ومن أشد ما تعاني منه عقولنا عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء، وذلك استنادًا إلى أن الإنسان عليه بذل الجهد وليس عليه إدراك النتائج. والخلط بين قدرية النتائج وحدوثها بقدر الله ومشيئته وقتما يشاء وبين المراجعة والنظر في الخطة والتصور ومجال الأخطاء خطأ فادح لا يغتفر. فالله تبارك وتعالى أجاب المسلمين لما تعجبوا من هزيمتهم في غزوة أحد بقوله:"أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.."78، أي راجعوا سلسلة القرارات والأعمال التي قمتم بها وستدركون مواضع الخلل والقصور. هذا البحث المستمر عن التحسين والتجويد والتطوير تقوم به كل المجتمعات. أما في مجتمعاتنا -
فلسبب أو لآخر - يعتبر النظر إلى الماضي والنظر في أخطائه سبةً أو فتحًا لأبواب الفتنة والخلاف والنزاع والشقاق، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، وهكذا تكرر نفس الأخطاء وتسيل الدماء وتدفع المجتمعات والقوى الحية ثمن أخطائها مرة ومرتين وثلاث مرات، دون أن يتنبه أحد إلى بساطة الحل، وإلى أن الثمن المدفوع في هذا الخطأ هو مقابل الحصول على فرصة في
نحن أمام منظومة فكرية في ساحة النهضة في المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى تغيير شامل
المستقبل. قد يستغرب القارئ هذا القول، ولكن استمع إلى إجابة توماس أديسون عندما سأله أحد الصحفيين عن حقيقة الإشاعة القائلة بأنه أجرى ألف تجربة فاشلة، فكان رده:"لقد عرفت ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح". فهو لم يحاول إخفاء تجاربه الفاشلة؛ بل اعتبرها نجاحًا مهد له الطريق نحو المستقبل. ويقول روبرت شولر:"أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل"79، أما تيس روز فيقول:"إن أي اعتذار لا يصاحبه تغيير يعتبر إهانة"80، بينما يقول ونستون تشرشل:"لا يكفي أن نقوم بعمل ما نستطيع، بل علينا أن نقوم بعمل ما هو مطلوب"81. وفي المؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية توجد ملفات كاملة للأخطاء والتجارب الفاشلة التي مرت بها، بحيث يتم الاستفادة منها.
رابع عشر: تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها
ومما يؤدي إلى التخلف التسطيح الشديد للأمور أو المبالغة والتهويل فيها. فبعض المسلمين لديه حلول جاهزة وبسيطة لكل المشاكل. وقسم آخر يهول من الأمور ويضخمها بحيث يتعذر معها فعل شيء، ودائمًا ما يكون حديثه عاطفيًا ارتجاليًا، ويشير من حين لآخر إلى القائد المنقذ الذي سيحرر العالم. وكلا الصنفين يؤدي إلى قتل الإبداع والمبادرة بالأفكار الجديدة.
إننا أمام منظومة فكرية في ساحة النهضة في المجتمعات الإسلامية تحتاج في بعض أجزائها إلى تغيير شامل. وكثير من المؤسسات الخيرة العاملة في الساحة الإسلامية من الأحزاب والجماعات والمؤسسات الحكومية وغيرها تقوم - من حيث لا تدري أو من حيث تدري - بتكريس هذه الظواهر وتربية النشء والعاملين عليها. فهي من جانب تتحدث عن
النهضة، ومن جانب آخر تربي على كل ما يؤدي إلى وقف تيار النهضة. إن عملية البحث عن الفكرة النيرة وقدح العقول في المجتمعات الإسلامية وتغيير أنماط التفكير التي سبق ذكر بعضها هنا هي مقدمة ضرورية لانطلاقة النهضة الإسلامية.
التفكير النمطي
الميل للمجاراة
نقل العادة
مقاومة التغير
عدم التوازن بين التنافس والتعاون
الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان
الأفكار غير طموحة ولا تناسب الهمم العالية
عدم التركيز على القول بل على القائل
التحفز للرد على الفكرة وعدم الاستعداد للإنصات الجاد لها وتقييمها
الاعتقاد بمعرفة القادة لكل شيء والمبالغة في تقدير قدراتهم
عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدراك الأخطاء
تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها
المنظومة الفكرية التي نحتاج إلى تغييرها تغييرًا شاملًا
الخلط بين المبدأ والمنهج
حتمية استكمال التربية
عالم الأفكار المطلوب
بتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج
إن أمتنا لا زالت تتعامل مع الوقت على أنه شيء غير محوري في قضية النهضة
أشرنا من قبل إلى تعريف مالك بن نبي لعالم الأفكار. وعلمنا أنه يشمل كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس وقد استعرضنا مجموعة الأفكار القاتلة المنتشرة بين أبناء الصحوة الإسلامية خاصةً وبين جماهير الأمة والمجتمعات عامة.
وقبل أن نترك هذا المشهد لابد أن نستعرض مجموعة من القيم والأفكار الهامة التي تفتقدها مجتمعاتنا بصفة عامة. وسنشير هنا إلى ستة أفكار أو قيم هامة:
أولًا: قيمة الوقت
يقول مالك بن نبي:"وبتحديد فكرة الزمن، يتحدد معنى التأثير والإنتاج، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا. هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط، في تكوين المعاني والأشياء، فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان وما يزال يفوتنا قطارهما، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق، وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا، ووقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أن يضيع هباءً".82
ويقول:"وسيثبت هذا عمليًا فكرة الزمن في العقل الإسلامي، أي في أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استغل الوقت هكذا فلم يضع سدى، ولم يمر كسولًا في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي، وهذه هي الحضارة."83
إن أمتنا لا زالت تتعامل مع الوقت على أنه شيء غير محوري في قضية النهضة، وسادت أفكار قاتلة تقول بأن حركة النهضة يمكن أن تتم في مئات السنين، وذلك لتبرير السير البطيء جدًا في طريق النهضة، وتم استدعاء - في غير محله - لبعض القصص مثل قصة سيدنا نوح للتدليل على أن مئات السنين ليست مقياسًا في عمر الأمم.
التجربة النبوية والصين واليابان وألمانيا كلها مشاريع نهضوية أنجزت في وقت قياسي
ورغم أن سيدنا نوح قارب الألف عام في دعوته، إلا أن ذلك لا يعني أن يكون السقف الزمني لمشروع النهضة مفتوحًا لهذا الحد، فحتى سيدنا نوح شهد النصر (الطوفان) في عصره، وهذه كانت أعمار الأمم، أي أن جيله شهد بداية الدعوة كما شاهد انتصارها في نهاية المطاف، فلقد كانت أعمار الأجيال كلها طويلة.
وها هو المشروع النبوي ينجز في وقت قياسي وينجح النبي e في وضع لبنة قوية للمشروع في ثلاثة وعشرين عامًا، قس ذلك على الأمم الناهضة مثل الصين واليابان وألمانيا. ويعقب مالك بن نبي على تجربة ألمانيا - عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد أن حطمت الحرب كل جهازها الإنتاجي - بقوله:"يمكننا أن ندرك قيمة الوقت مباشرة في عودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لشعب لم يبق لديه من الوسائل إثر الحرب الثانية إلا العناصر الثلاثة: الإنسان والتراب والزمن"84
إن تيار النهضة بحاجة أن يدرك قيمة الوقت، وأن كل تأخر فإنه يعني مزيد من التخلف، خاصة إن كان المتربصون بالمشروع يتحركون ليل نهار.
ثانيًا: مفهوم الإيمان:
فالإيمان إذا ما ذكر في مجتمعاتنا قفزت إلى أذهاننا قضايا الوحدانية والنبوة واليوم الآخر. وآخرون - وهم كُثُر - يستحضرون قصص العباد والنساك والزهاد. ولا شك أن الإيمان يشمل كل هذا، ولكن ليس هذا كل الإيمان.
إن مفهوم الإيمان مفهوم إيجابي يدفع إلى الحركة والفعل. فأول ما يشير إليه مفهوم الإيمان هو:
1.التحرر من الخوف:
فأهل الجاهلية كانوا يخافون من القوى الغيبية ومن قوى الطبيعة المختلفة. فكانوا يتعبدون إلى بعضها تزلفًا ظنًا منهم بأنها تمنع عنهم ضرًا أو
إن خلاصة مفهوم الإيمان هي التحرر من الخوف القلبي والحيرة العقلية