فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 1942

ويمكن تحدي هذه المشكلة بالإجابة على السؤال التالي: هل يمنح الناس الحرية التامة في جمع المال، حتى تتضخم الثروة في جانب وتنحسر عن جانب؟ هل ينبغي ان يمنح الناس هذه الحرية المطلقة لكي تكون مشجعة لهم وداعية إلى المزيد من النشاط والحركة؟ ام يُستعبد الناس للدولة ليأخذ كلٌ حسب كفاءته ويُعطي لكلٍ حسب حاجته فيكون في ذلك توجيه صحيح للاقتصاد، ام نوزع الثروة ونتفادى في النهاية مشكلة التضخم ولكن على حساب كبت حريات الانسان؟

أي طريق من هذين، هو الطريق القويم؟ هل الطريق الأول الذي سلكه الاقتصاد الحر ، أم الثاني الذي انتهجه الاقتصاد الشيوعي؟

ان الإسلام يبدأ أولا بتحليل المشكلة، ويبين أسبابها، ويقول: ان الإنسان خلق حرا مختارا ، وكل وجدان يشعر بذلك، وعليه فمن حق كل إنسان ان يسترشد بعقله ويستخدم حريته كيف شاء من دون ان يكون لأي شخص آخر ان يحدد حريته.. وما دام الإنسان خلق حرا وعاقلا فإنه لا تمييز بين بني الإنسان، ويقول على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط ، لا فضل للعربي علىالعجمي، ولا للأحمر على الأسود الا بالتقوى(1) . فما دام الناس عباد الله فهم سواء، وليس لأحد ان يظلم أو يطغى على أحد ويقول: (من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده(2) .

وحرية الإنسان هي التي تثبت ملكيته الخاصة، ذلك لأن الملكية تجسيد للعمل، والعمل جزء من الإنسان، فإذا كان الإنسان حرا كان مالكا لعمله ولما يؤدي إليه عمله.. ولهذا يقول الإسلام: (سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه(غيبته) معصية وحرمة ماله كحرمة دمه (3) .

وما دام البشر كلهم يملكون انفسهم وأموالهم: (إن الناس مسلطون على أموالهم(4) ، فليس لأحد ان يثري على حساب أحد، كأن يسخره أو يخدعه أو يغصبه أو يأكل ماله بالباطل. يقول الإسلام: (لا يحل مال أمرء مسلم الا بطيب من نفسه(5) . ومن ذلك العمل بالمحرمات التي تضر المجتمع.. وهكذا عرفنا كيف ولماذا تحدد حرية كل شخص إذا عارضت حرية الآخرين؟

وإذا كان الناس أحرارا فمنهم من يعمل كثيرا ومنهم من يعمل قليلا ومنهم ذكي ومنهم غبي (6) . وليس لنا ان نقول لهم كونوا متساوين إذ لا حق لنا في ذلك ماداموا أحرارا.. وحينذاك فهل نمنع أجر الأفضل والأكثر عملا؟ فنمنعه حقه ونمنعه حريته (مع انه سوف يكسل عن العمل الأفضل فيتضرر الجميع) ام الأفضل - كما يقول الإسلام- ان نطلق حريته لكي ينشط ويتفنن ويتقن عمله اتقانا، ولكن بشرط ان لا تكون حريته سببا لسلب الآخرين حريتهم.. وفي حدود القانون.

ومن ناحية ثانية: فإن الغني الذي يكتسب المال في ظل دولة توفر له الاطمئنان والأمن ، من الطبيعي ان يكون بعض ماله من حق تلك الدولة (كالذي يكتسب المال في متجر غيره) فلابد إذا ان يؤدي حق هذه الدولة لتحفظ أمواله ونفسه وأمنه.. ومن هنا ينشأ الخمس والزكاة..

ومن جهة ثالثة: فإن الإنسان الحريص على المال لابد وأن يغفل حينا - ولو كان مسلما تقيا - ويسلب مال الناس من حيث لا يشعرون (7) ، فلابد أن يرجعه إليهم، ومن هنا ينشأ رد المظالم.

ومن جهة رابعة: فإن الناس كلهم - لاسيما في النظام الإسلامي - يشتركون في تنمية ثروة هذا الشخص الثري بتعاونهم وحفظهم للأمن وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأمثال ذلك.. فلابد ان يكون لهم سهم في أمواله، وهنا تنشأ سائر الضرائب.

وأخيرا فإن الإسلام - بوحي من الله العليم البصير - وضع مناهج دقيقة ومضبوطة لاستخراج اسهم الدولة والناس الواقعية من ثروة الغني، ففرض عدة أنواع من الضرائب، تسبب التقليل من تضخيم الثروة، وهذه الضرائب تكفي ـ لدى التدبير ـ لسد حاجات الضعفاء والحاجات العامة..

