فهرس الكتاب

الصفحة 1450 من 1942

وقد أدى ذلك في أول الأمر إلى ذوبان كثير من أبناء هذه الجاليات على اختلاف أنواعها في المجتمعات التي نزلت فيها. بل لقد أدى في كثير من الأحيان, إلى إصابة بعض الوافدين إلى الغرب بالدهشة والانبهار الذي أعشى أبصارهم, وجعلهم يشعرون بنقص الذات, بسبب الفرق الشاسع بين مجتمعهم وبين تلك المجتمعات, من الناحية التقنية والعلمية أو من الناحية الثقافية والاجتماعية. أجل لقد أدهشهم ما رأوه من مظاهر التحرر الاجتماعي...!!

بينما وقف آخرون من أبناء هذه الجالية أمام وضع اجتماعي غريب عنهم وعن طبيعتهم وتربيتهم, ووجدوا أنفسهم غرقى في هذا المجتمع المادي, مما أثار فيهم الحنين إلى مجتمعهم الذي كانوا فيه, وتجلى ذلك من خلال شعر رقيق يحمل تلك المشاعر ويترجمها.

فهذا زكي قنصل يقول:

هاجنا الشوق للشام فكبر

نحن من روضها الحساسين ذرتها

هي نجوى الفؤاد إن سهد الجفن

ثم كبر إذا ذكرت الشاما

رياح النوى فهامت يتامى

ورؤيا الخيال إن هو ناما

وأيًّا ما كان فقد نشأت جالية إسلامية كبيرة في الغرب, حمل كثير من أبنائها جنسية البلد الذي يقيم فيه, وغدا كل فرد منهم واحدًا من أبناء تلك البلاد؛ سواء أكان عربيًا مسلمًا, أم عربيًا غير مسلم, من سورية أو من لبنان أو من مصر أو من الجزائر... أم كان مسلمًا غير عربي من الباكستان أو من إندونيسيا أو من إيران.. ومع بداية الصحوة الإسلامية بدأ كثير من هؤلاء يؤكدون انتماءهم لبلادهم, ويؤكدون التزامهم بدينهم, وتعاطفهم مع قضايا أمتهم التي انحدروا منها، وإن كانوا يحملون جنسية البلد الذي هم فيه. وبدأت المراكز الإسلامية تقوم بنشاط لتعليم أبناء هذه الجالية اللغة العربية وبعض التعاليم الدينية, واستطاع هؤلاء المسلمون في بعض الأقطار التي أقاموا فيها أن ينالوا الاعتراف بدينهم, بوصفه دينًا رسميًا، لأتباعه من الحقوق الدينية ما لغيرهم.

لقد غدت الجالية المسلمة في الغرب تمثل نسبة لا يستهان بها في المجتمع الغربي. وبصورة خاصة في صفوف ذوي الكفاءات العلمية العالية. أضف إلى ذلك أن الكثير من أبناء المجتمع الغربي يدخلون الإسلام، وهم في كل يوم في تزايد ولله الحمد. وهذا الأمر يحمّل هذه الجالية مسؤوليات نحو المجتمع الذي يعيشون فيه, والبلاد التي ينعمون بخيراتها ويعيشون في ربوعها.

إن مبدأ الوفاء يقتضي أن يبادل المسلمون المقيمون في الغرب ما قدمه الغرب إليهم من علم وتقنيات وغيرها, مما يملكه الغرب من مقومات تخدم البشرية, بما يتوافر لديهم من مقومات الحضارة الإنسانية التي لا تتوافر لدى الغرب, والغرب بأشد الحاجة إليها.

إذا كان المسلمون اليوم يعانون من فقر في مجال التقنية والعلوم الحديثة, التي تقدم للبشرية الكثير من أسباب التطور والسلامة والراحة والسعادة, وتلبي حاجات ماسة في المجتمع الإنساني في مجال الصناعة والزراعة والطب والاتصالات ووسائل النقل وغير ذلك. وهم مدينون للغرب إذ يقدم لهم ما يقدمه في هذا المجال, بغض النظر عن حالات الاحتكار التي تمارسها بعض الجهات تجاه كثير من المسلمين الذين وفدوا إلى الغرب...

إذا كان المسلمون يعانون من فقر في هذا الجانب, فإن الغرب أيضًا يعاني أبناؤه من أمراض في أوضاعهم الاجتماعية وتصوراتهم الفكرية والاعتقادية, وفي مجال الصحة النفسية, ما أدى بهم إلى حالة من الضياع, والأمراض النفسية والجسدية, والتفكك الاجتماعي والانهيار الأخلاقي, تثير الشفقة والأسى, وتدعو إلى التعاون الجاد لمعالجة هذا الواقع. لقد آن للإنسان المسلم أن يؤدي واجبه في إنقاذ المجتمع الإنساني عامة والغربي خاصة من هذه المعاناة التي يقاسي منها. وأن يسعى للتخفيف من الأرقام المخيفة التي تتفاقم يومًا بعد يوم, وهي تروي قصة المعاناة الأليمة في حياة الإنسان المعاصر.

ولابد من الإشارة إلى بعض مظاهر هذه المعاناة.

ظاهرة الانتحار:

ورد في الإحصائيات عن ظاهرة الانتحار في أوروبا: أن حالات الانتحار بين الشبان في بريطانيا قد بلغت درجة الأزمة, فقد ارتفع عدد المنتحرين بين الشباب الذكور من 55 في المليون في عام 1970 إلى 100 في المليون. ويذكر التقرير أن من أسباب الانتحار وجود أزمة ثقة بين الشباب.. وأن أسباب أزمة الثقة اختلالات نفسية, ومشاكل عائلية أو زوجية, والبطالة والتورط في الجرائم, وكذلك انتشار المخدرات والكحول وتراكم الديون. وقد تطورت وسيلة انتحارهم من السم إلى الشنق.

ويقول تقرير آخر عن تفاقم ظاهرة الانتحار في دول شمال أوروبا مع أن الشباب هناك تقدم لهم الحكومات دعمًا ماديًا كبيرًا, ومع ذلك فإن مئات من التلاميذ في المدارس السويدية يفكرون بالانتحار, كما أن المخدرات بدأت تنتشر بصورة فظيعة في تلك الدول, وأن بعض المدن السويدية بلغت نسبة الأطفال الذين يتعاطون المخدرات فيها وهم دون الرابعة عشرة 17%, ويعلق على ذلك باحث نفسي فنلندي بأن السبب هو الفراغ الروحي, وأن معظم المنتحرين لا علاقة لهم بالدين, ولا يؤمنون بخالق الكون.

أما في أميركا فقد ورد في إحصائية منظمة الصحة العالمية لعام 2000 أن 16 إنسانًا يموتون بالانتحار من كل 100.000 إنسان, أي بمعدل إنسان واحد في كل أربعين ثانية, وأن الذين يموتون بسبب الانتحار في أميركا أكثر ممن يموتون بسبب القتل. وأن الانتحار هو ثالث ثلاثة أسباب للموت فيمن يموتون بين 15 ـ 24 من عمرهم. هذا على الرغم من أن الذين يموتون فعلًا بمحاولة الانتحار هم 1/20 فقط ممن يحاولون الانتحار.

مرض الإيدز:

ورد في إحصائية قامت بها منظمة الصحة العالمية, وبرنامج الاتحاد الوطني لمكافحة الإيدز

ـ بلغ عدد الذين يحملون الفيروس المسبب لمرض الإيدز حتى نهاية عام 2000: 36.1 مليون بالغ, و1.4 مليون طفل.

ـ وبلغ عدد الذين يحملون فيروس الإيدز خلال عام 2000: 5.3 مليون إنسان. وبلغ عدد الذين ماتوا بسبب الإيدز: 3 مليون إنسان ويزيد هذا العدد على 50% من الرقم المتوقع, ويفوق عالميًا أي رقم مضى؛ على الرغم من كل محاولات الوقاية المخففة.

ـ نصف حاملي فيروس الإيدز يصابون بالمرض قبل بلوغهم الخامسة والعشرين من عمرهم, ويموتون قبل بلوغ الخامسة والثلاثين.

ـ وفي السنة نفسها 'عام 2000' 600.000 طفل دون الرابعة عشرة كانوا يحملون فيروس الإيدز. وأكثر من 90% منهم ولدوا وهم يحملون هذا الفيروس من أمهات مصابات.

ـ بلغ عدد أيتام الإيدز حتى نهاية عام 1999: 13 مليون طفل. وهل غير الإسلام يمكن أن يصون الإنسان في حصن من العافية والفضيلة والطهر والحياة الأسرية المستقرة؟

العنف العائلي:

ـ قتل النساء في الولايات المتحدة:

تقتل كل يوم عشر نساء من قبل الزوج أو الصديق, '75%' من هذه الحالات يتم القتل فيها بعد أن تترك المرأة صديقها, فينتقم منها بالقتل. أو تطلب الطلاق من زوجها, أو تعصي زوجها.

ونصف حالات القتل في روسيا، تمت ضد النساء من قبل أزواجهن, أو أصدقائهن, وفي عام 93 قُتلت '14000' امرأة, وجُرحت '54000' امرأة جراحات شديدة.

ـ كتب 'Richard. F. Jonnees' الأستاذ بمعهد القبالة وأمراض النساء في مقال عن ظاهرة العنف العائلي وبصورة خاصة عن ضرب النساء, في المجلة العائدة لهذا المعهد, في عدد يناير 1993 تحت عنوان: 'Domestic Violence let our voices be heard'

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت