فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1942

وهذه النسبية ليست الا البنت الشرعية لنسبية (كانت) ، بل هي وليدة الكفر بنور العقل الكاشف لغياهب الذات، والناقد للحس بطرقه الخاصة.

وقد سبق القول منا في الفصل الأول، كيف ان العقل يحكم أحكاما ثابتة لا ريب فيها ولا تتفاوت بين شخص وآخر، وقلنا كيف ان الذات منكشفة هي الأخرى وما تحس به لهذا النور المبين.

وبناء على تلك الحقائق التي ذكرنا بها في ذلك الفصل يبدو التشكيك في المعرفة البشرية ـ غير المتأثرة بالهوى والغضب والتسرع ـ تافها. إذ ان الإدراك العلمي لا يخضع لشروط شخصية، وبالتالي فهو يثبت صامدا أمام مؤثرات المادة.

والواقع ان جذر الخطأ في جميع مذاهب الشك والنسبية كامن في أمر واحد هو الخلط بين دور العقل ودور الجهل اللذين يتنازعان النفس البشرية.. الجهل (أي الذاتية والمصلحية والغفلة وما إلى ذلك) يضغط على الإنسان لكي يعتقد بفكرة ولكن العقل يحكم على زيفها أو صحتها ثم يكون للإنسان كامل الحرية في اختيار أي الطرفين.. وحين يصفو العقل (باختيار الإنسان له) فإنه يكشف عن الواقع. واذا كشف فإن أي شيئ لا يتمكن من تشكيك صاحبه في حكمه الذي يعتبره هو الحق.

النسبية التطورية

وتابعت النسبية مسيرتها، منطلقة من قاعدة واحدة هي الغفلة عن نور العقل، الذي زودت النفس البشرية به حتى جاءت النسبية التطورية النهاية الحتمية لها. وذلك لأنه إذا كانت المادة حقيقة الإحساس، والإحساس حقيقة المعرفة أو أهم مصادرها، واذا كانت المادة في حالة تطور دائم، فلماذا لا تكون المعرفة هي أيضا متطورة ولا تمثل الا بعض واجهات الحقيقة؟

ولكي نعرف حقيقة النسبية التطورية يجب ان نلقي بعض الأضواء على ديالكتيك الفكر التي هي جزء من المادية الديالكتيكية.

ان للمادية الديالكتيكية جانبا إيجابيا وآخر سلبيا. في الجانب الأول تحاول الديالكتيكية اثبات معرفة حقة للإنسان بإزاء المثالية والتشكيكية.. وتحاول في الجانب الثاني، اثبات صفة التطور للمعرفة.

والحقيقة ان المحاولتين متباعدتان. يظهر ذلك ببيان كلا الجانبين وما قد يتعرضان له من انتقاد.

1-الجانب الإيجابي

تقيم المادية الديالكتيكية عدة أدلة على تطابق المعرفة مع الواقع الخارجي. وينبغي ان نتذكر في البدء ان طبيعة الأدلة علمية وغير مرتبطة بمسألتنا الفلسفية.. ذلك لأن النظرية المثالية والتشكيكية التي تحاول النسبية التطورية تفنيدها، نظرية فلسفية تستند إلى التشكيك في كل علم، بل في كل شيء وراء عالم المادة. وان أية حقيقة علمية لا تفيدها لأنها لا تشك في تلك الحقيقة العلمية التي احتج بها فقط، بل وحتى في وجود قائلها، ويكون أشبه بإستدلال النائم ـ وهو يحلم ـ بصحة علمه على انه يسمع ويرى ويتحرك في حين لا يعترف الواعي بسماعه ورؤيته وتحركه. بعد هذه الملاحظة دعنا نستعرض أدلة الديالكتيك:

الدليل الأول:

ان الفكرة ليست الا نتاجا أعلى للمادة، حيث انها تتحول في عملية فيزيائية من الكتلة إلى الطاقة، وتتحول بعد ذلك من الطاقة إلى الأعصاب في عملية فيزيولوجية، وتتحول بعدئذ إلى عملية سيكلوجية.

فمسيرة الفكرة كالتالية:

المادة الإحساس الإحساس المعرفة..

وبتعبير آخر:

المادة الفيزياء الفيزلوجي السيكلوجي.

فإذا كانت المادة لونا من ألوان الحركة، فإن ذات الحركة بصفاتها تحولت إلى حركة نفسية عبر حركة في الأعصاب. فلذلك لا نستطيع ان نقول، ان الإحساس يختلف عن الواقع الموضوعي.

ونحن واقعيون ونعترف بتوافق الإحساس والواقع الموضوعي أولا أقل إمكان هذا التوافق. ولكننا مع التجرد عن هذه الصفة، وافتراض كوننا مثالين جدلًا لا نستطيع ان نقتنع بهذا الدليل، لماذا؟ ينبغي توضيح نقطتين لمعرفة السبب الذي حملنا على رفض هذا الدليل!

بين التحويل والتنبيه

لابد من الفرق بين مفهومي التحول والتنبه. ففي الميكانيك: البنزين يتحول إلى طاقة محركة، أما الضغط الذي يولد الانفجار في عبوات الطاقة فإنه ليس الا منبها؛ أي ليس هو الذي يحرك السيارة، وانما هو الذي ينبه الطاقة، ويشعلها.. ومثل آخر عن الكهرباء: الطاقة تتكون في مركز توليد الطاقة، وتسير عبر الاسلاك حتى تبلغ قريب المصباح حيث ينقطع السير في الزر المختص، ويأتي الإنسان ليضغط على (الزر) فيشتعل المصباح.. طاقة الإنسان تحولت فعلا إلى الزر ولكنها ليست هي التي أعطت المصباح الضياء، بل كانت بالنسبة إليها منبها فقط.

فتحويل الطاقة يعني إنتهاء الطاقة من شيء ووجودها في شيء آخر لم تكن فيها أية طاقة. أما التنبيه فإن الطاقة لا تتحول من الشيء الأول إلى الشيء الثاني، بل ان الشيء الثاني يملك طاقة من ذاتها أو من مكان آخر، ولكنها تنتظر المنبه.

وهنا نستطيع التفرقة بين عملية الإحساس وعملية الهضم. فالأولى منبهة والثانية محولة. الإحساس لا يحول الطاقة من الشيء الخارجي بكاملها إلى الأعصاب، بل حين أحس بالنور يبقى النور في مكانه، ولا يتحول كله إلى الأعصاب. والأعصاب هي بذاتها حية فيها الحركة والطاقة تماما كما هو موجود في أسلاك الكهرباء، والإثارة الخارجية لا تعدو ان تكون محركة لتلك الطاقة الموجودة.

ولمزيد من التوضيح نقارن المنبهات بالإرادة. فنحن جميعا نعلم بوجود خطين في الأعصاب؛ خط الاستقبال، وخط التوجيه. فالمنبهات بالنسبة إلى خط الاستقبال تؤثر على الأعصاب حتى تحمل الإحساس إلى الدماغ. أما خط التوجيه فإنه يرسل بسببه الأوامر من الدماغ إلى الأعضاء. فالإرادة تبعث في الأعصاب ما تبعثه المؤثرات الخارجية فيها لكن بإتجاه معاكس.. وبما ان عملية التوجيه ليست بتحويل الطاقة إلى الأعصاب إذ ان الإرادة باقية محلها، فإن عكسه وهو خط الاستقبال لا يحول الطاقة من الخارج إلى الأعصاب. وهي بالتالي تشبه المنبهات الآلية الموجودة في الطائرات المزودة بالرادار، حيث انها هي التي تنبه بالمؤثرات وليست عملية تحويل الطاقة تجري فيه كما تجري في محركاتها ونفاثاتها.

وهذا لا يجعلنا ننكر أي تحويل. فبالدقة ان هناك جزءًا قليلا من الطاقة تتحول من المنبهات إلى الأعصاب (كالجزء القليل من الأشعة التي تنعكس على شبكة العين) ، ولكن لا يعني هذا (التحويل المطلق) كما لا يعني تفسير الإحساس بعملية التحويل.

وقد خلطت المادية الديالكتيكية بين التحويل والتنبيه هذه مفارقة.

و مفارقة اخرى: لم تفسر لنا المادية هنا كيف تتم عملية تحول الطاقة من فيزيولوجيا إلى سيكلوجيا؛ أي كيف يعرف الإنسان؟ وهذا هو السؤال الأهم في مشكلة المعرفة، والا فتحويل الطاقة من الخارج إلى الأعصاب أمر يفهمه الأطفال إذا حدد بالإثارة والتنبيه فقط كما فعلنا آنفا.

وهكذا سقطت الحجة عن قيمتها في مشكلة المعرفة وكانت أشبه بالفرار من الإجابة عن شيء إلى الإجابة عن شيء آخر.

وبعد هاتين المفارقتين نقول:

المشكلة في تقييم المعرفة ومطابقتها للواقع الخارجي تبدأ أولا: -وعند المثالييّن- بالسؤال عن هذه المعلومات (تحويل الطاقة و.. و.. و..) ذاتها فالمثاليون ينكرونها رأسا فما هو الدليل على صحتها؟

ولو افترضنا ـ جدلًا ـ صحة عملية التحويل هذه، فهل في هذا أي دليل على المطابقة بين الفكرة والحقيقة الخارجية.. مع أنهما شيئان حسب اعتراف المادية الديالكتيكية ذاتها، وهل ان الأسلاك تعلم بماهية توليد الطاقة حينما تتحول اليها هذه الطاقة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت