فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 1942

دعنا نجري في العنوان على عادة الفلاسفة القدماء ونطلق على الموضوع عنوان (الأخلاق) وان كان الاجدى ان يسمى الموضوع بـ (معرفة النفس) مثلما يسميه الإسلام. أو (علم النفس) مثلما يسميه العلم الحديث، ذلك لأن الموضوع أشمل من الأخلاق بكثير إذ ان معرفة النفس قاعدة أصلية تبنى عليها كثير من البحوث في الإسلام.. ففي القرآن الحكيم (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) .. في الحديث: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وفيه.. (اتزعم انك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر) من هذا يظهرأن معرفة الله ومعرفة العالم انما تكون عن طريق معرفة النفس ومع ان البشرية قد احرزت تقدما باهرا في كل المجالات فإنها لا تزال عاجزة عن معرفة النفس البشرية وما فيها من طاقات (1) .

وأهمية الموضوع تفرض توسعا بالإجابة على الأسئلة التالية:

ما هي حقيقة النفس؟

ما هو واقع القوى المختبئة في النفس؟

هل للمُثُل أصالة في النفس؟

كيف يمكن اصلاح الناس اصلاحا شاملا؟

ما هي المؤثرات في النفس وكيف يستغلها الإسلام في الاصلاح؟

1-حقيقة النفس

حقيقة النفس (الروح، القلب) أنها مادة (2) لطيفة محددة تحيا إذا أوتيت الحياة وتموت إذا افتقدتها. وتعرف إذا اوتيت المعرفة وتجهل إذا فقدتها.. وهي غير البدن وبإمكانها ان تعيش خارج الجسم - بعد الموت - دون ان تدخل في جسم آخر.

والدليل على كل هذه:

أولا: الوجدان الإنساني.. ألسنا نحس بانا نعلم ونقدر ونحيا، ولكن العلم والقدرة والحياة ليست من ذاتنا (انا حي، أي انا أملك الحياة ولكن لست نفس جوهر الحياة) ، ذلك لأننا لم نكن عالمين ثم علمنا. إذًا فالعلم ليس من ذاتنا الذي لا ينفصل عنه.

ثانيا: تجارب احضار الأرواح المفصلة في كتبهم التي تبلغ المئات في الغرب والشرق.

ثالثا: الآيات والأحاديث التالية:

1- [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَي لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا] (النحل 70) . وواضح ان المجرد لا يمكن ان يصبح جاهلا، فحيث ان النفس تعود جاهلة بعد العلم فهي غير مجردة بنص هذه الآية.

2-في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام في حوار طويل مع أحد الزنادقة: (والروح جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا. ) ثم قال: ( الروح بمنزلة الريح في الزق، إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولو جها فيه، ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن(3) .

2-قوى النفس..

كل عمل يعمله البشر فإنما تعمله روحه بسبب جسمه، فالجسم آلة للروح (4) (والأرواح القوية كأرواح السحرة والمرتاضين تعمل بدون الجسم أيضا) .. كما ان كل صفة يمتلكها البشر فإنما هي صفة نفسه لا صفة جسمه.

وفي النفس قوتان متعارضتان: قوة تجرّها إلى الأرض، وأخرى ترفعها إلى السماء.. وهما:

أ- الجهل، وهو من طبيعة النفس وذاتها وتنسب إليه الجاهلية. وهو منبت كل رذيلة كالشرك والكذب والكفر وعدم العلم وعدم الإرادة (5) .

ب- العقل، وهو من الله سبحانه وهو أصل كل صفة حسنة كالعلم والحكمة ومعرفة الخير والشر والإرادة وبه يدرك الإنسان كلما يريد.

وأبسط دليل على ذلك: ان كل فرد يشعر في نفسه ان قوتين تتغالبان في ذاته: قوة تريد مصلحته الخاصة وقوة تريد الحق. وقبل كل عمل ـ فيه مصلحة الإنسان من جانب وضرر الآخرين من جانب ثان ـ يجد الفرد نفسه في معركة داخلية. ومن الممكن ان تغلب إحدى القوتين على الأخرى فيقوم الفرد بفعل ما فيه مصلحته مثلا دون أن يشعر بقوة أخرى تمنعه عنه، ولكن سرعان ما يجد في نفسه بعد إتمام العمل قوة تلومه وتوبخه وهي القوة الثانية التي إستترت حين العمل بعض الوقت وخرجت بعده توبخ وتلوم (6) .

ودليل آخر على ذلك: إنا نجد أن بعض الناس يعملون من الصالحات ما ليس لهم فيه مصلحة أبدا، بل يقومون به لمجرد إنه عمل خيري، ولربما نكون نحن (وفي بعض الأوقات) قد عملنا أعمالا لم تكن فيها مصالحنا أبدا.

والاسلام يقول: انه نتيجة لتغالب العقل والجهل في البشر، فهو أكثر ما يواجه إزدواجية المشاعر، فهو دائما يجد نفسه حرة في ان تختار الحق أو الباطل، ويجد ان لكل منهما في داخل قلبه قوة ورصيدا.

وللبشر قوة تسمى بالإرادة الحرة تستطيع ان تتجه نحو العقل فتختاره أو نحو الجهل فترجمه. وتلك الإرادة هي التي تقرر المصير كما أنها تحقق حرية البشر ومسؤوليته تجاه عمله السيء وإستحقاقه للثواب تجاه العمل الصالح. وليس أدل على هذه الحرية من أن كل فرد يشعر بأنه حر.

ومن هنا نعلم ان قوى النفس ثلاثة:

1-العقل ؛ وهو منبع كل صفة خيرة كالعلم والصفات الحسنة والحكمة.

2-الجهل ؛ وهو منبع كل صفة سيئة كالرذائل وحب الذات.

3-الإرادة ؛ وهي قوة يختار بها الفرد الخير أو الشر وهي أصل حريته.

والدليل على وجود هذه القوى:

ألف: الوجدان وهو شعور كل فرد بعد التدبر في واقع نفسه انه يريد الخير ويريد الشر، وشعوره بالمعركة الحامية التي تقع في أعماق نفسه بين قوى الخير وقوى الشر، وشعوره بحريته في اختيار جانب أي من القوتين يشاء.

باء: وجود أعمال لا تفسر الا بأنها عملت لأجل الحق.

جيم: الدليل النقلي من القرآن والحديث.

3-المُثُل

ان الإسلام يرى ان المثل الخلقية تجتمع كلها في اتباع هدى العقل، ذلك لأن العقل يدعو الفرد - من داخله - إلى الحق والخير بصورة مستمرة ويدعم هذا الواقع بدليلين:

(1) - راجع كتاب: (الإنسان ذلك المجهول) للدكتور الكسيس كاريل.

(2) - حينما نقول مادة لا نقصد انها جسم، فالتيار الكهربائي من المادة أيضا مع العلم انه ليس بجسم. وليست كل مادة تحس وتلمس بالحواس الظاهرية. بل المقصود بالمادة ان الروح محدودة الجوانب متقلبة الطبائع تغدو وتروح. وليست المعرفة والقدرة والحياء جزء من كيانها الذاتي، بل انها أشياء خارجية ركبت من قبل الله سبحانه وتعالى خلافا لما قاله فلاسفة الاغريق وتبعهم غيرهم من ان نفس الإنسان مجردة غير محدودة، عالمة حية بذاتها، وبتعبير أخر: انها تحمل صفات الله ـ سبحانه وتعالى عما يصفون ـ وما أبعد ما بين هذا الرأي وبين ما زعمته المادية ان النفس غير موجودة رأسا. وهكذا يتجاذب التطرف من هنا والتعدي من هناك كل الذين ابتعدوا عن هدى الله واتبعوا أهواءهم بغير علم.

(3) - بحار الانوار ،ج10 ، ص185 .

(4) - في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام، انه قال: (الروح مسكنها في الدماغ، وشعاعها منبثّ في الجسد بمنزلة الشمس دارتها(عينها) في السماء وشعاعها منبسط على الأرض، فإذا غابت الدارة فلا شمس، واذا قطعت الرأس فلا روح) (بحار الانوار ،ج6، ص111 ،ح6) .

(5) - يمكننا ان نعرف ببساطة: لماذا تكون الرذائل من طبيعة النفس وذاتها، وذلك لأن كل ما يقترفه الإنسان من صفة نفسية سيئة كالكذب وما شابه ذلك فإنه انما يرتكب ذلك فلأن فيه هواه - أي انه يحب ذلك لأنه يتلذذ به أو بنتيجته - فنعرف من ذلك: ان هوى النفس وميلها مع الرذيلة. وإلى هذه الحقيقة يشير الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله (أعوذ بالله من شرور أنفسنا) .

(6) - قال الله سبحانه: [والنفس اللوامة] (أي قسما بتلك الروح التي توبخ الإنسان على أعماله السيئة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت