عرفنا في فصل العقائد ان بعد الموت حياة باقية يثاب فيها المحسن ويعاقب المسيء ؛ [يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ] (الزلزال 6-8) .
ولنقارن إذن بين الدنيا والآخرة. ان حياتنا الدنيا لا تتجاوز في أحسن الفروض السبعين عاما: نصفها نوم وطفولة ومرض وأعمال ضرورية لا نملك الا فعلها، والباقي (35) عاما.. ولنفرض اننا نستطيع ان نتمتع فيها بكامل التمتع بعيدين عن منهج الله سبحانه (وهو مستحيل طبعا) (1) . فماذا يحدث؟
نخسر الآخرة التي ليس لها إنتهاء وانها حياة خالدة لا يمكن ان تحدد حتى بكلمة مليون ومليار أو ما شابه ذلك. (خالدين فيها أبدا) .
وإذا خيرنا بينهما: فأي عاقل يبيع أكثر من مليون ومليار عاما وأكثر في سبيل 35 عاما فقط؟!
دع عنك ان عمر الدنيا كلها لا تساوي ساعة من متعة الآخرة ؛ انها متعة لا تقاس بالدنيا.. (فيها ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت ولا خطر بقلب بشر) ..
يقول الفيلسوف البريطاني برتراند رسل: (أنا لا اعتقد بالآخرة، ولكن حق على الذي يعتقد بها ان يصرف كل عمره في سبيل تحصيلها. ذلك لأن تسعين سنة لا قيمة لها ازاء حياة خالدة) (2) . أليس من الأفضل ان نتبع الإسلام لنحرز حياة خالدة في الآخرة تطفح بالنعيم والآلاء؟
ولو فرضنا ان الإسلام يسبب لنا شقاء طويلا في الدنيا (وهو فرض غير واقعي طبعا) ، أليس من الخير لنا ان نتحمل هذا الشقاء مثلما نتحمل متاعب ليالي الامتحان لنحظى بنعيم الأبد، كما نحظى بنجاح السنة؟
قال الله سبحانه: [إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَآئِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ كِذَّابًا * جَزَآءً مِن رَبِّكَ عَطَآءً حِسَابًا] ( النبأ 31-36) .
ان نسبة السبعين إلى ما لا نهاية، أقل من نسبة ساعة واحدة إلى عمر الأرض كلها.. فلو قيل لك: انك لو تعبت في هذه الساعة عشت مدى العمر سعيدا ، وبصورة عكسية لو تمتعت فيها شقيت مدى العمر.. ماذا سوف يكون اختيار العاقل الحكيم؟ ان الذين يتبعون أهواءهم من الماديين يخالفون ولا شك عقولهم التي تلومهم على ترك الحق والتعرض لعذاب الله الاليم.. ولكن هل ينفعهم الإنكار؟ هل ينقذهم من عذاب الله؟ ام يستطيعون خلودا في الدنيا وتمتعا بها؟
[قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوْا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (الزمر15) .
لكل مناحي الحياة
للبشر جوانب مختلفة: فله عقل وجهل، وله جسم وروح، وله حاجات ورغبات وتطلعات وغايات، وله فوق ذلك أطوار؛ فهو جنين في رحم أمه، وصبي في المهد، ويافع وشاب، وله علاقات بعائلته، وأهل بلدته، وأهل مهنته، وله مئات من الشؤون الأخرى..
والغريب ان كل ناحية من نواحي الإنسان ترتبط ارتباطا وثيقا بسائر نواحيه. فلجسمه تأثير على روحه وبالعكس لروحه تأثير على جسمه كما ان لعقله تأثيرًا في هواه وبالعكس. والفرد يؤثر في المجتمع والمجتمع يؤثر في الفرد، وهكذا (3) .
وليس في العالم نظام شامل لجميع هذه النواحي، ليس هذا ادعاء بل لم يأت نظام واحد يدعي انه يضع تعاليم للروح وتوجيهات للنفس وقوانين للمجتمع وأحكامًا للفرد و..و..و..
فالنظام الرأسمالي مثلا، لا يدعي انه شامل لتعاليم صحية أو خلقية أو بيتية أو ما اشبه؛ والنظام الاشتراكي وان ادعى الشمولية الا انه جعل أكثر أحكامه مستوحاة من ارادة الرؤساء المرتجلة القائمة على انكار وجود الروح والاخلاق السامية للانسان ولقد اثبتنا سابقا وجودهما ولم يبق الا الإسلام، الذي هو منهج للتفكير، وفلسفة للكون، وأحكام للجماعة، وتعاليم للفرد منذ ان يكون جنينا وإلى ان يصير ميتا، وتصحيح للسلوك وتهذيب للنفس و.. و..
وفي كل فصل يتعرض الدين لكل ما يمكن ان يقع من احتمالات وفروض (4) .
وفي هذا عدة فوائد:
1-انه يبعث قوة في النظام الإسلامي حيث يغني الفرد من تجشم متاعب نظام آخر.
2-انه يجعل بناء حياته متكاملا وعلى نسق واحد ولا يكون أمره فرطا يناقض بعضه بعضا، كما نجده في الرأسمالية. مثلا: يؤمن بالله بينما لا يؤمن بشرائعه، ويؤمن بالإنسان بينما ينسى نظامه بعيدا عنه.. وهكذا..
3-وأخيرا انه يجعل النظام قويا يمسك بعضه بعضا. فمثلا: الإسلام يقول في فصل المعرفة: ان الخطأ في التفكير ناشئ من اتباع الهوى، وانه لابد لمن يريد الحق ان يخالف هواه.. وهو يقول في فصل الأخلاق: لابد من اتباع العقل بدل اتباع الهوى، ويضع كل المناهج الخلقية على أساس هذه الفكرة.. وفي فصل السياسة يقول: لابد ان يكون الرئيس تابعا لعقله وليس لهواه، ولابد ان يكون انتخابه من الناس في هدى عقولهم لا في ظلمات أهوائهم. وفي فصل العبادات: يجعل الصلاة والصوم والحج وما أشبه، وسيلة لدعم عقول الناس وطمس أهوائهم. وهكذا ان مثل الإسلام كمثل شجرة طيبة أصلها ثابت تتفرع وتتوسع وترتفع حتى تشمل العالم كله.
وكل حكم منه يرتبط بكل شؤون البشر، والأحكام الأخرى ترتبط بهذا الحكم.
لكل أفراد البشر
1-لا يصلح أي نظام في العالم ان يسود البشرية جميعا.. ذلك لأن النظام الرأسمالي انما هو منبثق من اهواء طبقة الأغنياء، وكل ما فيه موضوع لحمايتهم فقط. انه نظام الأغنياء ويضطر الفقراء إلى اتباعهم.
والنظام الاشتراكي منبثق من اهواء طبقة الفقراء (كما يقولون) ولا يخدم الا مصلحتهم فقط.. ولابد عندهم من سحق سائر الطبقات. ونظم الأرض كلها تميز طائفة على أخرى، سواء على أساس طبقي أو قومي أو إقليمي أو ما شابه.
2-ولا يمكن ان يأتي نظام يشرعه بشر ثم يكون شاملا لهم جميعا وذلك للأسباب التالية:
أ- ان الإنسان يتأثر بمحيطه وبيئته مهما حاول الترفع عنهما فإن اختياره لابد ان يتأثر بذلك ولهذا نرى ان المشرعين والفلاسفة في العالم ينطبع كل منهم بطابع محيطه و بيئته.
ب- ان الإنسان يتبع هواه، فهو ان كان يحب بلده رفعه في النظام درجة وان كان يهوى طبقة معينة مال إليها ميلة. وهكذا.. ومن هنا نجد طابع القومية أو الطبقية باديا على كل نظم الأرض.
ج- ان الفرد الواحد لا يمكنه ان يحصل على المقاييس الدقيقة التي تخضع لها الجزئيات الصغيرة في كل بلد، ولذلك فهو يضع حكما شاملا دون مراعاة حالات الاستثناء.. فيسبب ذلك شقاء طويلا.
(1) - قال الله سبحانه: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. راجع فصل (الإيمان بالله) في العقائد لتعرف ذلك جيدا.
(2) - راجع كتاب (في التربية) تأليف راسل.
(3) - وكان هذا سببا رئيسيا لغموض الإنسان؛ ذلك لأن التفاعل الموجود بين نواحي الإنسان المختلفة بعضها مع بعض لا يدع الفرد يختص ببحث ناحية معزولة عن سائر النواحي. وإذا أراد فرد واحد ان يعرف شؤون كل واحد من جميع النواحي حتى يكون طبيبا ومهندسا وقانونيا و.. و.. في وقت واحد، كان ذلك مستحيلا. راجع للتوسع كتاب (الإنسان ذلك المجهول) تأليف الكسيس كاريل.
(4) - في الإسلام: (واجبه ومندوبه) تعاليم للزواج وللنكاح وللحمل وللولادة وللرضاعة وللتربية وللتعليم وللتجارة وللعلاقات العامة.