وهذا هو الخط العريض والدقيق لفرض ضرائب عامة، وقد رأينا كيف انه يوافق أدق أحكام الفطرة والوجدان.

ولكن هذا لا يعني ان الإسلام لا يتوسل بوسائل أخرى في سبيل تحديد الثروة، لكن حتى تلك الأمور تسير باتجاه صحيح على ضوء الفلسفة الإسلامية العامة (8) وهي:

1-ان الإسلام يرى الإنسان في رحلة طويلة، وان ما يقدمه لنفسه من خير يوفاه في الحياة الأخرى، ولذلك فهو يأمر بالصدقات وهي زيادة في إعطاء المال للفقراء والمشاريع الخيرية.

2-وعلى هذا الأساس يأمر الناس الا يحرصوا في طلب الدنيا (9) .

3-وقانون الإرث يحد نوعا ما من تضخم الثروة في يد واحدة.

4-حكم عام بلزوم الانفاق في ضرورات الحياة للفقراء ( وقد مرت فلسفته في فصل سابق) .

5-وإذا أضيفت هذه الأحكام إلى الحقوق المشار إليها سابقا وهي: الزكاة و الخمس و الخراج و الكفارات و النذور، كانت الضرائب الإسلامية خمسة.

وخلاصة الحديث:

ان الإسلام يحل مشكلة التضخم في الثروة عن طريقين عادلين:

الأول: منع ظلم الناس بعضهم لبعض وتحريم السخرة والاستغلال، علما بأن التضخم ناشئ عن طرق غير شرعية في كسب المال كالربا والحكرة والاقطاع والإجحاف والغش والتزوير وما إلى ذلك مما هو معروف في دوائر الرأسماليين (10) .

الثاني: توزيع الثروات وتحديدها عن طريق فرض الضرائب المناسبة (كالخمس والزكاة) والترغيب عن الدنيا، وفرض قانون الإرث والإلتزام بالنفقة على المضطرين والترغيب على إعطاء الصدقات (11) .

الأخلاق الإسلامية

(1) - بحار الانوار ،ج22،ص348 ، ح64 .

(2) - نهج البلاغة ,قسم الرسائل ، رقم 53 ، من كتاب به كتبه للأشتر النخعي لما ولاّه على مصر .

(3) - الكافي ، ج2، ص359 ، باب السباب ،ح2 .

(4) - بحار الانوار ،ج2، ص272، ح7 ( عن النبي صلى الله عليه و آله ) .

(5) - عوالي اللآلي ، ج1،ص222 ،الفصل التاسع .

(6) - من الواضح ان الناس مختلفون اختلافا طبيعيا بفعل العوامل الوراثية أو التربوية. هذا الاختلاف نعمة من الله كي يتخذ كل فرد مكانه من العمل. إذ من المعلوم ان الأعمال متفاوتة فإذا كان الناس متساوين اختار كلهم خير الأمور، فينشأ النزاع. قال الله سبحانه: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) ( الزخرف 32 ) .

(7) - ان تضخم الثروة أكثر ما يكون من الاجحاف والتسعير الغالي والأرباح غير العادلة. وهذا وان كان غير محرم ، إن كان عن غفلة ولكن فيه أثر الحرام، وهو ان المال لابد ان يرجع إلى أهله.

(8) - في الإسلام نوعان من التكاليف؛ الأول: الواجبات، وهي تحدد المسيرة اللازمة لترقية المسلم في الحياة.. الثاني: المستحبات، وهي ما يزيد الحياة رفاهية وسعادة.. وفي مجال الحد من تضخم الثروة للإسلام نوعان من التكاليف:

الضرائب اللازمة والضرائب المندوبة (وهي ما وراء الواجب) . قال الله سبحانه: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] ( النحل 90) .

وفي الحديث المفسر للآية: (العدل: الانصاف، والاحسان: التفضل) .

(9) - الإسلام ينهى عن الكسل في حين يأمر بعدم الحرص، وليست هناك منافاة بينهما، ذلك لان العمل مرغوب فيه ولكن تضخم الثروة غير مرغوب فيه فيمكن ان يعمل ويعطي للفقراء كما كان من دأب قادة الإسلام (النبي والأئمة) .

(10) - والى هذه الحقيقة يشير الحديث الشريف: (ما رأيت نعمة موفورة الا وبجانبها حق مضيع) .

(11) - سيأتي في فصل الأخلاق شرح وتوضيح مدى تأثير الترغيب عن الدنيا في الاحتفاظ بتعادل الثروة وحل مشكلة تضخمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت