فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 1942

ورغم أن هذه المقولة أو الفكرة قد أصابت كبد الحقيقة في بعض جوانبها إلا أنها ليست صحيحة بالكلية. (فالصحابي الجليل أبو محجن الثقفي كان مولعًا بالشراب، مشتهرًا به، وكان سعد بن أبي وقاص حبسه فيه. فلما كان يوم القادسية وبلغه ما يفعل المشركون بالمسلمين ألح على أم ولد لسعد - وكان سعد قد أوثقه إلى سارية عندها - أن تفك وثاقه ليقاتل مع المسلمين، وتعهد لها أن يرجع في وثاقه بعد المعركة. فحمل على المشركين حملة صادقة حتى قال سعد:"لولا أن أبا محجن في الوثاق لظننت أنه أبو محجن وأنها فرسي") 63. وهكذا نجد هذا الصحابي الذي صحب رسول الله r وجاهد في سبيل الله يرتكب كبيرة من الكبائر. فهو لم يستكمل التربية بعد، ورغم ذلك لم يمنعه قادة الإسلام من الخروج في الجيش للجهاد الذي هو من أشق العبادات على النفس بحجة نقص التربية أو الإيمان، بل لقد شهد له سعد بن أبي وقاص بالكفاءة، ولم يقل"أخشى من أن نؤتى من قبل أبي محجن"لأن لكل إنسان نقاط قوة ونقاط ضعف، وأبو محجن كانت نقطة قوته في كفاءته وحبه للجهاد، ونقطة ضعفه في حبه الخمر، غير أن الجهاد

إن تزكية النفس لا تكون إلا بالاستجابة لواجب الوقت الذي يريده الله منا

من شروط النجاح أن تتلازم حالتي العمل والتربية معًا

يمحو الخطايا فهو خير معين لصاحب الخطيئة على تركها.

إن تزكية النفس لا تكون إلا بالامتثال لواجب الوقت الذي يريده الله منا، ولم نسمع أن رسول الله e منع صحابيًا عن الجهاد لذنب أو كبيرة، بل كان الرسول e يمنع من لم يجاهد في غزوة تبوك من أن يلحق به في غزوة أخرى"فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين"64،

لقد ترتب على هذا التفكير انتشار مقولات مثل:"نفتقد العلم الشرعي"أو"نفتقد الإيمانيات". ورغم إقرارنا بأهمية هذه الجوانب وكونها شرطًا لتحقق موعود الله لنا بوراثة الأرض إلا أننا نرى أنها لا يجب

أن تقف عائقًا وحائلًا بين الشباب وبين الانطلاق الفعال في الساحة الإسلامية ومحاولة التغيير والنهوض.

إن شرط النجاح أن تتلازم حالتي العمل والتربية. أما أن تمضي السنوات تلو السنوات، ولا يسأل أحد نفسه عن إنتاجيته الحقيقية في مجتمعه ودوره في عملية استنهاض المجتمع بحجة أنه يربي نفسه ومن معه فهو مؤشر خطير يشير إلى تخلف الحالة الإسلامية. فكثير من التجمعات والهيئات الإسلامية تنكفئ على نفسها وتتجه إلى داخلها بحجة تربية الصف الداخلي وذلك عن طريق بعض الممارسات الضيقة، بينما تبتعد عن مجالات الحياة وعن الانتشار الحقيقي في المجتمعات والمناطق المؤثرة بحجة الحفاظ على تماسك الصف الداخلي والابتعاد بالعاملين عن مواضع الفتنة. فتجد الفرد العامل المخلص لا يكتب ولا يناظر ولا يحاضر ولا يحمل عبء أي مشروع حقيقي سوى حضور بعض المناشط الداخلية التي لا يعول عليها كثيرًا في استنهاض المجتمعات.

كم تكون الكارثة عندما تتخذ القرارات الهامة في ساحة المشروع بناءً على هذا التفكير النمطي؟؟!!

لا نقصد بالمجاراة التقليد في أمور الفقه والتمذهب، إنما نقصد التقليد في قضايا الحياة المختلفة

ثالثًا: التفكير النمطي65

فكثير من العاملين توقف واكتفى بمجموعة من المعارف دون البحث عن معارف جديدة، ومن ثم عدم الاستعداد للتفكير في قضية جديدة. وهذا الصنف من الناس عدو ما يجهل ولا تختلف طريقة تفكيره عن طريقة تفكير السابقين - مع الفارق الكبير طبعًا - عندما رفضوا التفكير في القضية الجديدة المعروضة عليهم، ألا وهي قضية البعث. فقديمًا قال المشركون:"وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد"66، بينما هو يقول: هذا طريق أو محاولة جديدة لا أعرفها، فلماذا أسلكها وأجربها أو حتى أستمع لها. فإذا وُجدت هذه النمطية من التفكير التي لا تريد أن تزيد على ما تعلمته في مرحلة من مراحل حياتها؛ بل وتتكلس عند

فكرة أو فكرتين، أو نموذج أو نموذجين ثم لا تريد أن تتعلم المزيد، ثم وبسبب التقادم في ساحات الفعل - المشروعية التاريخية - تتصدر للمهام وهي لا تحتوي في منظومتها الفكرية على ما يؤهلها للاستجابة لمتطلبات الوقت والعصر، ولا لمعرفة ما يدور حولها، فكم تكون الكارثة عندما تتخذ القرارات الهامة في مجالات الحياة بناءً على هذا النمط من التفكير؟!!

ولا نعني بذلك أن العمر السني هو الفيصل، بل مواكبة الحياة وجِدَّة التفكير وسعته وقدرته على استيعاب ما يدور هو الفيصل. فكم من صغير السن شاخ وهو صبي، وكم من كبير السن ظل متجددًا إلى لحظة وفاته.

رابعًا: الميل للمجاراة67 (عدم اعتبار بعد الزمان وبعد المكان)

لا يوجد مفتاح واحد لجميع الأبواب.. بل لابد من تغيير شكل المفتاح وحجمه وعدد أسنانه من باب لآخر

والمقصود به تقليد الآباء والأجداد دون التفكير في مدى صواب أو خطأ ما فعلوه. ومدى حتمية اتباع منهاجهم والنسج على أسلوب تفكيرهم. فلقد قال المشركون:"قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون"!68 فيرد الله تبارك وتعالى عليهم في موضع آخر بقوله:"أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون"69.

ولا نقصد بالمجاراة التقليد في أمور الفقه والتمذهب، إنما نقصد التقليد في قضايا الحياة المختلفة. فهذا الإنسان الذي لا يتساءل وحسبه أن يجد الأقدمون قد اعتمدوا حلًا واختاروه فيعتمده ويختاره بدوره دون أن ينظر فيه، هذا الإنسان بطريقة تفكيره هذه لا يمكن أن يقود نهضة ولا تغييرًا أو حتى مجموعة من المتحمسين المخلصين. هذا الاتباع والتقليد دون النظر وتقليب الأمور والأفكار يؤدي أيضًا إلى تكلس الحياة وتوقفها عند نقطة ما تمثل رؤية شخص يُبجَل أو يُعظَم لسبب أو لآخر، ثم بعد ذلك يتوقف التفكير تمامًا ويصبح الأمر اجترارًا لكل ما جرى وما قيل.

وقد لا تكون المجاراة في التصورات فحسب؛ فقد يكرر جيل تلو جيل أعمالًا بعينها، دون أن يفكر في جدواها في لحظته الراهنة، فتصبح في نظره حلًا لكل العصور أو مفتاحًا لكل الأبواب. ولكن لعلها كانت مجدية في فترة ما ولم تعد كذلك. فللمكان حكمه، وللزمان والظرف والعوائد أحكامها وتأثيراتها. وكل من أهملها فقد ضيق واسعًا.

ونعود لنؤكد في هذا السياق بان الأماكن تتعدد وتختلف. كما يتغير الزمن والظرف المحيط حتى في نفس المكان. ولا يقف القادة المبدعون عاجزين أمام هذه التحولات. فهم سرعان ما يحدثون التغييرات اللازمة للاستجابة للزمان والمكان. وهم حين يغيرون يدركون أن عدد المحاولات

عندما تترسخ لدى الأفراد أنماط وأبنية ذهنية معينة كانت فعالة في التعامل مع مواقف جديدة ومتنوعة، فإنه غالبًا ما يتم تجاهل استراتيجيات جديدة أكثر فاعلية

للوصول لإجابة سؤال المرحلة والشكل المطلوب لمواجهتها قد لايتم اكتشافه من محاولة أو محاولتين.. فهم مشغولون - إن صح التعبير - بصناعة المفتاح الملائم لفتح الباب الذي يقف أمامهم. فهم يغيرون باستمرار في شكل المفتاح وحجمه وعدد أسنانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت