يظنون"48. ويواجه القرآن هذه الحالة فيقول:"وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين"49. ويقول:"إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا"50."
إن هذا الخلل الفكري المتمثل في اختلال العقل والإعراض الشديد عن العلم والتعلم والاعتماد على الظن واجهه القرآن مواجهة عنيفة وقوية، لأن هذه الملكات المعطلة، وهذا التصور القاصر هو أمر في غاية الخطورة ولا يمكن أن تبنى الأمم والحضارات عليه. فالأمم التي تمتنع عن القراءة ولا تستخدم القلم، هي أمم حظها ضعيف من التقدم. والعكس صحيح، فلقد أشار جودت سعيد في كتابه"اقرأ وربك الأكرم"في معرض تفسيره للنص القرآني في سورة العلق (.. أن الذين ينالون كرم الرب وغناه هم القراء أو أكثر الناس قراءة في العالم.. فاليونان كانوا أكثر الناس قراءة وكتابة أيام حضارتهم.. وهم الذين نالوا كرم الرب وكرامته بين العالم، فقد سيطروا على أكبر رقعة في العالم.. والمسلمون.. انطلقوا من كلمة(اقرأ) .. إنهم في عصرهم كانوا أقرأ الناس.. لقد نالوا كرم الرب وكرامته من سعة في الدنيا ومكانة في العالم.. وإذا نظرنا حولنا في هذا العصر الذي نعيش فيه نجد أن الذين يتمتعون بخيرات العالم وينالون من الكرم والكرامة هم قراء هذا العصر..) وينطبق هذا الأمر كذلك على كل من عطل السمع والبصر واكتفى بمقولات السابقين وجهدهم. ورغم هذا التوجيه القرآني"اقرأ"فلا زالت تنتشر مثل هذه الظاهرة اليوم بين أبناء الصحوة الإسلامية؛ ناهيك عن بقية المجتمع. فحجم الإقبال على القراءة وعلى العلم والتعلم في هذه المجتمعات أو في هذه النهضات قليل، وحجم استخدام أدوات العلم قليل، وحجم تجاوز مقولات السابقين قليل، وهو أمر يهدد جهود هذه
إن عملية تقدم وتغيير المجتمعات الإسلامية مرهونة بالتحول الضخم الذي لابد وأن يطرأ على المسارات المتعلقة بالقراءة واستخدام القلم واستخدام العقل والابتعاد عن الظن وطلب البرهان وفتح أبواب غير مطروقة وعدم الاكتفاء بقول وعمل من مضى
الصحوة المباركة. إذ أن عملية التقدم وتغيير هذه المجتمعات مرهون بالتحول الضخم الذي لابد وأن يطرأ على هذه المسارات المتعلقة بالقراءة واستخدام القلم واستخدام العقل والابتعاد عن الظن وطلب البرهان وفتح أبواب غير مطروقة وعدم الاكتفاء بقول وعمل من مضى. وكل هذه المسارات سنجد أن الكثيرين ممن يقومون على شأن هذه الصحوة إما أنهم لا يحسنونها، أو لا يدركون خطورة القصور فيها؛ بل سنجد ظاهرة أخرى خطيرة، وهي ظاهرة اجترار إنتاج الماضي بدلًا من فرزه، والوقوف عنده بدلًا من فتح آفاق المستقبل، والاكتفاء باتباع الوسائل بدلًا من ابتداعها، والاهتمام بالأشكال بدلًا من الاهتمام بالجوهر. ولترجع إلى موضوعاتنا وإنتاجاتنا المتعلقة بالنهضة لتكتشف ظاهرة خطيرة، ألا وهي الامتناع عن قراءة التاريخ، وقراءة التجارب الإنسانية، والاقتصار على نموذج أو نموذجين مبتورين لاسم أو اسمين من تراثنا، في غياب نسق فكري يقوم على منهجية في البحث والنظر هذه المقتطفات المبتورة، مما يؤدي إلى أضرار كثيرة.
إننا أمام ظاهرة كبيرة ومنتشرة. نشأت بذورها وترعرعت في الجاهلية، وعلاجها اليوم متوفر في الإسلام. فلقد أعلى القرآن من شأن القراءة والعلم وأدوات التعلم. فقال تعالى:"اقرأ باسم ربك الذي خلق... اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم"51،"ن والقلم وما يسطرون"52،"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب"53،"شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط"54، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تحث على التعلم. كما أعلى المولى جل وعلا من
توجه آيات القرآن رسالة واحدة مفادها استخدم عقلك ودع التقليد واتباع الأقدمين، واطلب البرهان والدليل ولا تعتمد على الظنون
شأن العقل وذم إهماله، فقال تعالى:"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"55،"إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"56. ثم دلنا القران على أهمية طلب البرهان والدليل، فقال تعالى:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"57، وذم قضية الظن التي لا تقوم على البحث والنظر فقال:"إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون"58،"وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا إن الظن لا يغني من الحق شيئًا"59،"وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون"60. فالظن تصور لا يستند إلى دليل وهو ضد العلم، ونقصد بذلك الظن الذي لا يقوم على البحث العلمي.
وهكذا توجه كل هذه الآيات رسالة واحدة كبيرة مفادها أن استخدم عقلك ودع التقليد واتباع الأقدمين61، واطلب البرهان والدليل ولا تعتمد على الظنون.
إن القرآن في خطابه إنما يخاطب أصحاب العقول وذوي الألباب، لا أصحاب البطالة الفكرية.
مشاكل عالم أفكار الجاهلية
اختلال قيمي ومفاهيمي
الاعتماد على الظن
إعراض عن العلم والتعلم
عالمنا المعاصر
أربعة عشر نمطًا من أنماط التفكير تشل حركة الصحوة المعاصرة
وإذا استرسلنا في عالم أفكارنا المعاصر قليلًا سنتناول أربعة عشر نمطًا من أنماط التفكير أو من الأفكار القاتلة التي تشل حركة الصحوة اليوم:
1.الخلط بين المبدأ والمنهج.
2.سوء تعريف التربية.
3.التفكير النمطي.
4.الميل للمجاراة (عدم اعتبار بعد الزمان وبعد المكان) .
5.نقل العادة.
6.مقاومة التغير.
7.عدم التوازن بين التنافس والتعاون.
8.الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان.
9.الأفكار غير طموحة ولا تناسب الهمم العالية.
10.عدم التركيز على القول بل على القائل.
11.التحفز للرد على الفكرة وعدم الاستعداد للإنصات الجاد لها وتقييمها.
12.الاعتقاد بأن القيادات تعرف كل شيء و المبالغة في تقدير قدراتهم.
13.عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء.
14.تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها.
أولًا: الخلط بين المبدأ والمنهج
وهذا الخلط أو عدم الإدراك هو أول هذه المخاطر التي تشل صحوة اليوم.(ولقد كان من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أن تضمن وحيه إلى الناس نمطين من المفاهيم لا يستغني عنهما العقل البشري:
مفاهيم تتعلق بالمبدأ: فصلت نظام القيم في الإسلام، وبينت مضامين الرسالة. وتجسيدات تلك الرسالة في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع.. فهي مفاهيم تتعلق بـ"ماذا"؟ لا بـ"كيف"؟
ومفاهيم تتعلق بالمنهج: بينت طرائق التطبيق ومناهج التغيير.. فهي تتعلق
تضمن الوحي نمطين من المفاهيم: الأولى تتعلق بالمبدأ والثانية تتعلق بالمنهج
أبو محجن الثقفي لم يمنعه شرب الخمر من نصرة الإسلام
بـ"كيف"؟ لا بـ"ماذا"؟) 62
فكثير من العاملين في ساحة الفعل النهضوي إذا حدثتهم عن تجديد الوسائل والطرائق والمناهج ردوا عليك بثبات المبادئ وأهمية الإصرار عليها. وهكذا تُشل حركة الصحوة لاعتماد الكثير من أبنائها الوسائل والطرائق كمبادئ وثوابت.
ثانيًا: سوء تعريف التربية
فهناك فكرة تسيطر على كثير من قادة الصحوة الإسلامية مفادها أن عملية التغيير والتحول القائمة على التدافع والتصارع لا يمكن أن تتم قبل أن تستكمل جموع العاملين تزكية نفوسها وتربيتها روحيًا وإيمانيًا.