فهرس الكتاب

الصفحة 800 من 1942

ويقصد بعالم الأفكار مجموعة المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ36 والنماذج التي تحتويها عقول مجتمع ما في لحظة تاريخية ما. ويدخل في هذا العالم أيضًا كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس.

أما عالم الأشخاص فيقصد به مجموعة العلاقات والنظم والاتصالات والقوانين التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون هذا المجتمع فيما بينهم.

أما عالم الأشياء فهو كل ما ينتجه هذا المجتمع من مبانٍ وشوارع وزراعة وصناعة، وغير ذلك من المنتجات والخدمات المحسوسة والملموسة.

فإذا نظرنا إلى حاضر العالم الإسلامي سنجد اضطرابًا وضعفًا شديدين في تلك العوالم الثلاث. فعالم الأفكار أصبح قفرًا مجدبًا. بينما اختل عالم الأشخاص والعلاقات، ودليل ذلك ما نشهده في انتشار الاختلالات الاجتماعية وانعدام العدالة أو ضعفها والطغيان، وما إلى ذلك من صور الاختلال في العلاقات البشرية. أما عالم الأشياء التي ننتجها فهو ضعيف جدًا ولا يكاد يذكر مقارنةً بما تنتجه البشرية جمعاء.

من أين يبدأ الإصلاح؟

وهنا يأتي السؤال الهام، وهو من أين يجب أن يبدأ الإصلاح؟ وبأي هذه العوالم الثلاثة يجب علينا أن نبدأ؟ هل لابد أن نبدأ بإصلاح عالم الأفكار أولًا؟ أم أنه لابد من البدء بإصلاح عالم العلاقات بين الناس؟ ولماذا لا يكون البدء بإصلاح عالم الأشياء هو أول الطريق نحو النهضة؟!

وللإجابة على هذا التساؤل سنبسط كلام مالك بن نبي حول حله

عندما يكون عالم الأفكار ناميًا ومتطورًا يستطيع أن يخلق عالم الأشياء حوله، بينما عالم الأشياء المتطور إذا لم يقابله عالم أفكار متطور يمكن أن يُدَمر

للمشكلة من خلال هذا الحوار الذي تخيله، واستعرض فيه حيرة المفكرين بين هذه الثلاثة عوالم، بين قائل بأن الفكرة أولًا، وبين من قال أن عالم الأشياء أولًا.. ثم يستطرد في عرض الحل الذي توصل إليه بعد طول تفكير. وتعتمد فكرة هذا الحل على إيقاف بعض العوامل عن العمل وتحريك بعضها، ليمكن بذلك اكتشاف العامل المؤثر على بقية العوامل.

حاول أن تتخيل معنا قومًا من الأمازون أو من الأدغال الأفريقية، بعالمهم الفكري المتواضع وبدائيتهم وقد تم نقلهم إلى ألمانيا، بينما نقل الشعب الألماني إلى أفريقيا أو إلى الأمازون، ماذا كان سيحدث حينها؟ الأمر سيبدو واضحًا جليًا، وهو أن الألمان في هذه الحالة سيعمِّرون المناطق الأمازونية أو الأفريقية ويصلحونها، بينما ستُدَمَّرُ ألمانيا ببنائها وحضارتها وشوارعها على يد القبائل البدائية ..

أما الشاهد من هذه القصة فهو أن عالم الأفكار عندما يكون ناميًا ومتطورًا ويحتوي على أفكار، يستطيع أن يخلق عالم الأشياء حوله. والعكس ليس بصحيح. فعالم الأشياء المتطور إذا لم يقابله عالم أفكار متطور يمكن أن يدمر تحت مطارق التخلف الفكري. والأمر بَيِّنٌ وواضحٌ وجليّ. فعالم الأفكار يمثل المنطقة التي تتم فيها التحولات الكبرى أولًا. هذا عند التجريد، أما في الواقع الحي فالعوالم الثلاثة تتفاعل بشكل دائري لا يتوقف. وهذا الشرح السابق هو محاولة لإيجاد أول الخيط.

العوالم الثلاثة

عالم الأفكار

عالم الأشياء

عالم الأشخاص

إن عالم الأفكار يترتب عليه عالم العلاقات، ويترتب عليهما عالم الأشياء

مثال آخر:

تخيل أن شخصًا كانت كل معلوماته عن الزهور، فإن عالم علاقاته سيكون بتجار الزهور، وبعاشقي اقتنائها، وبالتالي سيكون عالم أشياؤه هو إنتاج وزراعة كل متعلقات الزهور.

إذا قرر هذا الشخص أن يغير من عالم أشيائه، وأن يكون له تأثير في مجتمعه، فقرر دراسة الإعلام، وتغير عالم أفكاره، ثم ترتب على ذلك تغير عالم العلاقات، فصارت كل علاقاته بالمخرجين، والمصورين، والمنتجين، وغيرهم من أهل هذا المجال، وبالتالي سيتطور عالم الأشياء من تجارة الزهور إلى صناعة السينما والمسرح وغيرها من وسائل التأثير.

إن عالم الأفكار إذا تغير فإن عالم العلاقات يتغير معه، ومن ثم عالم الأشياء.

المنطق يقول:

إنك إذا قررت أن تعمل في وظيفة ما فإن أول ما تطلبه أن تتعرف وتفهم طبيعة العمل ومن ثم تبدأ بعالم الأفكار، ثم تتعرف على من ستتعامل معهم (عالم العلاقات) ، ثم تبدأ في الإنتاج (عالم الأشياء) . وكلما تمكنت من فهم العمل الذي ستقوم به، وكانت شبكة العلاقات متينة، كلما كان عالم الأشياء رائعًا.

إن من يعتزم خوض أي مشروع فإنه يقوم بدراسته أولًا (عالم الأفكار) ، ثم يحدد علاقاته تبعًا لطبيعة المشروع - فعالم علاقات تاجر الأخشاب يختلف عن عالم علاقات تاجر اللحم - ومن ثم يختلف عالم أشيائهما.

إن عالم الأفكار يترتب عليه عالم العلاقات، ويترتب عليهما عالم الأشياء.

من أين بدأ الإسلام

نزل الوحي على أمة تعاني من اختلال العوالم الثلاثة

وقد نزل القرآن الكريم على أمة تعاني من اختلال جميع العوالم. اختلال في عالم الأفكار37، وفي عالم العلاقات38، وفي عالم الأشياء39.

فإذا نظرنا إلى الإسلام ثم إلى نوعية العقلية التي سادت في المنطقة العربية قبل الوحي لوجدنا هذا الاختلال واضحًا. فسنجد أن عالم أفكارها كان يعاني من ثلاثة اختلالات كبرى. أولها اختلال قيمي مفاهيمي. فلقد كانت مجموعة الأفكار التي طرحتها الحالة الجاهلية - من قبيل قولهم"بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"40، وقولهم"حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا"41 - دليل أساس على أكبر الآفات في وجه التقدم. فلقد تجمدت وتبلدت عقولهم، وتوقفت عن إنتاج الأفكار، واكتفت بما أنتجته عقول الآباء والأجداد والسابقين. ثم هي بعد ذلك لا تفعل شيئًا سوى أن تستكمل مسيرة الحياة، فتسير إلى الأمام

بمجمل ما هو موروث من أفكار وأقوال ومعتقدات. فمن أين يأتي التقدم

عانت الجاهلية في عالم أفكارها من ثلاثة اختلالات كبرى: أولها قيمي مفاهيمي وثانيها إعراض عن التعلم والعلم وثالثها هو الاعتماد على الظن

والتطور إذا كان الإنسان قد أوقف عقله وجمده ومنعه من التفكير؟ بل وربما أغلق الأقدمون عقولهم كذلك على فكرة أول شخص بدأ بوضع ما يراه. فأهل الجاهلية لا يريدون إرهاق عقولهم في البحث عن الحقيقة. فجاء الإسلام ليقابل هذه النمطية المتكلفة في التفكير وهذا الأداء المتخلف في الفعل، فكان رد القرآن عليهم"أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون"42 و"أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون"43، وغيرها من المواجهات القرآنية التي أُريدَ بها تصحيح العقل وتنظيم المنهج العلمي في البحث والتفكير بإنكار حالة الانحباس الماضوي.

وواكب هذا الاختلال القيمي المفاهيمي إعراض شديد عن التعلم والعلم. فيصف القرآن حالتهم بقوله:"جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا"44، فهو إعراض كامل عن تلقي أي معلومات، وعن الاستفادة من ملكات السمع والبصر والنظر والعقل. هذه المنظومة المختلة جاء الإسلام ليعالجها. فقدم لنا نموذجًا راقيًا لما يمكن أن نسميه بالثورة الفكرية التي أحدثها الإسلام. فكانت أول قضية يثيرها القران الكريم بشكل كبير قوله تعالى:"اقرأ.. الذي علم بالقلم.."45، وقوله:"والقلم وما يسطرون"46، وقوله:"أفلا يبصرون... أفلا يسمعون... أفلا يعقلون...".

ثم يأتي الخلل الثالث في العقلية الجاهلية، ألا وهو الاعتماد على الظن. فكان قولهم"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"47، فكان رد القرآن عليهم"وما لهم بذلك من علم إن هم إلا"

لا يمكن أن تبنى الأمم أو تقام الحضارات في ظل عالم أفكار متخلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت