فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1942

الأول: ان الناس يصبحون أمام الدعوات الخيرة إلى فريقين: مهتد وضال. ويحاول الضالون ان يقضوا على المهتدين لكي يصفو لهم الجو.. ولابد من هذه الحرب حتى تصبح كلمة الحق هي العليا شريطة الا تستغل هذه الحرب للمصالح المادية.

الثاني: ان بعض الطبقات تريد ان تستغل طبقة أخرى فتقوم الحرب، ولابد من القضاء على هذا النوع من الحرب، بالقضاء على جرثومتها وهي الاستغلال.

أما الاستغلال فإن سببه: حرص الإنسان على المادة. وعلاجه هو: توجيه الناس إلى الحق ومعاقبة المستغلين معاقبة صارمة. ويقرر الدين: ان رأس المال حيث يستغل العمال، وان الحزب حيث يستغل الشعب فإنما هو لأمر في قلب المستغِل وأمر في قلب المستغَل.. أما الأول فلأنه: جعل المادة إلهه المعبود.. وأما الثاني فلأنه سكت على الظلم وخضع للنظام الباطل وكان عليه أن يثور ضده.

12-والإسلام يوفر (بالنظام السابق) ما تحلم به الرأسمالية من حرية الشعب وما تدعو إليه الاشتراكية من الضمان الاجتماعي للفقراء دون ان يجر إلى العالم الدمار الذي جرته هاتان الآفتان. أما الحرية فحيث يقرر ان كل فرد مختار في أعماله، فهو حر فيما يعمله وله كلما ينتجه.. وأما الضمان فحيث يقول: ان الناس عباد الله فلهم جميعا حق البقاء وكذلك فعلى كل مسلم ان يوفر ـ حسب امكاناته ـ ضرورات الحياة لكل إنسان مسلما كان أو كافرا.

وكلمة الخلاصة: ان الإسلام يمزج مبدأين في الاجتماع مزجا معتدلا، وهما:

ألف: ان كل فرد حر ومسؤول، له مثل ما عليه من الحقوق والواجبات وأن لكل فرد ما ينتج، ولكل امرئ حسب كفاءته.

باء: ان الناس عباد لله ومتساوون في الحقوق العامة فلكل حسب حاجته.

وعلى هذين الأساسين يبني الدين صرحه الشامخ في المجتمع الصاعد من دون ان ينزلق في أخطاء النظم المادية المعاصرة.

الاقتصاد الإسلامي..

في حقل الاقتصاد يرى الإسلام: ان الله خلق الأرض والسماء وجعلها مسخرة للبشر، وجعل فيها متاعا إلى حين (1) وان ما جعل لهم يكفي لكل البشر (2) ، ويقول في ذلك [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا] (البقرة29) .

ويرى: ان للإنسان صلاحية استخراج الرزق من الأرض بإذن الله.. فيقول: [وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَاتَشْكُرُونَ] (الأعراف 10) .

ويرى: ان على الناس ان يسعوا في سبيل تحصيل المعاش من الأرض، فيقول: [وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( القصص 73) ويرفض ان يكسل الإنسان عن تحصيل رزقه أو يضعف.. ويقول على لسان الامام الصادق عليه السلام: (ان الله عزوجل يبغض كثرة النوم وكثرة الفراغ(3) وان الكسل يمنع حظ الدنيا والآخرة، ويقول في ذلك: (إياك والكسل والضجر فإنهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة) (4) .

ويرى: انه لابد للمسلم ان يكون نشيطا في طلب الرزق ساعيا، كي لا يكون متأخرا أو يكون كلا على غيره.. ذلك لان من ألقى كله على الناس فهو ملعون. ويقول على لسان الإمام الصادق (ع) : (عليكم بالجد والاجتهاد، وإذا صليتم الصبح فانصرفتم فبكروا في طلب الرزق واطلبوا الحلال فإن الله سيرزقكم ويعينكم عليه) .

ويرى: ان البلد المسلم لابد له من زراعة وتجارة وصناعة (5) .. وقد كان الأئمة عليهم السلام - وهم قادة الدين- يزرعون ويفلحون فيقول أحدهم (اني اشتهي ان يراني الله عز وجل أعمل بيدي وأطلب الحلال في أذى نفسي) (6) .

كما يرى الإسلام: ان التجارة خير ويأمر بها ويرغب في ان يبكر الفرد اليها وان يتحمل المشاق في سبيلها ولقد كان الرسول والإمام الصادق -عليهما صلوات الله- يزاولان التجارة شخصيا.

أما الصناعة فيشجع الدين عليها ويذهب في تشجيعه بعيدا حيث يرى انه حتى لو كانت الصناعة تُستغل من قبل بعض المستهلكين في وجوه الحرام، فإن الانتاج ذاته لا يكون حراما ذلك لأن في انتاجها منافع للناس (حسب ما جاء في نص إسلامي) (7) .

وإضافة إلى هذه التعاليم، فإن الدين يضع مناهج خاصة للتنمية الاقتصادية وإليك طائفة منها:

1-ان الإسلام يُمَّلِك الأرض للذي يعمرها، ويقول: (من أحيى أرضا مواتًا فهي له) (8) .

2-و يُمَّلِك المعادن وموارد الثروة الطبيعية لمن استخرجها.

3-ويسهل للناس المعاملات ويكتفي بمجرد المعاطاة فيها، بينما تفرض الشرائع الأخرى قيودا أخرى كالكتابة والاشهاد وما شابه ذلك.

4-ويضع نظام القرض ويشجع عليه ويعتبر الدرهم في القرض خيرا من عشرة دراهم في الصدقة، كما يجعل من الزكاة حصة لأداء دين العاجز فيأمر الناس بأن يقترضوا فإن عجزوا عن الأداء أخذوا من أموال الدولة.

5-ويجعل في أموال الدولة سهما يصرف في الاعمار والتنمية.

6-ويقر نظام المضاربة في حين يحرم الربا، ليشترك كلٌ من صاحب المال والعامل بقدم المساواة في الربح والخسارة، وبذلك يشجعهما على العمل.

7-ويحرم البطالة والإشتغال بالمحرمات ولعب القمار وكثير من أقسام اللهو.

8-ويمنع التبذير ويحجز أموال السفيه (الذي يصرف المال في غير أوجه الصلاح) وبذلك يوفر للأمة مالا كثيرا.

9-ويربي الناس على الجد وملأ الفراغ وضبط المواعيد والوفاء بالعهود والتعاون وتعلم الصناعة وما أشبه مما يساعد على التنمية الاقتصادية.

10-ويسهل على الناس التبادل حينما يقول لهم على لسان الامام علي عليه السلام: (يا معشر التجار اتقوا الله.. وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين(9) وبهذا تشيع الثقة بين الناس فيسهل التبادل.

11-وأخيرا يطلق جميع الحريات المشروعة التي تنمي التجارة والصناعة (10) .

مشكلة الثروة..

(1) - حينما نقول ـ تبعا للتعبير القرآني ـ إلى حين، فلان هناك غاية وراء هذا التركيز وهي: ان الحياة الدنيا ليست غاية السعادة البشرية وان من يأمل فيها ذلك فإنه يأمل باطلا سرعان ما يصطدم بالواقع ويشقى ويشقي الآخرين.

(2) - خلافا لبعض النظريات المادية التي تعتقد ان ما في الأرض لا يكفي الناس جميعا فلابد ان يتصارعوا لكي يفلح الأقوى بالعيش ويفنى الضعيف.

(3) - بحار الانوار ج73، ص180،باب 38، ح10 .

(4) - الكافي ،ج5،ص85،باب كراهية الكسل، ح2 .

(5) - هناك نظم كاملة في هذه الشؤون الثلاثة تتعرض لها كتب الفقه الحديث فراجع للتوسع..

(6) - وسائل الشيعة ،ج12،كتاب التجارة ، ابواب مقدماتها ، الباب 9 ، ص24 ، ح10 .

(7) - راجع: تحف العقول ،باب ما روي عن الامام الصادق عليه السلام ، جوابه عن جهات معائش العباد .

(8) - الحديث مروي عن الرسول صلى الله عليه و آله وسلم، ( وسائل الشيعة ،ج17،كتاب احياء الموات، الباب 1،ح5 ) .

(9) - وسائل الشيعة ، ج12،كتاب التجارة ، ابواب آداب التجارة ، الباب 2 ، ص283 ح1 .

(10) - وبهذه الأسباب وما أشبهها أحرز المسلمون الأوائل ذلك التقدم الاقتصادي الباهر. أما الغرب اليوم فإن تقدمه انما هو على حساب الشعوب الكادحة.. (انظر كتابي) ؛ (التنمية الاقتصادية في الإسلام) و (تشريح جثة الاستعمار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت