د- ان أنظمة البشر مادية تستوحي كل واقعها من المادة، وبما ان للمادة في كل منطقة وفي كل يوم شكلًا جديدًا وصيرورة خاصة، فإن الأنظمة تتأثر في كل مكان بما لها من ملامح.. فمثلا: لا تعترف نظم الأرض بالعقل.. ولذلك فإنها تضع كل أحكامها على أساس المصلحة. والمصلحة تابعة لنوعية وسائل المعاش التي تختلف باختلاف الأماكن فيختلف النظام.
والإسلام يعترف بالعقل، ويستوحي منه كل أحكامه. و واضح ان العقل واحد في كل مكان ولا يخضع لببيئة دون أخرى، ولا لحالة دون حالة.. فحينما يقول النظام الغربي للكاذب: أصدق! لا يقوله الا بعد ان يرى مصلحته في هذا ولا تكون مصلحته في ذلك الا في أحوال خاصة. بينما النظام الإسلامي يقول للناس كلهم: أصدقوا وفي كل الأحوال، ويتوسل لذلك بعقولهم لا بمصالحهم المختلفة.. وهكذا.
والإسلام شريعة الله الخالق لكل العباد الذي لا يخضع في ظله شعب لشعب ولا طبقة لطبقة، مما يؤدي إلى اختلال التوازن ونشوب الأزمات.
الاسلام شريعة الله الذي لا يفضل أحدا ولا شعبا، ولا طبقة على غيرها.
شريعة الله الذي لا يتأثر بمحيط وبيئة.
شريعة الله العالم بكل المقاييس التي تخضع لها حياة البشر ولذلك فهي صالحة لأن تطبق على كل البشر على نحو مساو ودون قلاقل.
تطور الإنسان!
في واقع البشر جوانب ثابتة، وجوانب متطورة. فما يتعلق بروحه وعقله ورغباته وحاجاته وتصوراته وأخلاقه ووجدانياته فإنه لا يتغير.. أما ما يرتبط بكيفية بروز الرغبات وسد الحاجات وامتداد التصورات فهو الذي يتطور.
جوهر الإنسان والمقاييس العامة التي يخضع لها لا تتغير، فلا يمكن ان يكون هناك إنسان لا يحب نفسه أو لا يحب الخير أو لا يعرف ان الصدق والوفاء والايثار أمور حسنة.
وما سوى هذا الجوهر خاضع للتطور، ذلك لأن جوهر الإنسان ونظامه لا يرتبط بالمادة فلا يتغير. أما سوى ذلك فهو أمر مربوط بالمادة ولذلك يتطور بتطورها.
والنظم البشرية، تلاحظ مادية الإنسان، ولذلك فهي خاضعة للتطور والتغيير. أما أحكام الإسلام فهي موضوعة وفقا لجوهر الإنسان ومقاييسه الروحية ولذلك فهي لا تتغير.. وكما يصرح علماء القانون البشري - سواء الغربي أو الشرقي- ان نظمهم مستوحاة (على أفضل وجه) من ظروف البلد الذي يسن له القانون، فإذا تغيرت تغير القانون. أما الدين فيقول: (حلال محمد حلال أبدًا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة(1) .
تنفيذ الأحكام
ويمكن ان يكون في النظام الغربي أو الشرقي (الجاهليين) قبسات ضوء أو ومضات خير، ولكنها لا تطبق الا في حالات نادرة. وماذا تغني لائحة حقوق الإنسان في مكتبة الأمم المتحدة، إذا ساد الشقاء، وعم العداء كل أرجاء العالم؟
المهم تطبيق النظام، والمهم ان يملك النظام ضمانا للتنفيذ وان تكون فيه صلاحية ذلك.
والسبب في عدم تطبيق نظم الأرض هي ثلاثة أمور:
1-إنها من صنع البشر أنفسهم وما صنعته يد البشر تنقضه يده أيضا.
2-انها لا تصلح في كثير من فروعها للتطبيق.
3-انها لا تملك قوة كافية للتطبيق ذلك لأنها في الواقع تعتمد على قانون العقوبات، الذي ان كان صحيحا - وهو غير صحيح - ، فهو غير كاف لما سيأتي.
أما النظام الاسلامي:
أ- فهو ليس من صنع البشر حتى يملك البشر نقضه. فليس هناك قوة في الأرض - ومنها قوة السلطة - تملك تغيير حكم الله. فالبشر يشعرون بالتضاؤل أمام قانون الله لأنه قد وضع من لدن حكيم عليم.
