هكذا استدل باركلي.. وتابعه الفريق الذي يدعى بأنصار الشك الحديث الذي قاده (دافيد هيوم) ، وكونوا فلسفة لا أدرية. قالوا ما بأيدينا من وسائل العلم لا تكفي للتثبت عن الحقيقة، فالأولى الشك فيها. ولكنه لم يزد على أدلة باركلي شيئا. فجوهر أدلته التناقض البادي بين المعارف والأحاسيس على غرار ما استعرضناه من حجج باركلي.
نقد النظرية
والنظرية تنطوي على التباسات عديدة:
فأولا؛ إن معرفة أخطاء الحس وتناقضاته بسيطة لمن أوتي نور العقل. وما دمنا آمنا بدور العقل الذي لا يخضع للحس وانما بالعكس يخضع الحس له، فإن بمقدورنا كشف تناقضات الحس ببساطة متناهية. ولقد سبق أن بَيّنا كيف ينقد العقل مدركات الحس. فالعقل ـ كما قلنا آنفا ـ نور يكشف الواقع الخارجي ويجعل النفس تطل عليه وتشاهده مباشرة. وليس العلم تصورا تنطوي عليه النفس ـ كما زعم ارسطو ـ حتى يزعم باركلي: ان ليس لدينا ضمان كاف لتطابق الصورة مع الواقع الخارجي.
إذًا فإنتقادات باركلي وتشكيكاته مركزة ضد نظرية ارسطو التقليدية التي زعمت ان المعرفة ليست سوى صور في النفس منعكسة عن الأشياء فأنكرها، وقال: من يقول بوجود حقائق وراء الصور؟ أما حسب تذكرة الإسلام لواقع المعرفة التي كشفت لنا سابقا من أنها نور كاشف للواقع مباشرة، فإن انتقادات باركلي تذهب هباء. وقد نوه باركلي ذاته بهذا الأمر حيث يظهر من أقواله انه لو كانت المعرفة شهودا للواقع مباشرة كانت صحيحة ولكنها ليست كذلك.
كذلك حجة باركلي الثالثة المرتكزة على ان المعارف البشرية قد تخطئ، فإنها نوع من الخلط بين المعرفة والجهل، لأن المعارف لن تخطئ لأنها مشاهدات مباشرة للواقع. وهناك فرق كبير بين تبين خطأ عقيدة، وبين تبين خطأ علم. العلم لا يخطئ، بينما تخطئ العقيدة إذ ان الثانية تخضع للشهوات والتطورات المادية بيد ان العلم النابع من العقل ليس كذلك.
ويكفينا حجة: تلك المجموعة الضخمة من المعلومات التي لا يتردد أحد فيها ولا يحتمل انها قد تخطئ في يوم ما إطلاقا. مثلا: الإيمان بوجود حقيقة الكون والسنن العامة فيه، والقوانين الرياضية التي تحكمه، لا يمكن ولا نحتمل ان تخطئ في يوم من الأيام. وباركلي لم يزد على الإدعاء بوجود الأخطاء في الحس أو في المعلومات. وهذا لا يكون دليلا على عدم وجود واقع خارج الشعور، انما هو دليل على مذهب الشك، الذي يقول انه لا يمكن ان نعترف بكل مفاهيمنا الواردة علينا من قبل الحس. ونحن لا ننكر وجوب التشكيك في طائفة من الأفكار الا اننا حتى في حالة التشكيك هذه نستعين بعقولنا، كما فعل باركلي نفسه. فكيف نشكك أنفسنا دون القول بإستحالة التناقض التي جعلها باركلي نفسه دليلا على بطلان الإحساس مع انه لو لم نسلم سلفا بهذا المبدأ لم يكن لنا ان نستدل بأي دليل أبدا. إذ يمكن لأي معترض ان يفحمنا بالقول: بأنه ما هو المانع من تناقض الإحساس وصحة هذا التناقض، وبالتالي صحة المعلومات المنبثقة عنها؟
ب - المثالية الفيزيائية
ما هي طبيعة المادة؟ قال علم الميكانيك التقليدي انها مجموعة جزئيات أصلية لا تتجزأ. وكان يبدو ان ذلك أمر لا مرد منه، وواقع لا ريب فيه. ولهذا قابل التلاميذ استاذهم الفيزيائي في إحدى جامعات المانيا الذي نادى بإمكانية تفجير الذرة (اوالجزء الذي لا يتجزأ) ، قابلوه بالإنكار الشديد حتى لم يعد يتابع كشوفاته الذرية، ولو فعل لكان زمن ظهورها العشرينات.
وحين تقدم العلم وفجرت الذرة تفجيرا، تفجرت في الوقت ذاته ثقة الإنسان بعلمه الميكانيكي وذهبت مسلماته هباء.
فأصابت الأزمة النفسية بعض العلماء، وقالوا: ما دامت المادة لم تكن حجرا ثابتا لبناء صرح العلم عليه بينما كنا نعتقد نحن انها كذلك فمن يضمن لنا ان تثبت الذرة مكانها. أليس من الممكن ان يأتي العلم ليقول لنا يوما ان الذرة أيضا وهم تقليدي؟ وهكذا اندفعوا إلى المثالية. فقال (اوزوالد) : ان العصا التي تضرب (سكايان) لا تنهض على وجود العالم الخارجي. هذه العصا ليست موجودة، وليس موجودا الا طاقاتها الحركية.
نقد النظرية
اننا حين نعلم شيئا، فلابد ان نستند على مجموعة كبيرة من الأحكام العقلية. فالعلم بنواة الذرة ـ مثلا ـ مبني على صحة التجربة وهي مستندة على حكم العقل. فإذا كانت عملية تفجير الذرة أمرا واقعيا، فلا داعي إلى القول بأنه لا واقع أمامنا؟
والحقيقة ان المثالية الفيزيائية لا تنكر وجود العلم ولا وجود المادة التي يكشف عنها العلم، وانما تنكر فقط ان تكون المادة مجموعة جزئيات أصلية. بل تقول ان التصور الجامد عن المادة غير صحيح. بل انها حركة وطاقة في جوهرها. وهذه حجة قوية على وجود شيء وراء الشعور، وهو ما أنكرته المثالية الفلسفية. فاللفظ فقط قاسم مشترك بين المثالية الفلسفية والمثالية الفيزيائية والا فهما متباعدتان جدا.
ج - المثالية الفيزيولوجية
وتتلخص هذه النظرية في ان الإحساس، وهو المصدر الوحيد للمعرفة لدى هذه الدراسة، عملية فيزيولوجية ترتبط بالأعصاب وبناء المخ وشروط الزمان والمكان. ولقد اكتشف العلم، ان حقيقة الكون التي تحس بالأجهزة العلمية تختلف جدا عما نحس به بدونها. ولذلك فإنهم قالوا: ان الإحساس ليس أداة أمينة لنقل المؤثرات الخارجية، وان الحقائق تقوم بالنسبة إليها بدور المنبه فقط.
وهذه المثالية لها واجهتان: الأولى علمية، والثانية فلسفية. فالواجهة العلمية هي ان الأحاسيس لا تنقل إلينا كل الحقائق المرتبطة بها، فلذلك يحتاج البشر في سبيل الحصول على معلومات أدق عن الكون، ان يخترع أجهزة جديدة لكشف أكبر قدر ممكن من الحقائق. وهذه الواجهة تزيد من ثقة الإنسان بعقله.
والواجهة الفلسفية تهدف عدم الثقة بالمحسوسات بحجة انها تتعرض لمؤثرات ذاتية.
أما الواجهة الأولى فإنها صحيحة؛ أي ان العلم يكشف لنا عن حقائق في محسوساتنا لا تبلغها حواسنا الإعتيادية.. الا انها كما نعلم تفيدنا ثقة بمعارفنا وبما تكشفه لنا من حقائق.
اما الواجهة الثانية (أي الفلسفية) فإنها تقوم على أساس خاطئ هو ان الإحساس هو المصدر الوحيد لمعارفنا، أو هو المصدر الأول والأهم. أما لو قلنا بأن العقل هو المصدر الوحيد أو الأهم الذي يزودنا بالمعارف الصحيحة التي لا ريب فيها، فإن هذه المثالية ستفقد قاعدتها. وقد قلنا ـ عندما تحدثنا عن دور العقل في نقد المعلومات الواردة عن طريق الإحساس ـ قلنا ان المقارنة بين الأحاسيس المختلفة للشخص نفسه في أوقات متفاوتة أو بين أشخاص متعددين ذوي اتجاهات متعارضة.. ان هذه المقارنة من جهة، ومن جهة ثانية المقارنة بين المحسوسات والأحكام العقلية القاطعة، ستكون المقياس الذي نقيم به الأحاسيس ونعرف الصحيحة منها عن الباطلة.
كانت والنسبية الذاتية