فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 1942

انطلق (كانت) في مسيرته الجديدة من قاعدة (القلب والنظر إلى الحقيقة) قال: حينما رأيت مشاكل عديدة تمنع عن بلوغ حقيقة المعرفة، فعلت ما فعل غاليلو بالنسبة إلى الهيئة؛ فبدلا من ان يقول الأرض مركز العالم والشمس تدور حولها، قال ان الشمس هي المركز والأرض تدور حولها، فنجح وحلت مشاكله العلمية. وكذلك نجحت حين قلت: الناس حتى اللحظة كانوا يحسبون ان الحقائق هي المركز والفكر يدور حولها. ولكن بدأت أقول: الفكر هو المركز والحقائق تدور حوله، وأبسط الحقائق هو الإحساس.. فما يزعمه الناس حول الإحساس؟ انه انعكاس الحقيقة على الذهن، ولكن أقول بل هو صبغة الذهن للحقائق. انا أقول: صحيح ان هناك حقائق نحس بها، ولكن لم يكن من الممكن الإحساس بها الا في حدود الزمان والمكان. ولدى التعمق أكثر من هذا، نرى ان الزمان لا يعني سوى نسبة الإنسان إلى الأحداث. وأما المكان فهو نسبة الإنسان (ونعني به هنا الفكر) إلى الأشياء. فاليوم يعني: تقارن إحساسي مع دورة الشمس، والمكان القريب يعني: قربي إليه. ونستطيع تشبيه الزمان والمكان بظرف بلور نضع فيه الماء فيصطبغ الماء بلون الظرف فنعتقد نحن ان اللون من الماء، ولكن الظرف فقط واهب اللون. وكذلك نحن نزعم الحقيقة في الزمان والمكان، والواقع هو اننا نحن نعيش عبر المحدودية الزمانية والمكانية، لا أن الحقائق هي التي تعيش.

من هنا كان منطق (كانت) مزج الحقيقة البسيطة وهي الإحساس (بصبغة ذاتية) هي صبغة الزمان والمكان. فقال: نستنتج من هذا ان الحقيقة كما هي في واقعها -أو بتعبير آخر كما هي في ذاتها - لا يمكن ان تعرف لأننا نملك الا أداة محدودة للمعرفة وهي أداة الذهن التي تعيش ضمن وقت ومحل محدودين. فالحقيقة انما تعرف بنسبة معينة وهكذا كانت النظرية نسبية وتفرق بين (الشيء لذاته) و (الشيء لذاتنا) . فالشيء لذاته أو كما هو في ذاته يختلف عن (الشيء لذاتنا) أو الشيء كما نتصوره. ثم استرسل قائلا: ولذلك فإن بحوث الميتافيزيقيا (الغيب) بعيدة عن إحاطة الإنسان لأنها مجردة عن الزمان والمكان.. اما بحوث الرياضيات فإنها أيضا لا تعكس الحقائق ولكنها صحيحة حسب أفكارنا إذ انها تكرير لحقيقتي الزمان والمكان. فالحساب مجموعة أعداد، والعدد ليس الا انعكاس الذهن على شاشة الأشياء. فأنا، يعني عندي واحد. وأتصور مثلين لـ (أنا) فأكوّن فكرة (2) وهكذا. وكذلك الهندسة تحديد للأماكن القريبة والبعيدة ونوع قربها وبعدها عني. واستخلص (كانت) من منهجه ان العلوم على أقسام:

1-الطبيعيات؛ وهي التي تحتوي على مادة هي الإحساسات وصورة هي الزمان والمكان.

2-الرياضيات؛ وهي التي تحتوي على صورة ـ وهي الزمان والمكان ـ ولكن بدون مادة.

3-الإلهيات (الميتافيزيقيا) ؛ وهي التي لا تحتوي موضوعاتها على صورة ولا على مادة.

ويقول ان معارفنا عن الطبيعيات مزيجة من الذاتية والموضوعية وهي لذلك لا تمثل الا بعض الحقيقة. ومعارفنا عن الرياضيات ذاتية بحتة ورغم اننا نعتقد بها لانها جزء من تركيب أذهاننا فإنها لا تعكس حقيقة وراءها… وأما معارفنا عن الغيب (ميتافيزيقيا) فإنها لا ذاتية ولا موضوعية.

نقد النسبية الذاتية

1-لكي نكون واقعيين ينبغي ان نتساءل ما هي الوسيلة التي عرف بها كانت، ان الزمان والمكان عرضان ذاتيان؟ أهي المعرفة أم هي الجهالة؟ إنَّ (كانت) لا يتردد عن القول بأنه اكتشف بصورة جازمة طبيعة الزمان والمكان. وهذا يعني انه عالم بحقيقة الزمان والمكان، وهو يعني بدوره ان لـ (كانت) كإنسان نورا كاشفا يستطيع ان يسلطه على نفسه ويكشف فيها حقيقة الزمان والمكان. ونحن إذ عرفنا هذه الحقيقة وهي: وجود نور في النفس يكشف الحقائق ورأينا أنفسنا نملك أشد القناعات بنتائج هذا النور نعلم بأن البشر قادر على كشف الأشياء، ومقدار ما يكتشف منها يكون واضحا أمامه وذا قيمة تامة لديه.

وهذا ذات ما استهدفناه بالمذهب العقلي، وهو ينطوي على رد النسبية الذاتية. إذ ان الذات (ونعني به هنا ما بالنفس من عوارض الجهل والهوى) خاضع لنور العقل الموجود فيه ومنكشف به. وإذًا فهو يفتضح لدى ادخال جهالات باطلة ضمن المعلومات الصحيحة.

2-والزمان والمكان منكشفان بالعلم، ذلك ان التعاقب بين حدثين ( وهو مفهوم الزمان عند كانت ) ، أو بين شيئين (وهو مفهوم المكان عند كانت ) ، ان هذا التعاقب لا يمكن الاحساس به، فكيف اعتقدنا به؟ يقول (كانت) لانه يستحيل العلم بشيء لا زمان له. وهذا خطأ، فالمستحيل مثلا نعلم به بعيدا عن قالبي الزمان والمكان وكذلك الخير والشر والقبح والحسن والفضيلة والرذيلة.

ومن هنا نعلم ان موضوعات المعارف الغيبية (ميتافيزيقيا) معلومات لا ريب فيها بالرغم من أنها لا تخضع لظرفي الزمان والمكان لأنها أولا: معلومات قناعتنا بها قد تكون أشد من قناعتنا بنتائج الحس. فكيف نؤمن بهذه ونكفر بتلك؟ ولأنها ثانيا: تضاهي تلك المعارف التي نؤمن بها وليست خاضعة لظرفي الزمان والمكان مثل المعلومات العقلية التي آمن بها (كانت) أيضا، كإستحالة التناقض.. ولأنها ثالثا وأخيرا: هي النتيجة الطبيعية للإيمان برابطة العلة والمعلول التي آمن بها (كانت) نفسه.

والواقع ان (كانت) أبعد عن منطقه الوضعي الحقائق الغيبية لأنها لا تخضع لمفهومي (الزمان) و (المكان) . وهو لم يأت بدليل مقنع في ان يتخذ من علمنا اليقين بالغيبيات، حجة على ان الزمان والمكان لا يعدوان حقيقتين منكشفتين بالعقل، وليسا أمرين ذاتيين ـ كما زعم ـ.

وبعد فنحن لا ننكر ان هناك مجموعة من الحقائق لا يمكننا الإحاطة بها علما. فحقيقة الوجود -مثلا- حقيقة بعيدة عن الزمان والمكان ولكننا بعيدين عن معرفتها، لأننا نعيش في إطار الزمان والمكان ومن المستصعب عمليا التجرد عنهما للاطلال على جوهر الأشياء.ولكن هذا لا يزيدنا الا ثقة بعقولنا التي هدتنا إلى ان هناك حقائق نجهلها وإلا فكيف عرفنا ان هناك حقائق وراء مشاعرنا؟!

النسبية الفردية

كان (كانت) يذهب إلى النسبية الذاتية التي تهدف إلى اثبات وجود إضافة من ذات البشر على المعلومات التي تعتبر عنده إضافة المحسوسات إلى ما بالذات من قالبي الزمان والمكان.

وكانت تلك النسبية ترى: ان الذات البشرية واحدة في كل إنسان، وان الناس سواسية في تفهم الحقائق.

وكانت تعترف أيضا بصحة المعارف الرياضية لأنها نابعة من أصل ثابت عند الناس جميعا وهو الزمان والمكان.

الا انها تطورت لدى النسبية الفردية، فقالت:

1-ما دامت الذات البشرية تخلق أثرا غير واقعي على المعارف كقالبي الزمان والمكان، ولا يملك الإنسان نورا يكشف به زيف هذه الزيادة وبُعدها عن الحقيقة، ما دام الأمر كذلك فإن القول بأن الناس سواسية في الإضافات قول باطل، لأن لكل إنسان شروطا خاصة بالإدراك ليست للفرد الآخر. ومن هنا فله إضافات ذاتية مخصوصة به، فكل بشر يدرك على شاكلته. ولهذا قالت هذه النسبية: لكل شخص حقيقة تخصه.

2-وعلى هذا فليس من الصحيح الإيمان بصحة الرياضيات إذ انها غير ثابتة هي الأخرى. بل قد تكون 2×2=4 عندي، ولكن عند غيري يساوي خمسة، لماذا؟ لأنه لا يملك أحد مقياسا ثابتا للمعرفة إذ يحتمل فساد معلوماته بإقحام التصورات النابعة عن شروطه الخاصة للإدراك.

هذه هي النسبية الفردية، وقد فضلنا ان نسميها بالفردية مع ان المشهور تسميتها بالذاتية إنطلاقا من قاعدتها: ان لكل فرد نوعا خاصا من الإدراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت