فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 1942

1-اننا نرى بطبيعة فطرتنا، ان الصدق والوفاء وحب الآخرين وخدمتهم والعفو والحلم عن المكروه والإيثار بالخير والتضحية في سبيل الاصلاح. نرى هذه الصفات حسنة مرغوبة مئة بالمئة، ونجد إلى جانبها الكذب والخيانة والغدر وبغض الناس والاضرار بهم والحقد والغضب والحسد والاستغلال والجبن.. هذه الصفات نراها مذمومة بذاتها و قبيحة، لا نحب ان ننعت بها ونحب أولئك الذين يتحلون بالنوع الأول منها ونبغض أولئك الذين يتخلقون بالنوع الثاني منها.

2-أينما ذهبت من هذا العالم، ومن صادقت فيه من بني آدم رأيته يمدح الصفات الحسنة ويبغض الصفات السيئة فيرى الظلم والتعدي مثلا أمورا قبيحة بذاتها، ويرى العدل والاستقامة حسنة بذاتها.. وحتى أولئك الذين يعيشون في الغابات بإفريقيا، وأولئك الذين يهيمون في الصحاري والادغال في استراليا (من الهنود الحمر) يرون ذلك ويجعلونه مقياسا يعرفون به الصالح من السيء في الناس. وحتى أولئك الذين ينكرون وجود العدل والخير الأزليين ويزعمون ان المادة هي كل شيء وان كل شيء نسبي ـ كالشيوعيين ـ عندما يريدون ان يمدحوا أحدا يقولون انه يضحي، انه يؤثر المصلحة العامة، انه لا يظلم أحدا، انه يراعي حقوق العامل والفلاح. وهكذا كما انهم إذا أرادوا ذم أحد نعتوه بالظلم والاستغلال.. واذا قلت لأحدهم أنت ظالم أنت معتدي قال لك: كلا.. وجاء بألف تعليل وعذر حتى ينفي عن نفسه الظلم والتعدي.

ان هذا دليل صارخ على وجود أصالة للمثل.

والإسلام يقول: ان وجود العقل والجهل في النفس ليست على صفة الدوام، إذ ان من الممكن ان يضمحل أحدهما في مقابل الآخر إلى غير رجعة أو إلى حين.

أما قوة أحدهما فإنما هي بالممارسة، يعني ان الذي يرجح الجهل على العقل باستمرار ولا يتبع عقله أبدا لابد ، وان يفقد عقله أخيرا فلا يعود يشعر بحب الخير والحق (1) .. أما الذي يتبع عقله باستمرار فإن الجهل سوف يذهب عنه نهائيا بحيث يصبح قدوة الآخرين في الفضيلة. ان هذا الفرد لا يحس بحب لنفسه، إذا خالف الحق، ولا يرى تعبا في اتباع الحق والتضحية له.

كما ان العقل والجهل يتأثران بالتربية والتوجيه وبالوراثة والتغذية، ولذلك فإن الدين يستخدم كل ذلك للإصلاح.

4-الاصلاح.

يرى الإسلام ان اصلاح الناس اصلاحا شاملا انما يكون باتباع هدى العقل، ونبذ تسويلات الجهل، ذلك لأن العقل لا يميز الخير للناس عن الشر فقط ، بل يدفع الفرد إلى العمل بالخير ونبذ الشر.. وإذا اتبع الناس عقولهم ، أدوا حقوق بعضهم البعض وزادوا بالإحسان إلى بعضهم البعض. وهل ترى سعادة خيرا من هذا؟

أما إذا غلب على الناس الجهل فانكب كلٌ على عبادة ذاته والعمل لمصالحه الخاصة وتطرف كلٌ في جلب الملاذ لها، فهناك يعم الظلم والطغيان والفوضى والحسد والحقد واستعباد الآخرين.

أما سن القوانين، المدعمة بالعقوبات والتنظيمات، فهو لا يؤثر في اصلاح الناس أبدا، لأن المجتمع الذي يتبع الهوى ويتصف بحب متطرف للمادة، هذا المجتمع لا يسن قانونا الا متأثرا بهذا الحب ولا يطبقه الا كذلك. ومن هنا فسوف يكون القانون والتنظيم وسيلة إلى تحقيق شهواته. أليس الإنسان هو الذي يسن القانون ويقر النظام، أترى انه لا يمكنه الخروج عليه إذا أراد أو إذا خالف شهواته (2) .

ولنفرض: ان الإنسان قد نجح في تشريعه وتنظيمه وقلع جذور الجريمة، فهل ينجح في اصلاح نفسه وتطهيرها من الحسد والحقد والقلق والاضطراب؟ فأية وسيلة يتبعها لذلك ما دام قد نبذ العقل واتبع الهوى؟

5-المؤثرات.

ان الإسلام يهدف بتوجيهاته أمرين؛ الأول: زيادة العقل، الثاني: تربية النفس (3) ،أي أن تجعل النفس بحيث لا تهوى الشر كثيرا.

وبالنسبة إلى الأمر الأول يستخدم الإسلام الأساليب التالية:

1-الترغيب في ثواب الآخرة والترهيب عن عقابها.. قال الله سبحانه: [إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِاَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] (سورة الزلزال) .

2-بيان ان السعادة تكمن في اتباع الحق، كما ان الشقاء يكمن في مخالفته. قال الله سبحانه: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا] (4) (طه 124) .

3-إلفات نظر الإنسان بأن له عقلا وفكرا لابد من استخدامهما، ولهذا يكرر في القرآن كلمات مثل (أفلا يعقلون.. أفلا يتدبرون) وأمثالها.

وبالنسبة إلى الأمر الثاني يتخذ الإسلام عدة إجراءات نذكر منها ما يلي:

1-يحرم الزنا، والجماع في حالة الطمث، ويدعو إلى المواظبة على عدم التغذية المحرمة حالة الحمل، والإرضاع. فهذه التعاليم من شأنها ان تمنع من تأثيرات العوامل السلبية في نفس الإنسان.

2-التربية الصالحة للطفل التي أوصى بها الدين الحنيف ابتغاء ان تتعود نفس الطفل منذ البداية على الصلاح فيسهل عليها عمل الخير فيما بعد. والتربية الصالحة تعني: الاعتدال في إظهار الحب للولد ومصاحبته منذ ان يولد بالذكر كالآذان والإقامة عند الولادة ، وتغذيته بالإيمان وتعليمه الواجبات وتأديبه بالآداب الحسنة والفضائل كما هو مشروح مفصلا في كتب الفقه والتربية الإسلامية.

(1) - قال الله سبحانه في صفة هؤلاء: [سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (البقرة6-7) .

(2) - عندما نعرض ميزات الإسلام التشريعية سوف نبين ان تشريعات الناس لن تنفع في قلع جذور الشر والفساد.

(3) - ان هناك فرقًا بين الأمرين في: ان زيادة العقل تؤثر على الإنسان، وإن لم تكن تربيته النفسية مساعدة للصلاح، فالفرد الموجه بالإيمان والإرادة والعقل يتمكن من تحقيق المعاجز في مغالبة نفسه وقهرها على الفضائل، ولو كانت نفسه تتوق إلى الشر بسبب من التربية الفاسدة أو المحيط المائع أو ما أشبه. ومن هنا فإن الإسلام يهتم بهذا الأمر كثيرا، في حين ان التربية النفسية لا تفيد الا بالنسبة إلى من ربي في المجتمع المسلم وروعيت جميع أعماله بدقة متناهية.. ومثل زيادة العقل كمثل زيادة قوة الجسم وحصانته عن الميكروبات، كما ان مثل تربية النفس كمثل حفظ الجسم عن دخول الميكروب إليه أو قتل الميكروب بعد ان يدخل؛ فالجسم القوي لا يبالي بالمكروب وكذلك صاحب العقل الحاكم لا يخاف من المحيط أو التربية.. ولكن الجسم الضعيف يراقب الميكروب حتى لا يدخل فيه.

(4) - ومن هذا النوع: ما ورد في القرآن من قصص الأمم الماضية التي عتت عن أمر ربها فأتبعها بعضها بعضا ودمر قراها وجعلها أحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت