ولنفترض انها تعلم، ولكن العلم ليس مجرد الإحساس البسيط ـ كما يعترف بذلك الديالكتيك ـ فهناك حسب نظريته المفاهيم العامة. فكيف يمكن تفسير تكوّن المفاهيم العامة؟ مع انه يشبه تكون طاقات كهربائية مضاعفة في ذات الأسلاك فهل تسمي ذلك تحويل طاقة أيضا؟
الدليل الثاني:
وقال الديالكتيك:
ان الفكر يستطيع ان يعرف الطبيعة معرفة تامة، ذلك لأنه يؤلف جزءا منها وهو نتاجها والتعبير الأعلى. فليس الفكر سوى الطبيعة، تعي ذاتها في ضمير الإنسان. يقول لينين: (ان الكون هو حركة للمادة تخضع لقوانين، ولما لم تكن معرفتنا الا نتاجا أعلى للطبيعة لا يسعها الا ان تعكس هذه القوانين) . ان هذا الدليل ليس الا ترديدا خطابيا لذات الدعوى فهي مصادرة حسب تعبير الفلاسفة. ان المثالية تقول: حسنًا، ما معنى التعبير؟ وما معنى الوعي؟ اللون تعبير عن نور الشمس، يعني انه يعيه ويفهمه ويشعر به. الكلمة تعبير عن الواقع الموضوعي، يعني انها تعيه وتفهمه وتشعر به. ثم ماذا يعني وعي الطبيعة لذاتها؟ هل يعني هذا ان هناك تمازجا بين المخ والمادة؟ فلنسأل أيهما أشد تمازجا المعدة أم الدماغ، بل أيهما أشد تمازجا البنزين في محركات الطائرة أم الإثارات في عملية المخ؟ ان التشويش يبدو واضحا في نصوص المادية الديالكتيكية التي تبغي اثبات قيمة للمعرفة وهو اكبر دليل على فشل أية حجة تريد إثبات أية قيمة للعقل دون التوسل إلى ذاته والتنور به، لا الإنحراف عنه إلى المادة لتفسير العقل بما لا يغني عن الحق شيئا.
الدليل الثالث:
وفي النص التالي يحاول الديالكتيك اثبات قيمة تامة للمعرفة عن طريق علم الحياة فيقول:
(ان الفكرة لا تستطيع ان تكون ـ وهي في مستوى الاحساس ـ نافعة بيولوجيا في حفظ الحياة، الا إذا كانت تعكس الواقع الموضوعي. فإذا كان صحيحا: ان الإحساس ليس الا رمزا دون أيما شبه بالشيء، واذا كان يمكن بالتالي تطابق أشياء عديدة متغايرة أو أشياء وهمية ومثلها تماما أشياء واقعية عندئذ يكون التعوّد البيولوجي على البيئة مستحيلا. إذ افترضنا ان الحواس لا تتيح لنا تعيين اتجاهنا بيقين وسط الأشياء) .
ولكن هذا الدليل هو الآخر يسقط منهارا أمام تساؤلات المثالية والنسبية الفيزيولوجية والفردية أو .. أو.. التي تقول: أفليس من الممكن ان يكون الرمز كافيا لتحديد اتجاه البشر في وسط الأشياء، ثم لا يكون كاشفا عما وراءه من حقيقة موضوعية. أفليس النبات أيضا يكيف ذاته وسط الحياة بالرموز ولكنه لا يعلم شيئا، أوليست الطبيعة كلها تجري وفق رموز متبادلة، بل أليست الماكنة الحديثة تسير وفق رموز ولكنها لا تعي الحقيقة؟
من هنا نعلم ان المادية الديالكتيكية عاجزة عن اثبات أية قيمة ثابتة للمعرفة. والواقع ان أية نظرية تنحرف عن منهج الحق، وتبتغي السبل الملتوية لا يقدر لها النجاح.
2-الجانب السلبي
تعتقد الديالكتيكية بالنسبية التطورية التي تعني ان الفكر الإنساني لا يستطيع الا معرفة بعض الحقائق، ولكن لا بمعنى ان الحقيقة التي تحس وتدرك لا تمثل الواقع وتمثل الذات الشاعرة كما زعمها النسبية الذاتية والنسبية الفردية؛ لا بهذا المعنى، بل بمعنى ان المعرفة ذاتها تنمو وتتكامل كأي شيء مادي آخر في الكون. ومن هنا يقول لينين:
(نستطيع بإنطلاقنا من المذهب النسبي البحت تبرير كل نوع من أنواع السفسطة) . ويقول كيدروف: (ولكن قد توجد ثمة نزعة ذاتية ليس فقط حينما نعمل على أساس المنطق الشكلي بمقولاته الساكنة الجامدة وإنما أيضا حينما نعمل بواسطة مقولاته المرنة والمتحركة. ففي الحالة الأولى نصل إلى الغيبية وفي الثانية نصل إلى المذهب النسبي والسفسطائية والإنتقائية) . يقول كيدروف أيضا: (أما المنطق الديالكتيكي فهو لا يواجه هذا الحكم بأنه شيء مكتمل، بل بوصفه تعبيرًا عن فكرة قادرة على ان تنمو وتتحرك، ومهما كانت بساطة حكم ما ومهما بدا عاديا هذا الحكم فهو يحتوي على بذور أو عناصر ديالكتيكية تتحرك وتنمو - داخل نطاقها - المعرفة البشرية كلها) .
وتذهب الديالكتيكية في المعرفة بعيدا لتجعل الحقيقة مزيجة دائما من الصحيح والباطل ومن السلب والإيجاب. فلو عرفنا مثلا: وجود ظاهرة حسب الرأي الشكلي، قلنا انها موجودة. ولكن الديالكتيك لا تقول أبدا ان هذا الشيء موجود وكفى. بل تقول انها موجودة في لحظة. فلنستمع إلى مثال كيدروف: (هل الدائرة المربعة موجودة؟ في المنطق الشكلي يقف الإنسان عند حد إجابات بسيطة جدا(نعم) أو (لا) ؛ أي عند حد تمييز نهائي بين الحقيقة والخطأ لهذا السبب تواجه الحقيقة بإعتبارها شيئا معطى ساكنا ثابتا نهائيا ومتعارضا تعارضا مطلقا مع الخطأ ولكن المادية الديالكتيكية تقول نعم ولا في لحظة..).
خلاصة النظرية: انها تدور في ثلاث نقاط:
1-ان الحقيقة ذاتها تتطور.
2-ان الحقيقة دائما مشوبة بالباطل.
3-ان تنامي الحقيقة انما هي خاضعة لوجود التناقض الداخلي فيها.
مفارقات في النظرية النسبية
ولكي نتعرف على واقع هذه النظرية يجب ان نمهد لها بعدة نقاط:
1-في أكثر الأوقات تتجه النفس البشرية إلى جانب واحد فقط من الأشياء وتعتقد انه يمثل كل الجوانب.
وهذا الاعتقاد ينشأ من استكبار النفس عن الحقيقة وتجبّرها عليها، حيث تدعي علم كل شيء. وعلى الإنسان ان يكتشف في ذاته هذه الصفة الناقصة ويحاول إزالتها بالإيحاء الدائم إليها. انها لم تبلغ من العلم الا شيئًا قليلا.. ويوجه الإسلام الإنسان إلى هذه الناحية ويقول: [وَمَآ اُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا] (الاسراء 85) .
وقد يفترض الإنسان ان هذا الجانب الذي يشاهده لا يمثل الحقيقة كلها. ولو كان واثقا من انها الحقيقة وثوقا، قد يفترض ذلك لكي يكشف السلبيات الذاتية التي تمتزج مع الحقيقة في كثير من الأوقات. وقد يكون السبيل إلى ذلك افتراض وجود التناقضات في الحقائق المادية شريطة ان تفسر كلمة التناقض، بالتقابل. مثل تقابل (البيضة) و (الفروجة) في محاولة لكشف تطورات المستقبل وحوادث الماضي إلى جانب الإحاطة بحالات الحاضر التي تكتنف الحقيقة الواحدة. فمثلا في الفرضية السابقة ينبغي لمن شاهد شكلا مربعا الا يثق مبدئيا بهذه المشاهدة، بل يغير زاويته، فلعله يكتشف ان مقامه هو الذي أوحى إليه انه يرى مربعا بينما هو مستطيل.
ولقد كانت نظرية هيجل فيما يتبين بالدراسة العميقة لا تعدو حوارا مع الذات، لمحاولة كشف الحقيقة كاملة. أو حسب تعبير بعض الناقدين العرب عن هذه النظرية انها كانت محاولة لفض الفكر ذاته إنطلاقا من ان الدراسة العلمية الناجحة تعتمد على تكثيف الإحتمالات العقلية حول الموضوع. فلعل في واحدة منها ما يكشف عن سنة فطرية هامة. هكذا كانت نظرية هيجل.
الا ان ظروفًا سياسية سيئة حالت دون قيام هذا المنطق بدوره الإيجابي وطورته إلى أداة إعلامية ضد فئات وأفكار وقيم معينة. وفيما يلي نعرف بعض السبب.
2-ما هو التناقض؟ شأن كل الألفاظ يختلف معناه الأدبي المشتهر عن معناه في مصطلح المناطقة والفلاسفة الأقدمين. التناقض في الأدب العربي يعني (مطلق المقابلة) فالوجود والعدم متناقضان لأنهما متقابلان، وزيد وعمر متناقضان لأنهما متقابلان في الرأي، ودارنا ودار من يقابلنا أيضا متناقضتان ـ هذا في الأدب العربي ـ.
ولكن المنطق والفلسفة يحصران معنى التناقض في التقابل بين الوجود والعدم في لحظة واحدة. وهو ـ بالطبع ـ يختلف كثيرا عن المعنى العام الشائع في الأدب.