ب- أضف الى ذلك أنه صالح للتطبيق، وقد طبق في التاريخ مرات كثيرة. وقد استمد صلاحيته هذه من عدة أسباب:
1-انه يلائم فطرة الإنسان، فإذا هي تنسجم مع طبيعته إنسجاما عجيبا.. فهو مثلا: يحكم بما يهوى إليه العقل، ويشبع رغبة النفس ويسد حاجات الجسم.
2-انه ميسور باعتبار ملاحظته للضعف البشري وليس أدل على ذلك من ان الحكم مرفوع في الدين عن المكره والمضطر والمجنون والصبي والنائم والجاهل، وكل حكم فيه ضرر أو عسر أو حرج أو اختلال نظام فهو مرفوع.
3-انه مبسط ويستطيع أقل المسلمين فهما ان يطلع على ما يحتاجه من أحكام في عمره خلال أشهر معدودة.
ج- إن النظام الاسلامي يملك قوى كثيرة للتطبيق، ولابد ان نشير قبل بيان تلك القوى إلى ان النظام مهما كان شاملا فإنه يحتاج إلى قوة إجرائية أكبر من النظام نفسه.. والإسلام بما هو نظام كامل شامل وفيه مئات الآلاف من الأحكام فإن تنفيذه يدل على ان قواه الإجرائية أكبر وأعظم من كل نظام آخر.
والقوى الإجرائية في الإسلام هي:
1-الإيمان.
2-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3-التربية.
4-الحدود والقصاص والديات.
ولابد ان نعرض كلا منها بشيء من التفصيل
1-الإيمان.
والإيمان بالله - المحيط علما وقدرة - وباليوم الآخر الذي يجازي فيه بالخير خيرا وبالشر شرا قوة لا مثيل لها في دفع الفرد إلى عمل الخير وتتميز عن غيرها بأنها:
1-تستطيع ان تهذب النفس من الداخل وتنظم مشاعر الإنسان وتحفظه من الحسد والحقد والجبن والقلق وما أشبه.
2-تتمكن من حفظ الفرد عن الخروج عن أحكام الله حيث لا مراقب ولا دولة ولا جزاء.
3-ان عمل الخير الصادر عن النفس المؤمنة يكون عملا متقنا باعتباره صادرا عن إرادة الفرد ورغبته وليس مكرهًا عليه.
وبصورة معكوسة تماما نجد القوانين البشرية (الجاهلية) :
1-لا تتمكن من تهذيب النفس من الداخل، ولذلك يشيع القلق النفسي في الدول الغربية وتطفح النفوس بالعقد الجنسية والحضارية.
2-وهي لا تستطيع ان تنظم سلوك الفرد الداخلي فلا تستطيع مكافحة الاجرام الذي كثيرا ما يرتكب سرا.
ومن هنا فإن البشر عاجز عن توفير حياة طاهرة عن الإجرام لنفسه وان صرف المبالغ الطائلة.
3-وحيث ان الفرد يريد من الداخل الشر ويجبر على عدم فعله من الخارج، فإنه يعيش أزمة داخلية بإستمرار أو ينمو فيه بغض متزايد للشعب والقانون وينتهي بالعصيان والتمرد اللذين نجد نماذج منها في دول العالم الراقية اليوم.
2-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
صفة الحياء صفة فطرية في الإنسان. ومن هنا فالفرد تابع لمجتمعه وقليلا ما يخرج عن عاداته التي يعاب من خرج عليها.. والدين يستخدم هذه الصفة حيث يجعل العمل بأحكام الدين صبغة اجتماعية يعاب من تركها، وتبرز هذه السمة حينما يوصي الدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويفرض على كل مسلم: ان يراقب الناس جميعا فإذا رأى مروقا أو خروجا على حكم ديني أو أخلاقي سارع إلى انكاره، أرأيت كيف يكون حال مجتمع كل أهله رجال أمن وشرطة؟.. ومن الطريف ان الآمر بالمعروف قد يكون مأمورا به غدا من قبل نفس الذي يأمره اليوم.. ذلك لأن المسؤولية في هذا الصدد تجري على الكل بصفة متساوية.. فالمؤمنون يتواصون بالخير.. وهذه القوة لا تبلغ في حجمها القوة الإيمانية ولكنها في نفسها قوة كبيرة إذ ان مراقبة الجماهير أقوى بكثير من مراقبة طائفة خاصة (كرجال الأمن والشرطة) في القانون البشري في حين انه لا يكلف الشعب مالا ووقتا ولا أي شيء آخر.
3-التربية.
والتربية (التي سبق الحديث حولها في فصل اصلاح الناس(2) عامل آخر مساعد لإجراء أحكام الدين..
(1) - الكافي ،ج1، ص58 ، باب البدع و الرأي ، ح19 .
(2) - وهي: مجموعة تعاليم من شأنها تزكية النفس وتطهيرها عن الرذائل.