أما الآن فإذا سأل سائل عن إنجازات الصحوة الإسلامية فلن تجد إلا من يحدثك بحديث الماضي، بالرغم من وجود الإنجازات التي لم يحسن عرضها. والنفوس بطبعها تواقة إلى من يشير إلى المستقبل ويمتلك رؤية واضحة له، ومعرضة عمن يكثر من الدفاع عن الماضي مهما كان عظيمًا.
أصناف الناس
الهاربين من العمل
العاملون المجتهدون
الغارقين في إصلاح النفس
على العقل المسلم أن ينظر إلى الحق من حيث هو حق وليس لقائله
إذا تكرست ظاهرة الاصطفائية في الاستماع وكرس الإنسان جهده للنظر للقائل بدلًا من النظر للفكرة والتصور فلن يكون هناك انتفاع بهذه الأفكار المتدفقة في العالم
عاشرًا: عدم التركيز على القول بل على القائل
من آفات التفكير التي يعاني منها العاملون في تيار الصحوة عدم التركيز على ما يُقال، وإنما التركيز من يقول. فالقائل أهم من الفكرة أو القول. وهذا يتمثل في ظاهرتين:
الأولى: عدم قبول الفرد للكلام إلا من شخصية تنتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته. وكل فكرة أو قول يصدر عنها فهو مقبول. بينما لو طرح أي قائل أو عالم أو عامل لا ينتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته فكرةً أو رأيًا؛ بل ربما كان أكثر حنكة وأقوم سبيلًا لرفضه دون بحث أو نظر. وصدق المولى حين قال:"وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"75. فالكثيرون لا يحللون ولا يدرسون ما يُقال وما يطرح عليهم من أفكار، بل هم أسرى لشخصيات بعينها. إذا قالت فقولها صواب، ومن خالفها فهو جاهل لا علم له ولا وعي.
والثانية: هي رفض الكلام أو الفكرة التي تُعرض. فبدلًا من أن يتم تهذيب أو نقد أو تطوير الفكرة ينصرف التركيز على صاحبها. ويصبح الحديث عن ذاته، وتترك الفكرة وتنسى. كما اتهم النبي r بالسحر والجنون"وقالوا معلم مجنون"76. فالكفار لم يناقشوا الفكرة، بل ركزوا على شخصية القائل. وقد تزداد الأمور سوءًا وذلك بالنيل من صاحب الفكرة، ونيته وولائه وتربيته، وتتم رسم صورة له في أذهان الناس بحيث يبدو وكأنه لص أو منحرف ما كان يرجو الإصلاح، فإذا ما ذكر اسمه تُذكر الصفات التي أُلصقت به ولا تُذكر فكرته، تمامًا كما حدث مع الطفيل بن عمرو الدوسي الذي نصحه المشركون بأن يسد أذنه حتى لا يسمع كلام محمد بن عبد الله r. فلما رآه الطفيل لم يذكر أفكار وقول الرسول r، بل تذكر تحذيرات المشركين فأسرع بسد أذنه، ولولا أنه كان عاقلًا لبيبًا حكيمًا لما أقبل على
الاعتقاد بمعرفة القادة لكل شيء والمبالغة في تصور قدراتهم يؤدي إلى تجفيف منابع التفكير في قطاعات وشرائح كبيرة
الاستماع لقول وفكرة الرسول r.
فعلى العقل المسلم أن يتجاوز هذه الآفة لينظر للحق من حيث هو حق وليس لقائله. فإذا تكرست ظاهرة الاصطفائية في الاستماع وكرس الإنسان جهده للنظر للقائل بدلًا من النظر للفكرة والتصور فلن يكون هناك انتفاع بهذه الأفكار المتدفقة في العالم، والتي يمكن أن تشكل أحيانًا قفزات كبيرة وواسعة إلى الأمام.
حادي عشر: التحفز للرد على الفكرة وعدم الاستعداد للإنصات الجاد لها وتقييمها
بعض الناس عندما يسمع أي فكرة أو تصور لا يرهق عقله في التعرف على دقائقها وعلى جوانب الفائدة فيها أو إمكانية تطويرها والبناء عليها، وإنما يصبح همه وشغله الشاغل أن ينقد هذه الفكرة بفكرة أخرى مضادة، فيبدأ بالبحث عن العيوب في الفكرة التي أمامه دون أن ينتبه للجانب الإيجابي فيها.
ما الذي يضير العاملين والقادة لو قلبوا الأفكار المعروضة عليهم ذات اليمين وذات الشمال؟ فما كان فيها من خير يتم التركيز عليه وتنميته، وما كان فيها من خطأ تتم مراجعته وتصويبه أو إسقاطه وإلغاؤه.
ثاني عشر: الاعتقاد بمعرفة القيادات لكل شيء و المبالغة في تقدير قدراتهم
ومن الأخطار التي تحدق بالفكر الإسلامي في هذه المرحلة الاعتقاد بأن القيادات والمفكرين يعرفون كل شيء، وما على الأفراد إلا الاتباع. هذا التواكل الذي يتربى عليه الأفراد يجفف منابع الأفكار، ليكتشف المرء بعد مرور السنين أن اعتقاده بمعرفة القادة وقدراتهم ليس في محله، فيكون قد عطل عقله وضيع أوقاته ولم يُفِد الإسلامَ من قدراته وملكاته.
إن تعليق النظر والعقل على شخص لا نعلم - على وجه اليقين - نصيبه من العلم وقدراته وملكاته أمر في غاية الخطورة. ويؤدي إلى تجفيف
لم يكن التفكير حكرًا على أبي بكر وعمر وصفوة الصحابة، بل كان منهجًا تربويًا نبويًا راقيًا
منابع التفكير في قطاعات وشرائح كبيرة، لو أعملت عقولها لربما أنتجت
خيرًا من قياداتها وممن ينظرون في أحوالها.
يجب تربية الأفراد على أنهم ليسو كمًا مهملًا، وأن قياداتهم لا يشترط أن تحيط علمًا بكل شيء، وأن هذه القيادات تحتاج إلى آراء وأفكار العاملين، وأن قرارات وأفكار وتصورات القادة تحتاج إلى مزيد من التفكير والنظر، وأن كل فكرة تطرح إما أن تبين جانبًا من القصور أو تبين طريقًا خطأً يمكن إسقاطه بعد مناقشته، أو طريقًا للبناء يمكن استثماره. ولا ينظر للشخص بمكانته.
وليس هذا في حالة عدم التأكد من خبرة وعلم القائد فقط، بل حتى إن وجدت الثقة والتقدير للقيادة فهذا لا يعني إلغاء دور التفكير والبحث عن سبل العمل المنتجة، فهذا المصطفى r يتقدم له الحباب بن المنذر ليوضح له أن الموقع الذي اختاره رسول الله r في بداية غزوة بدر معسكرًا للمسلمين لا يصلح، فينزل القائد r على رأي صاحبه، وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه يشير على رسول الله r القائد بفكرة الخندق فيمضيها القائد r ويأمر بالتخندق. كل هذه المعطيات تدل على أن هذه الكتلة البشرية كانت تفكر وتنظر، ولا تُسلٍّم - حتى مع وجود المصطفى r - بأن القيادة تملك حلول كل المشاكل، وأن بيدها مفاتيح كل شيء، وأن المستوى القيادي يعلم كل شيء، فتتعطل بذلك العقول، وتضيع الطاقات، التي هي ثروة هذه الأمة. وهذه هي غزوة الأحزاب لا تحسم لصالح المسلمين إلا بتدخل شخصية لم تسلم إلا في أجواء الغزوة، نعيم بن مسعود الذي جاء للرسول e - بعد أن أسلم - ويطلب من النبي e أن يساهم معهم فلا يطلب النبي منه سوى أن يخذل عن المسلمين، وبالفعل يأتي بفكرة إبداعية - ليست من إبداع الرسول القائد - وتحسم المعركة لصالح المسلمين. لم يكن التفكير حكرًا على أبي بكر وعمر وصفوة الصحابة، إنه منهج تربوي نبوي في منتهى الرقي لفن التعامل وإدارة الصراع.
عادةً ما تدفع الحركة ثمن أخطائها مرة ومرتين وثلاث مرات، دون أن يتنبه أحد إلى بساطة الحل، وإلى أن الثمن المدفوع في هذا الخطأ هو مقابل الحصول على فرصة في المستقبل
توماس أديسون:"لقد عرفت ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح"
وهذا سيدنا موسى يأخذ الأمر من الله عز وجل- الذي يعلم السر وأخفى - بالذهاب إلى فرعون، فيفكر ويقترح"رب إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذبون"77. لقد سجل الله لنا هذا الموقف حتى لا تقدس القيادات وإن كانت على أعلى مستوى، لأن التفكير عبادة وحق لكل مسلم، فكيف بسيدنا موسى يقترح في خطة العمل وهو يتعامل مع رب العالمين؟؟!!
ثالث عشر: عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء