والله يقوم بتدبير أمور الإنسان أيضا.. ففي آية كريمة: [وإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (الأنعام 17) . وهو رقيب شديد الرقابة على عمل الإنسان، ففي آية شريفة: [مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلآ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (المجادلة 7) . فالخلق والتقدير والسلطان والتدبير لله وحده لا شريك له. والانسان هو الآخر مراقب من قبل الله تعالى مجزي بعمله.
ولا يعني هذا إلصاق أية صفة مادية بالله سبحانه، إذ ان طبيعة الخلق تقتضي المباينة التامة بين الخالق والمخلوق. هكذا جاء القرآن يصف الله بأحسن الصفات وينفي عنه صفة المخلوقين. فيقول [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ] ( الانعام 103) . ويقول [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] (الشورى 11) . [سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ] ( الصافات 180) .
وفي تفسير الآيات، جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما عرف الله من شبهه بخلقه(1) .. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (مباين لجميع ما أحدث في الصفات... ليس بجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات(2) . وقال عليه السلام: (توحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة(3) .
وقال صلوات الله عليه: (الحمد لله الذي لم تسبق له حال حالا فيكون أولا قبل ان يكون آخرًا، ويكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا. كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمّه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان، و لطيف الأجسام، و كل ظاهر غيره باطن، و كل باطن غيره ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوّف من عواقب زمان..(4) كذلك الله رب العالمين.
تعاريف لابد منها
إذا كانت التعاريف في كل علم ذات اثر ثانوي، فإنها بالنسبة إلى المعارف الفلسفية بمثابة حجر الزاوية. ذلك لأنها ليست الا محاولة لتعريف الحقيقة الكبرى، التي تتفرع عنها حقائق الكون. فهي بذاتها مجموعة تعاريف. ومن هنا تكسب التعاريف أهميتها في الفلسفة. ولابد لنا ان نقول بأن تعاريفنا هذه مطابقة لوجهة نظر الإسلام التي قد عرفنا انها الحق.
1-العقل:
ذلك النور الذي يميز به الإنسان الرشد من الغي، والخير من الشر، والممكن من المستحيل، والحق من الباطل. ان ذلك النور هو العقل.. ويعرفه (الفيروز آبادي) في (القاموس) : (انه نور روحاني تدرك به النفس العلوم. وجاء في حديث النبي(ص) : ان العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب، فإن لم تعقل حارت).
ولا يمكننا معرفة العقل الا بذاته وبما له من آثار، أما حقيقته فإن القول فيها نوع من الغرور. وان من آثاره، توجيه الإنسان إلى الخير وتحبيذه له، وردعه عن الشر وترغيبه عنه. وبهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم إذ جعله عقالا للنفس البشرية التي شبهها بأخبث الدواب ان لم تعقل حارت.
2-العلم:
ذلك النور الذي تكشف النفس به الحقائق وقد كانت من قبله جاهلة بها غافلة عنها. وليس كل اعتقاد علما ـ في المنطق الإسلامي ـ إذ ليس الاعتقاد دائما كشفا عن الواقع، بل قد تكون النفس مطمئنة بعقيدة، دون ان يكون لها بها علم. بلى؛ كل علم عقيدة إذ لا تملك النفس التي تنكشف لها الحقيقة بصورة واضحة ودون أية ريبة أو غموض، لا تملك إلاّ أن تطمئن بها وتعتقد بمضمونها.
3-المعرفة:
وأما المعرفة فإنها علم مستجد بالشيء.
4-اليقين:
بعدما يحصل العلم، تنشأ صفة في النفس تدعى بـ (اليقين) . فاليقين اطمئنان الذات بحصيلة كشفها عن الحقيقة، وأما القطع فإنه يعني جزم الذات بأمر سواء كان حقا أم باطلا. ورب قطع يوافق الواقع لا يكون علما، لأنه يفقد صفة الكشف عن الحقيقة. فلو قطع (وجزم) فرد بوجود الروح ـ لا لأنه عرفها بعلم ـ بل لأن القول بوجودها كان في مصلحته أو صادف هوى في نفسه فذلك القطع ليس بعلم وان كان صحيحا، لأنه لا ينطوي على كشف الواقع كشفا يقينا.
5-الحق:
وحين يتصادق ما بنفس البشر مع ما في الواقع يكون هو (الحق) والحق في اللغة يعني الثبوت، والتقرر، والوجود. ولذلك فإن للحق معنى آخر ـ غير تطابق الشعور وخارج الشعور ـ ذلك المعنى، هو الوجود سواء علم به أحد ام لم يعلم، اعتقد به ام لم يعتقد. فمثلا الجنة حق لأنها موجودة فعلا في الخارج فإذا علم بها أحد، كان علمه حقا أيضا. ولو مات رجل في بيته ولم يعلم بموته أحد أبدا، فإن موته حق أي ثابت.. ولفظة الحقيقة تعطي ذات المفهوم.. انها تعكس الأمر الثابت في الواقع الخارجي.
6-الروح:
الروح هي النفس وهي التي تنطوي على نور الحياة، والعقل، والإرادة. وهي حقيقة ثابتة وراء الجسد، وهي محددة بالطول والعرض مختلفة بالقوة والضعف، ومتفاوتة بالاهواء والرغبات. وبافتقادها يعود الجسم ميتا.. ولا يهمنا ـ بعد هذا التعريف ـ ان نعتبر الروح مادة لطيفة جدا، ام نقول انها مجردة عن المادة الكثيقة. فإن الهدف واحد هو تفسير حقيقة أرقى من المادة التي نحس بها، ولكنها ليست هي الحياة والعلم والإرادة، بل ان هذه الأنوار تنشأ فيها.. تزيد وتنقص وهي هي.
7-النفس:
أما النفس فهي كلمة تعكس لدى الإسلام مفهوم الروح تماما، ويراد بها ما يساوي كلمة الذات والقلب أيضا. الا ان الأوسع مفهوما هو الروح ثم النفس لأن القلب يوحي غالبا إلى مركز العواطف أكثر من إيحائه بمبعث نور العقل والإرادة. ويوضع القلب عادة بإزاء العقل.. وينسب إليه العمى والطبع والختم لأنها رمز الشهوات في اللغة العربية، كما هي كذلك في سائر اللغات.
8-الشهوة:
ان الشهوة هي انجذاب النفس إلى شيء أو شخص، ومبعث الشهوات هي طبيعة الحياة. فالحياة تتطلب ضروراتها التي تشكل في الغالب شهوات الإنسان. وقد يخطئ الإنسان في تمييز الضرورة عما سواها فتحدث فيه الصفات الرذيلة التي هي نوع من انحراف حب الحياة في النفس.. وغالبا تستعمل كلمة الشهوات في الصفات الرذيلة هذه.
9-الهوى:
ويعني الهوى الحب، ولكنه يستعمل في منطق القرآن عادة في حب الذات (هوى النفس) ، ولقد جبل كل شخص على هوى النفس. وبالعقل تتمكن الذات من تحديد الحب هذا وتوجيهه الوجهة المستقيمة.
10-الجهل:
والجهل صفة في النفس تقابل صفة العقل، وتقابل آثاره كل آثار العقل. ولا يعني الجهل في منطق الإسلام مجرد افتقاد المعرفة، فمثلا الجزع والظلم والحسد والحقد كلها من الجهل.
11-الفكر:
ان توجه النفس إلى المعلومات السابقة التي احتفظ بها لديه في محاولة لإستعادتها واستثارتها ومنهجتها واستخراج معلومات جديدة عنها يسمى بـ (الفكر) .
فالفكر إذًا عمل من أعمال النفس البشرية.. هدفه استخراج معلومات جديدة من إثارة المعلومات السابقة.
12-الخيال:
(1) - بحار الانوار ،ج3 ، ص297 ، ح23 .
(2) - بحار الانوار ، ج4 ،ص221 ،ح2 .
(3) - بخار الانوار ، ج4 ،ص253 ح7 .
(4) - بحار الانوار ، ج4 ، ص308 ،ح37 .