعته، وان هذه الحركة تسير قدما إلى أعلى بصورة ذاتية جوهرية.
ومن نتائج هذه الفكرة عزل المبدأ عن الالوهية والهيمنة على الكون، وعزله عن التشريع للإنسان لانه ليس بقادر سبحانه ولا عالم بطبيعة ما خلق، تعالى الله عما يصفون!!
والمعجزة خرافة، والوحي ايحاء نفسي، والمعاد ليس كما تصفه ديانات السماء، وانما الرسل مصلحون. والدعاء والإنابة والمناجاة المباشرة بين الإنسان وربه ضرب من الرجعية المنبوذة.. إلى آخر ما نجده لدى فلاسفة الاغريق ومن اتبعهم وفلاسفة أوروبا ومن قلدهم من آراء تابعة لهذه الفلسفة!
نقد النظرية الميكانيكية
ونقد النظرية الميكانيكية، أو بتعبير أدق نقد نظرية (العزل) عزل الله عن الخلق، التي تكون جوهر الفلسفات الحديثة والقديمة.. ان نقدها لا يتطلب جهدا فكريا، بقدر ما يتطلب وجدانا سليما ووعيا شاملا. فليس من المعقول لمن اعتقد بالله انه أبدع هذا الكون العظيم وكان قادرا عليما، ان يحسب انه تجدد له العجز والجهل سبحانه. ان الله لم يخلق الخلق الا لتمام قدرته عليه وعلمه به، فكيف فقدهما بعد ما خلقه؟!
واذا كانت الحركة بسبب، فإن الحركة انما هي بقدر الدفع لها وذلك ليس لإننا نجد ذلك في كل ما نلامسه فقط بل لأن من الطبيعي ان الشيء انما يسكن بسبب وجود عجز ذاتي فيه عن الحركة ولو كان قادرا عليها لتحرك. وبمقدار ما ينقص هذا العجز بالدفع توجد الحركة.
ومع ان لحظة من التفكير تكفي لمعرفة هذه الحقيقة، مع ذلك فالواجب ان نتصدى لها علميا وفلسفيا.
النقد العلمي للميكنة
ما هي حقيقة الموجودات؟ لقد سبق ان العلم اكتشف ان الموجودات لا تعدو ان تكون ذرات تتحرك، ولدى انفلاق الذرة فإذا بها لا تعدو ان تكون شحنة طاقة ودفعة نور. إذًا فالعلم أثبت ان حقيقة المادة هي الحركة.
وبثبوت حركية المادة تفتت الكتلة الكثيفة التي لو خلقت لدامت حسب رأي فلاسفة الميكانيك.
فإنما هي الحركة وهي ليست بدائمة علميا، إذ انها تنشأ من الطاقة، والطاقة تفقد حرارتها بصورة مستمرة حسب قانون الطاقة المتاحة أو ضابط التغير الذي يثبت ان الحرارة دائما تنتقل من وجود حراري إلى عدم حراري، والعكس غير ممكن وهو ان تنتقل هذه الحرارة من وجود حراري قليل أو عدم وجود حراري إلى وجود حراري أكثر، فإن قانون الطاقة المتاحة يخالف هذا الإنتقال ويقتضي التناسب بين الحرارة المتاحة وغير المتاحة.ومن هنا نثبت ان الحركة في الكون ليست أزلية ولا هي دائما بعيدة عن المؤثر إذ لو كانت الحركة غير محتاجة إلى دوام السبب إذا لكانت تستطيع ان تدوم إلى الأبد وهذا غير واقع حسب هذا الكشف العلمي.
النقد الفلسفي
وفي سبيل الإحاطة بالنقد الفلسفي لهذه النظرية لابد ان نذكر عدة نقاط:
1-مبدأ الذاتية:
أبسط المبادئ الفلسفية التي لا يرتاب فيها أحد ان كل شيء هو وليس بغيره.. الإنسان إنسان وليس بحجر، والجبل جبل وليس بشجر و.. و..
وهذا المبدأ يجعلنا نقول: لا يمكن ان يتخلف الشيء عن ذاته، فالذاتي لا يمكن تغييره.. فالنور مثلا: لا يمكن ان يتحول إلى (لا نور) ، والحركة لا يمكن ان تتحول إلى (لا حركة) وهكذا..
2-مبدأ الوجود:
والوجود لا يمكن ان يتحول إلى عدم لأنه ذاته، والعدم لا يمكن ان يتحول إلى وجود لأنه ذاته.
وقد يبدو هذا المبدأ غريبا ولكن دعنا نفهم ما هو معنى الوجود؟ هل معناه الأرض والسماء والجبال؟ هل معناه أنا أنت هو؟ هل معناه الحجر والشجر والحيوان؟
الفلاسفة قالوا نعم ووقعوا في حلقة مفرغة، ولكن الرجل البسيط يقول بفطرته لا.. يقول: الكون موجود ولكنه ليس بوجود.. وهل الوجود شيء والموجود شيء؟.. ينبغي ان نرجع قليلا إلى ما سبق ونتساءل: هل العلم شيء والمعلوم شيء؟ ام هل العقل شيء والمعقول شيء؟ هناك قلنا نعم العلم هو الكشف والمعلوم هو المنكشف. فالمعادلة (5×5=25) ليست بعلم انما هي معلوم، ولي (علم) بها وهكذا الوجود والموجود..
الكون له وجود هذا صحيح، وهو كما نقول ان الإنسان له علم، ولكنه ليس بوجود كما ان الإنسان ليس بعلم.
ولا يزال الأمر غامضا فنقول إذا كان الكون هو الوجود فلماذا ينعدم، لماذا يكتنفه العدم، لماذا هو محدود، لماذا هو حادث، لماذا هو متناقض؟
يقرر علم الفلك مثلا: ان الكون يتسع بالتسلسل الدائم، وان كل مجاميع النجوم والأجرام والأجسام الفلكية تتباعد بسرعة مدهشة بعضها عن بعض. ويمكن ان تفسر هذه الحالة تفسيرا جيدا إذا سلمنا بوقت للبدء كانت فيه كل الأجزاء التركيبية مركزة ومجتمعة مع بعضها ثم بدأت الحركة والحرارة.. ويقدر العلماء ان هذا الكون قد وجد نتيجة (لإنفجار) هائل وقع منذ (5000,000,000,000 سنة) (1) .
هكذا تتباعد الاجرام وتدل على انها لم تكن ثم وجدت، والسؤال هنا انه ما دامت طبيعتها ليست بطبيعة الوجود والحركة، والدلالة على ذلك انها لم تكن ثم كانت، فليس من الممكن ان تعود طبيعتها إلى طبيعة الحركة. وهكذا نستدل على انها ليست بحقيقة الوجود!
وهنا يكمن سر الأمر، لو كانت حقيقة الكون هي الوجود لم يصح ان نقول ان الكون كان معدوما ثم وجد مع انه كذلك، فقد كان معدوما في بعض الأزمان، بل مجرد التغير فيه عدم من جهة ووجود من جهة أخرى.
وبتعبير موجز ومركز:
ان الكون كان عدما، فهو ذاتي العدم. ولا يمكن ان يتحول ذاتي العدم إلى ذاتي الوجود، فإنما تتحول الأشياء بالإبداع إلى عرضي الكيان يحتاج في بقائه إلى سبب كما يحتاج وجوده إلى سبب.
(1) - الإسلام يتحدى ص 78.