من هنا علينا أن نلتزم بالجانب العلمي، مع الاستدلال المنطقي الصرف، حيث يكون ما نتوصل إليه سليمًا وصحيحًا، من ناحية الاطمئنان العقلي في المفاهيم اللامرئية. فعندما يكشف لنا العلم بأن هناك عشرات من الحقائق لا تخضع إلى أي تفسير مادي صرف، فالمطلوب هو الاستدلال المنطقي لتلك الحقائق، ونختزل منها:
1-إن سلوك أي جزء في المادة، هو سلوك منتظم دقيق، ولا يمكن أن يكون في تخبط عشوائي قط.
2-جميع الكواكب والنجوم والأجرام الأخرى، موزعة توزيعًا في غاية الدقة، وغاية الانتظام الصارم الجميل، في سائر الكون.
3-محال أن يكون نشوء الخلية من المادة ذاتها، لأن الجزىء البروتيني الواحد يحتوي على (40.000 ) ذرة، وعدد العناصر الكيماوية في الطبيعة هي (92 ) فقط، إذن يتطلب ذلك زمنًا خياليًا، بغية نشوء جزىء بروتيني واحد يكون أكبر من عمر الكون، بملايين المرات.
لذا يتوجب علينا أن نتخذ الاستدلال المنطقي، في التحليل العقلي، لأية محصلة يصل إليها العلم، ومن تلك المحصلات ندرك بأن هناك"خالقًا عظيمًا"قدر كل شيء فأحسن تقديره، وعلينا أن لا نضع رؤوسنا في الرمال، ونتوحل في المادة، تحت رداء علمي، حصيلته النهائية ليست فيه.
إنه يتوجب علينا أيضًا أن نسلم بوجود خالق حكيم، دبر كل شيء، وقبل تسليمنا بحقائق العلم، والاستدلال المنطقي، نكون قد وفقنا بالحفاظ على العلم والفلسفة، وبالتالي لا يوجد هناك تناقض ما في نفي حقيقة ما، بل إن كل الحقائق تشهد على حقيقة الحقائق، ألا وهو الله الخالق.
إن التطور العلمي تجاه الكون، قد برهن بصورة قاطعة وجلية على وجود الله الواحد الخالق (1) .
لقد افتتح الروس معهدًا في موسكو، كان يستهدف تصنيع خلية حية، وبعد جهود متواصلة جاوزت نصف قرن، لم يستطع العاملون بالمعهد، سوى شطر خلية إلى نصفين.
كان الإلحاد عملًا فرديًا، لكن الشيوعيين جعلوه هدفًا، وسخروا كافة إمكانات الدولة لذلك، هذا أمر جديد على العالم.. لقد كان الإلحاد موقفًا شخصيًا، فصار موقفًا رسميًا ، تسخر له ميزانية دولة ، بكافة قدراتها.. وبعد ما يقارب ثلاثة أرباع القرن، انتهى كل ذلك، وتبخر خلال سنوات قليلة (2) .
وبينما راحت الأديان السماوية تصف الله تعالى بأنه"أزلي ليست له بداية ، لم يولد من أحد، ولم يستحل أو يتطور من موجود آخر، إنه أبدي ليست له نهاية، لا يموت ولا يفنى مطلقًا، ولا ينقص شيء من إرادته وقدرته، وهو منزه عن المادة، أي إنه فوق مستوى حواسنا القاصرة الفانية، لا تدركه الأبصار، ولا تصل إليه الأيدي، ولا تستطيع حاسة أن تدركه أو تبلغه، ثم إنه منزه عن الزمان والمكان، وهو قادر مطلق، وكل شيء يدخل تحت هذه القدرة والإرادة المطلقة، دون حاجز أو مانع.. وهو يتصف بكل صفات الخير والكمال والجمال، والعلم والعدالة والرحمة…إلخ."
وهذه الذات الإلهية خلقت السماوات والأرض والملائكة أولًا، ثم خلقت النباتات والحيوانات على سطح الأرض…" (3) ."
هذه الصورة لله تعالى ترسمها الأديان السماوية، فكيف يرسم كهان العلمية، صورة الكون بدون إله؟!
"والحقيقة أن المادية، التي تسمي نفسها بـ (المادية العلمية ) ، لا تعتقد بوجود الله القادر المطلق، وإنما تقيم مكان هذه العقيدة قوانين الصدفة والسببية" (4) .
إن الأديان السماوية - خاصة الإسلام- تعتبر القوانين الطبيعية قوانين إلهية، وضعها الله وفق خطة معينة ، ولغاية محددة، بينما يقول الماديون: إن هذه القوانين لم يضعها أحد، وإنما جاءت نتيجة صدفة، وتأسست من نفسها، دون تدخل من أحد، وكل ما في الكون من موجودات، أساسها مادة أزلية، لا تفنى ولا يمكن أن تُستحدث، وليس لوجودها بداية ولا نهاية، وغير قابلة للفناء، ولكنها في استحالة دائمة، يتغير شكلها باستمرار.
وهذا يسري على الإنسان، وكذلك الحياة، فليس كلها من صنع خالق. وما هذه الحياة إلا وليدة"الصدفة"، قد تكونت بنفسها، دون تدخل من أحد، ثم ارتقت من طور إلى طور.
وهم ينكرون كافة العقائد السماوية، ويصفونها بأنها من العصور الغابرة، وكل من يدعو لدين، فهو يريد رد المجتمع إلى العصور القديمة.
العلم والدين:
يقول بعض هؤلاء: إن الأديان كانت مفيدة في عهود الجهل، وبما أنها لا تستند إلى أي أساس علمي، فإن الأمم بعد أن تستضيء بضياء العلم، سوف تزول منها الأديان في وقت قريب…
والذي يصعب فهمه وقبوله، أن من يقول بأن هذا الكون بما يحويه، هو من صنع عالم مريد، خلقه وفق تصور سابق، يقال له: هذا كلام غير علمي وغير مقبول.
والذي يقول: بأن العالم والحياة وجد بالصدفة، تكون مقولته علمية وفلسفته كذلك!
إن العلم الذي يلوكونه ليل نهار، عاجز عن إثبات أو نفي كثير من قضايا الدين، بسبب اختلاف المنهج والهدف، يقول باشكيل (5) :"إن العالم غير المحسوس والعالم اللامادي يبقى خارج إطار العلم، فهو لا يستطيع أن يصدر أي حكم سواء أكان نفيًا أو إيجابًا، إنكارًا أو تصديقًا ، في المسائل التي لا تدخل المختبر، ولا تجري عليها الأقيسة.. إن العلم يستطيع أن يقول شيئًا واحدًا فقط: لا أدري."
إن المواضيع الدينية، كعقيدة الله واليوم الآخر، والمسائل التي تتعلق بهذه العقائد، هي حقائق تعود إلى العالم اللامادي، وإن إصدار أي حكم باسم العلم، وإنكار هذه الحقائق، إنما هو افتراء على العلم، واستغلال أثيم له، لأن هذه العقائد خارجة عن تناول البحث العلمي.. وتجارب الحياة وحدها، هي التي تستطيع أن تبين لنا قيمة هذه العقائد.. فالإنسان كلما سار وتقدم في درب هذه الحياة، اتضح له أن فراغ القلب من الإيمان لا يعوضه ولا يملؤه المنصب ولا الجاه ولا الثروة ولا أي عرض من أعراض هذه الدنيا.
إن المواضيع الخارجة عن نطاق العلم، لا تقتصر على العقائد الدينية وحدها، فكنه المادة والقوة، ومنشأ الشعور والإحساس وحركته، وماهية العقل والإرادة، ومدى حرية هذه الإرادة، كلها من الأمور غير المادية. وكذلك الخير والشر، العدالة والظلم، الفضيلة والرذيلة، وأشباهها من قواعد الأخلاق، كلها تبقى خارج حدود ونطاق العلم، بل إننا نستطيع القول: بأن المواضيع الخارجة عن ساحة العلم، بالنسبة إلى المواضيع الداخلة في ساحته، بمثابة البحر الواسع إلى قطرة ماء، وإن نسبة ما يعلمه الإنسان إلى ما يجهله، كذرة في فلاة مترامية"."
إذن لكل من الدين والعلم مجالات تخصه، ولكل منهجه، فالعلم يصف، والدين يبين الغاية، والعلم يجيب عن كيف؟ والدين يجيب عن لماذا؟
العلم والمرجعية:
يطرح د. برهان غليون سؤالًا هامًا عن مصدر معلوماتنا ومرجعيتها، فيقول (6) : ما هو مصدر معلوماتنا الصحيحة، أي ما معيار التمييز بين الحق والباطل؟ ومن ثم ما الذي يكفل صحة معارفنا وأحكامنا العقلية وصلاحيتها؟ ونستطيع أن نطرح الموضوع بطريقة أبسط فنقول: كيف يكون الواقع مطابقًا لذاته؟ أي متسقًا ومن ثم معقولًا ومقبولًا؟
ليس هناك مجتمع يمكن أن ينشأ أو يعيش دون أن يحدد لنفسه أسس المعرفة"اليقينية"، وشروط نمو هذه المعرفة، التي هي أساس نشوء العلم وتطوره، وسبب ومبرر وجوده. ومن هذه الأسئلة يصدر السؤال الأعم، الذي يتعلق بنا مباشرة، وهو: لماذا لم يتطور العلم الحديث في المجتمعات العربية المعاصرة؟ وكيف يمكن تجاوز العقبات التي تقف أمام هذا التطور؟
تفترض أيديلوجية"الحداثة"مسبقًا أن الواقع المطابق لذاته هو الواقع الحديث المساير للحداثة، وأن كل مظاهر الحياة التقليدية وأنماطها، ليست إلا واقعًا"مفوّتًا"لا انسجام فيه، أي ليس له أي قوام حقيقي ولا مبرر.