فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1942

وان هيجل قد انحرف عن المنهج حينما تصور ان ما يراه حوله من سماء وأرض وبشر هو الوجود. ثم تصور انه ليس بوجود مطلق فقال انه معدوم. ثم رأى انه بعيد عن الفطرة (أي معدومية الكون) فقال: (انه صائر من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود) .

واذا كان هيجل قد أوتي قدرا أكبر من قوة الملاحظة لعرف ان الوجود لا يمكن ان يكون عدما، وان الكون موجود بالوجود؛ أي ان له قدرا من حقيقة الوجود. وبذلك كان ينفي مشكلته تماما.

ولا نريد الاسترسال في بحث الوجود الذي يحتاج إلى سفر ضخم.. ولكن نريد ان نضع أيدينا على منطلق الخطأ في نظرية الميكنة الفلسفية، وهو بتطبيق مبدئي الذاتية والوجود في الكون وهو يعرف بالتدبر في حقيقة الخلق..

ما هو الخلق ؟

إذا كان الكون ليس بحقيقة الوجود وانه كان عدما، فكيف انقلب من العدم إلى الوجود؟ وهل يمكن ان يتحول الشيء عن طبيعته الذاتية، العدم يعني لا شيء فكيف ينقلب إلى شيء؟ هذا لا يتصور، فليس الكون قد انقلب من العدم إلى الوجود في عملية مجهولة.. كلا..

بل ان الله تعالى أعطى الكون الوجود، ويعطيه بصورة مستمرة. فالكون قائم بقيوم وموجود بنور الحي الذي لا يزول.. وعلى هذا فليس الكون الذي نشاهده ونلامسه موجودا بصورة مستقلة ودائمة بل هو موجود بنور الوجود الذي يحفظه عن الزوال.

ان الوجود، نور يرش على الكون فيصبح موجودا. وإذا أردنا ان نعبر عن هذا الواقع بتعبير علمي لقلنا: الكون حركة تستمر بمحرك خارجي، لو توقف عنه لتوقفت أي زالت.

وهنا لا تتبخر فكرة الكثافة في الوجود والإستمرارية في حركته فحسب، مما تنسف قاعدة الميكنة في الوجود، بل وتهدينا إلى الخطوط العريضة للفلسفة الواقعية التي تطابق معلوماتنا المتناثرة وهي الفلسفة الإسلامية.

الإسلام وفلسفة النور

تتلخص فلسفة الإسلام في كلمة واحدة هي: (الله نور السموات والأرض) ، ونفصلها عبر النقاط التالية:

1-ليس في عالم التحقق الا الله وما خلق. فكل شيء ما سوى الله مخلوق له.

2-وهذا يعني ان الله سبحانه نور وكل شيء متنور به، وهو قيوم وكل شيء قائم به، وهو مدبر وكل شيء يجري بأمره. ذلك لأن كل شيء في الكون نراه خاضعا لقوة قاهرة وقدرة واسعة.. وفي ذلك آية على دوام التدبير له من مدبر عليم.

3-وهذا يقتضي الواقعية التامة للأشياء دون المثالية الافلاطونية التي قال فيها: (فكل شجرة مثلا فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية. فأين هي الشجرة التي لا نقيض فيها؟ هي في عقل الله منذ القدم) . ولا المثالية الباركلية التي قال فيها: (الكون صورة الذهن الخارجي) . ولا المثالية التي قال بها نيشته: (الموجود انا اما غير انا فهو وجهة أخرى لانا) .

كلا؛ الكون موجود فعلا في دار التحقق.

4-ولكنه يقتضي من جهة أخرى، الغيرية في الكون؛ أي ان الكون موجود بالغير، قائم بالغير، متنور ومتحرك بالغير. خلافا لنظرية الديالكتيك التي تعتقد ان الكون متحرك بما في كل شيء من تناقضات ذاتية، أو مقالة الميكانيك التي تزعم ان الكون ساعة آلية كبيرة، ولا مقالة بعض الفلاسفة الاقدمين بالحركة الجوهرية.. كلا! انها واقعية الأشياء بالغير لما فيها من آيات الضعف والعجز.

5-ولا يعني هذا ان الكون يدبر بغير سنن فطر عليها. كلا؛ بل الغرائز موجودة وكل حادث له سبب، الا ان وجود السبب ووجود المسبب بعده قائم بنور الله. فلو شاء الله إذًا لإنتزع نور الوجود من السبب فانعدم، أو انتزع نور الوجود من المسبب فانعدم هو الآخر.

6-من هنا نعلم ان الله واسع القدرة، واسع العلم، وواسع الرحمة. فكل شيء تحت رحمته وتحت قدرته ومحيط به علمه. فالله قادر على المعجزة؛ أي خرق السنن لأن اجراء السنن ووجود السنن منه أيضا. وقادر على اعدام الكون في الساعة الرهيبة التي ترسو في نهاية الوجود. وقادر على اعادته لأنه يملك قوة لا محدودة، والكون عاجز دون قوته عن أي شيء.. وهو قادر على ان يبعث الرسل برحمته ويضع للناس الدين الخالص ويأمر الناس باتباعه، ويراقب بنفسه مخالفتهم له أو اطاعتهم اياه فيثيب من يشاء برحمته، ويغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بنقمته.

7-والله ـ الخالق المدبر ـ رحمن لا تحد رحمته، رحيم لأنه خلق الأشياء ولا يزال يهب لها الخلق والهدى دون ان يكون محتاجًا إليها أو مضطرا إلى خلقها.

وهنا تختلف النظرة الإسلامية عن النظرة الاغريقية التي تتعامل مع الآلهة الشهوانية المتعجرفة المتهورة الغارقة في الشهوات، مثل: (زيوس) و (جوبيتير) وغيرهما ممن كان يُتصور لديهم حقودا لدودا مشغولا بشهوات الطعام، لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات الا ما يعنيه على حفظ سلطانه والتمادي في طغيانه، وكان يغضب على (اسقولاب) اله الطب ـ بزعمهم ـ لأنه يداوي المرضى فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية. وكان يغضب على (برومثيوس) اله المعرفة والصناعة ـ بزعمهم ـ لانه يعلم الإنسان ان يستخدم النار في الصناعة وان يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب. الإسلام يخالف كل هذه الآراء جميعا.

هكذا تبين لنا النصوص الشرعية حقيقة الكون، فيقول الله سبحانه: [إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (يونس 3-5) .

فالله خالق السموات، ولكنه غير عاجز منها، بل هو الآن قد استوى على عرش القدرة والعلم يدبر أمور الكون. والأرباب التي تصورها الفلسفات وسائط بين الله والخليقة، والأرباب التي تصورها الفلسفة الأوروبية بإسم القوانين الطبيعية قد تكون لها تأثير في الحقائق ولكنه تأثير مأذون فيه. وهو رحمن، خلق الأشياء في مصلحة الإنسان، لا لكي يضرر بهم. كذلك الله.

وفي آية أخرى، كل شيء ينسب إلى الله حتى الحوادث التي تجري حسب السنن الكونية لأنها كلها تجري بأمر الله وبقدرته المباشرة. قال الله سبحانه: [وَالاَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَاَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَاَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ] (الحجر 19-23) .

وفي آية أخرى:

[إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ] (فاطر 41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت