فهرس الكتاب

الصفحة 808 من 1942

إن إطلاق القوى الكامنة داخل هذه الجموع الملتفة حول الإسلام يحتاج إلى قادة.. فكيف نعدهم؟؟!!

استعرضنا في المشهد السابق قضية التخلف. ومما لاشك فيه أن انتشال الأمة من هذا التخلف الذي يحجب خيوط الفجر - الذي بدت تباشيره - عن عيوننا يحتاج إلى قادة.

إن إطلاق الطاقة الكامنة داخل هذه الجموع الملتفة حول الإسلام يحتاج إلى قادة.. فكيف نعد هؤلاء القادة ونجهزهم لتحمل هذه المسئوليات؟؟

نعتقد أن ما يحتاجه القادة كثير، ولكننا سنركز في هذا المشهد على موضوع واحد، وهو أهمية وجود قاعدة تاريخية صلبة لدى قادة المستقبل.

العاملون ودراسة التاريخ

ليس التاريخ هو الماضي، ولكنه قاعدة الحاضر وانعكاس كليهما على المستقبل

من لم يكن له نصيب وافر من تجربة البشرية فهو يبدأ من الطفولة البشرية.. أي من الصفر

يعتقد الكثيرون أن دراسة التاريخ90 هي دراسة الماضي. ولكن التاريخ ليس هو الماضي. إنه قاعدة الحاضر. كما أنه انعكاس كليهما على المستقبل. فمن لم يكن له تاريخ أو نصيب وافر من تجربة البشرية فهو في عناء كبير، وفي جهل فاضح. لأنه يبدأ من الطفولة البشرية. أي أنه يبدأ من الصفر.

والنظر إلى التاريخ عمل عقلي يحتاج إلى جهد من القادة. إلا أن العطالة العقلية - التي أشرنا إليها من قبل - والسائدة في مجتمعاتنا جعلت كثيرًا من العاملين لا يروْن من الإسلام إلا جانبه الهين اللين. ولكن عندما يحتاج الأمر إلى بحث ونظر وتصور وعمل جاد في مواجهة الواقع، ينكفئ الكثيرون إلى ممارسات ضيقة، ويبتعدون عن هذا المجال الشاق. وكما أن الأمة بحاجة إلى الإيمان والإخلاص والعبادة والصلاة، فهي بحاجة لعقل راجح يوجه حركتها، ولعمل دءوب يجيب على أسئلة الواقع وعلى تناقضاته.

وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام وهو أن كثيرًا من العاملين في ساحة المشروع الإسلامي لنهضة الأمة لا يعدون العمل العقلي عملًا حقيقيًا. بل ويعتقدون أنه بإمكان أي مجموعة أن تتجاوزه وتنجح في تحقيق أهدافها. بينما على الطرف النقيض يظن آخرون أن العمل العقلي وحده كفيل بالنجاح، وإن لم يكن بلسان المقال فبلسان الحال. وكلا الطرفين ذميم.

طرق تفكير القادة

نعود مرةً أخرى لموضوع إعداد القادة عقليًا في مجال التاريخ، لننقل ما قاله جون بيريه في كتابه"الذكاء والقيم المعنوية في الحرب". فهو يقول:".. ويحدد القائد بفكره ثلاثة مواقف ويتبع ثلاث طرق في التفكير: الأولى طريق المنظِّر الذي يمعن الفكر في التجارب، ويستخرج منها قواعد عامة، ويشترك في إعداد التصورات..".

يتبع القائد ثلاث طرق للتفكير: طريقة المنظر.. وطريقة الطبيب.. وطريقة رجل الأعمال

إذا اكتفى العاملون بالتنظير وإعداد التصورات دون الدخول في المخاطر المحسوبة أصيبوا بالشلل التحليلي

وتثير هذه المقولة الكثير من التساؤلات حول قادة المشروع المعاصرين ورصيدهم من العلم بالتجارب التاريخية، وحول مدى قدرتهم على استخلاص القواعد العامة. كما أنها تثير سؤالًا آخر حول كم القادة الذين يحيلون قضية إعداد التصورات لمواجهة احتياجات الحاضر ومواجهة المستقبل إلى غيرهم من المفكرين، فإذا ما قدمت إليهم لم يفهموا مضمونها ولا اللغة التي كتبت بها. ثم يمارسون ما كانوا يمارسونه في الماضي. وهكذا يعيد التاريخ نفسه، وتدور الأحداث دورتها، وتعود الانكسارات في كل مرة يتحركون فيها، إذ أنهم يكررون تجاربهم السابقة دون وعي بمتطلبات الحاضر والمستقبل.

وهكذا فلابد من إعداد القائد ليلعب دور المنظِّر الذي يمعن الفكر في التجارب، ويستخرج منها قواعد عامة، ويشترك في إعداد التصورات. فهذه هي أول الوظائف الفكرية التي يجب تدريب وإعداد القائد عليها.

ثم يتبع جون بيريه بقوله:".. إن القائد له طريق الطبيب، الذي يحلل ويناقش، ويوازن المعطيات في حالة خاصة محددة..".

ففي كل يوم تُستجد ظروف، وتُطرح قضايا، وتُثار أسئلة، وتُواجه وقائع جديدة، ويحتاج القائد لمواجهتها أن يحلل حالة خاصة في وضع خاص وتحت ظروف خاصة، فلابد أن يمتلك هذه القدرة على المناقشة والتحليل والموازنة. وتدريب القادة على اتباع هذه الطريقة يحتاج إلى الكثير من العمل.

أما الأمر الثالث والهام عند جون بيريه فيتضح في قوله:".. وطريق رجل الأعمال الذي يستنتج ويقرر وينفذ..".

إذ أن طريق التنظير والقراءة وإعداد التصورات، وطريق التحليل والمناقشة وعمل الموازنات إذا توقف عند هذا الحد يصاب الإنسان بالشلل التحليلي91. فلابد من استكمال هذين العنصرين بعنصر ثالث وهو عنصر

كثير من العاملين يريدون نجاحًا باردًا ميسورًا دون الدخول في معادلة المخاطر المحسوبة

المبادرة وقبول تحمل المخاطر المحسوبة calculated risk )) .

إن كثيرًا من العاملين في مشروع النهضة اليوم لا يريدون تحمل مثل هذا النوع من المخاطر، ولكنهم يريدون نجاحًا وإنجازًا باردًا مبردًا لا عوج فيه ولا أمتًا، وهو ما يخالف أي قراءة تاريخية، ولننظر في تجارب الأنبياء والمرسلين قبل النظر في تجارب غيرهم من القادة والمصلحين، فهل أدت تجربة من هذه التجارب إلى عالم مثالي سواءً في مرحلة ما قبل التمكين أو في أثناء مرحلة الصراع والتدافع أو حتى بعد التمكين دون تحمل المخاطر والآلام؟ أم أن كل هذه الرسالات وتلك الحركات كانت لها مصاعبها التي واجهتها خلال هذه المراحل والأطوار المختلفة؟ فالعالم المثالي - الذي ينشده بعض العاملين بشروط كاملة لا ضرر فيها ولا مخاطرة - غير وارد في أحوال البشر والمجتمعات.

فلابد للقائد من طريق رجل الأعمال الذي يستنتج ويقرر وينفذ ويقتنص الفرص ويتحمل هذا الجزء من المخاطر المحسوبة.

إذًا يحتاج قادة المشروع إلى اتباع طريق المنظِّر، وطريق الطبيب الذي يحلل حالة خاصة لمريض بعينه ويناقش ويوازن، وطريق رجل الأعمال الذي يستنتج ويقرر وينفذ. فإذا ما توافرت هذه المواصفات الثلاث لدى قيادة المشروع النهضوي نكون قد حظينا بالقيادة المطلوبة والتي نسعى إليها.

طرق تفكير القادة

طريقة المُنظِّرْ

طريقة الطبيب

طريقة رجل الأعمال

أهمية دراسة النماذج التاريخية

تعطي التجارب التاريخية سعة كبيرة في العقل

إننا نبني جزءًا من التفكير الاستراتيجي لدى القائد عندما نزوده بخارطة تاريخية يتعامل بها مع الواقع، فالتفكير الاستراتيجي كما يقول كنيتش أوميه في كتابه"فن التفكير الاستراتيجي":"التفكير الاستراتيجي يبدأ أولًا بفهم واضح لكل عنصر من عناصر الوضع القائم، ثم ينطلق مستخدمًا أقصى القدرات العقلية لإعادة ترتيب العناصر بأفضل طريقة تحقق الميزة التنافسية".

وأقصى القدرات العقلية في تصورنا هي هذا البناء الذي تكمن في أحد أهم مدخلاته قضية التجارب التاريخية وتنوعها. إذ أنها تعطي سعةً كبيرةً في العقل بالإضافة لعناصر أخرى في التفكير القيادي التي يجب أن يدرسها أي إنسان يعتني بالشأن العام في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

عقل القائد

وقدراته

التجارب التاريخية

عقل راجح

تصورات وإجابات

حوادث متفرقة

سياسية

اقتصادية

اجتماعية

فكرية

روحية

علمية

أخلاقية

مدخلات

مخرجات

البحث والنظر

تلعب النماذج التاريخية دورًا كبيرًا في تشكيل العقلية الاستراتيجية للقائد

وهكذا فإن النماذج التاريخية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل هذه العقلية الاستراتيجية. ولكن ما الذي يدرسه القائد في التاريخ وكيف يدرس؟؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت