فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 1942

إن المشكلة التي يواجهها العقل الإداري أحيانًا تكمن في تقديس مفتاح بعينه، واعتقاد أنه صالح لكل زمان ومكان ولكل باب.. بينما كل دارس للتجارب التاريخية يعلم أن هناك عددًا من المفاتيح لا حصر له تم إبداعه من قبل القادة لمواجهة الظروف المختلفة التي أحاطت بهم.. فتنسيق الأنشطة الإنسانية للوصول إلى الهدف هو إبداع متجدد. وإيجاد أفضل أداة فعالة مسألة تحتاج إلى الكثير من التفكير والتطوير والتغيير، حتى يمكن تحقيق الأهداف والوصول للنتائج. والجمود عند شكل واحد وأسلوب واحد وخطة واحدة مهما تغيرت الظروف وحتى لو تأكدت الحركة من عقم الوسيلة عن بلوغ الهدف هو انتحار أو تقصير لا عذر لأحد فيه.

خامسًا: نقل العادة

فعندما تترسخ لدى الأفراد أنماط وأبنية ذهنية معينة كانت فعالة في التعامل مع مواقف جديدة ومتنوعة، فإنه غالبًا ما يتم تجاهل استراتيجيات جديدة أكثر فاعلية.

ومن العبارات القاتلة التي تلخص هذه العقبة قول بعضهم:"لقد كنا دائمًا نفعل هذا بنجاح"أو"كنا دائمًا نحل المشكلة بهذه الطريقة".

سادسًا: مقاومة التغير

فهناك نزعة عامة لمقاومة الأفكار الجديدة والحفاظ على الوضع الراهن بوسائل عديدة، خوفًا من انعكاساتها على العاملين واستقرارهم - أفرادًا كانوا أو جماعات. ولذلك تستخدم بعض العبارات القاتلة للرد على الأفكار الجديدة. مثل قول بعضهم:"لن تنجح هذه الطريقة في حل المشكلة"أو"هذه الفكرة سوف تكلف كثيرًا جدًا"أو"لم يسبق أن فعلنا"

التوازن بين التنافس والتعاون شرط من شروط الإبداع والإنتاج

هذا من قبل"أو"لماذا نلجأ للجديد؟ ألن تكون معه مشاكل؟"70"

ونقصد بالطبع التسرع في سرد تلك العبارات قبل دراسة الفكرة دراسة جيدة أو محاولة البناء عليها. أما أن يقرر قادة العمل أن وسيلة ما لن تنجح أو أنها سوف تكلفهم كثيرًا بعد مدارسة الفكرة وتقليبها فهذا فعل محمود ولا شك.

سابعًا: عدم التوازن بين التنافس والتعاون

وهناك حاجة ماسة وملحة للمزج بين روح التنافس وروح التعاون بين الأفراد والجماعات والمؤسسات وغيرها، وذلك لتحقيق إنجازات قيمة. فكثير من التنظيمات يصل التنافس المفرط بينها إلى حد الاقتتال بالألسن والأيدي. كما يصل التعاون المفرط أحيانًا إلى وضع الكثير من القيود والاعتبارات عند التحرك. مما يكون سببًا في فقدان الاتصال بالمشكلة الحقيقية أو التقدم في حلها. ولذلك فإن التوازن بينهما شرط من شروط

الإبداع والإنتاج.

ثامنًا: الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان

وهذا النمط من التفكير يبتلى به من اعتمد الاتباع بغير علم، وافترض استحالة أن يخطئ من سبقه أو أن تكون رؤية السابقين قاصرة أو غير واضحة. لذلك ذم الله أيضًا هذا الأسلوب وذم من يتبع الأقدمين بغير علم، فقال تعالى:"ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا"71. وبعض العاملين في الصحوة اليوم يتبعون ظنونًا وأوهامًا دون أن يتثبتوا من مدى صحة ظنونهم وأوهامهم هذه، ودون مطالبة قادتهم

إنهم يقضون حياتهم بين الحرمين.. يشيدون المساجد ويطعمون الطعام وينحرون وينفقون من قبيل إرضاء الضمائر

بالتدليل والبرهان على صحة ما ذهبوا إليه من أفكار وتصورات؛ بل ويفترضون أن الخطأ غير وارد وأنهم لا يحتاجون إلى الدليل أو البرهان، ويكفيهم قول قادتهم دليلًا وبرهانًا. هذا النمط القاتل من التفكير القائم على الانسياق التام وراء فكرة ما على اعتبار أن شخصًا أو قائدًا فكر فيها - دون مطالبته بالدليل والبرهان - واجهه القرآن. فأرشدنا ربنا تبارك وتعالى

إلى كيفية قبول أي فكرة فيقول:"قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا"72، ويقول في موضع آخر:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"73.

تاسعًا: الأفكار غير طموحة ولا تناسب الهمم العالية

وهذه مشكلة كبيرة تواجه الفكر والمشروع الإسلامي النهضوي المعاصر. فكثير من المسلمين أقصى وغاية مناهم والغالب على تفكيرهم أن يرووا ظمأهم بعبادة معينة أو ممارسة معينة في جزئية من جزئيات الإسلام، ثم لا ينظرون إلى الصورة الكبرى واحتياجات الإسلام الملحة والضرورية. وجل ما يتحدثون عنه من قضايا - وإن كانت هامة - فغالبًا ما تكون في آخر سلم الأولويات المعاصرة.

إن من أراد للإسلام أن ينهض يجب أن يسير على خطين: إصلاح نفسه، والعمل لتغيير الواقع الذي يحيط به، والمشاركة في عظائم الأمور التي تدور حوله.

دور الأفراد في إحداث النهضة

إصلاح النفس

العمل لتغيير الواقع

زيادة الإيمان لا تكون إلا بالعمل الجاد للإسلام

ولكن ما يحدث في واقع الإسلام أن بعض المسلمين يهربون من الخط الثاني - خط التبعات والمسئوليات والكفاح والبذل - إلى الخط الأول ليرضوا ضمائرهم، فيقضون حياتهم بين الحرمين، ويشيدون المساجد، ويطعمون الطعام، وينحرون تقربًا وزلفى إلى الله. كل ذلك على أهميته وعظيم أجره إلا أن الله تبارك وتعالى حذر من الاكتفاء به وحصر الإسلام فيه، فقال تعالى:"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله"

واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله. لا يستوون عند الله. والله لا يهدي القوم الظالمين"74. ولقد قرظ الشاعر هؤلاء القوم - وصدق - فقال:"

أيفيد الشرع ذكرٌ في مساجد كالقصور

أيرد البغي وعظ دون جيش في الظهير؟؟!!

فالاهتمام بالخط الأول دون الثاني هو من قبيل إرضاء الضمائر وليس هذا ما خلقنا من أجله، وليس هو دين الله في تمامه وكماله.

وصنف آخر من المسلمين يغرق في الخط الأول بحجة تنمية الذات وتنمية الروح والقلب. ويوسوس له الشيطان أنه ليس كفءً لخدمة الإسلام والعمل له والبذل في سبيله ما دام يُذنب ويقع في الأخطاء والآثام. وهو بذلك يدخل في هذه الدائرة المغلقة، فلا يخرج منها ليفكر في أحوال الأمة وآلام المجتمعات. ولو تأمل قليلًا لوجد أن زيادة الإيمان لا تكون إلا بالعمل الجاد للإسلام، الذي يحيي في نفس الإنسان كل المعاني الإيمانية، ويدفعه دفعًا نحو العبادة والصالحات، ليتزود أكثر، وينطلق لأداء مهامه.

أما الصنف الثالث من المسلمين، والمنوط به النهوض بالأمة وتحقيق آمالها وأحلامها، هذا الصنف الذي يحاول جاهدًا أن يسير على الخطين ما استطاع فهو يعاني من الأسر والسجن بين قضبان إنجازات الماضي. هذا الصنف المخلص لا يجد من يحدثه عن إنجازات الحاضر؛ ناهيك عن الإنجازات المستقبلية المرتقبة. وقادته وموجهوه لا يحدثونه إلا عن إنجازات الماضي،

النفوس بطبعها تواقة إلى من يشير إلى المستقبل ويمتلك رؤية واضحة، وتعرض عمن يكثر الحديث عن الماضي

والحديث عن إنجازات الماضي فحسب يضعف الهمم العالية، ويولد بلادة في التفكير، والاعتماد - كل الاعتماد - على الآخرين في تحقيق الإنجازات.

ولقد كان رسول الله r حريصًا أن يظل طموح أصحابه وجنده وأتباعه في القمة دائمًا، فوعد سراقة بن مالك - في رحلة الهجرة - بسواري كسرى، وهو المطارد المطرود من بلده وقومه. فهو يبشر سراقة بالإنجاز المستقبلي المرتقب وهو انتشار الإسلام في ربوع العالم، وليس هذا فحسب؛ بل وسيتم هذا الإنجاز في حياة سراقة، ولاشك أن هذا طموح ما بعده طموح.

لقد كان بإمكان الرسول r أن يحدث سراقة عن إنجازات الماضي، عن بيعتي العقبة، وهجرتي الحبشة، ودخول الإسلام المدينة وانتشاره بين أهلها، وعن خروجه من بلده رغم كيد قومه بنجاح ومهارة، إلا أنه لم يحدثه عن كل ذلك؛ بل حدثه عن إنجاز مستقبلي مرتقب لتطمح نفسه وتعلو همته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت