فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 1942

وإن أي أمة تفقد شخصيتها أمة ضائعة منهزمة لا محالة.

وإن الهدف الأسمى لكل داع أن يوقظ في نفوس أبناء الجيل الجديد تلك الروح الجبارة التي دفعت الآباء والأجداد إلى الأخذ بكل أسباب القوة والعزة..

إن الشعوب لا تموت، وإنما تكمن قدراتها وتستكين تحت الظروف التي تمر بها. فإن هي عادت إلى مثل الظروف الأولى التي انطلقت منها قدراتها الحقيقية هبَّت من رقادها وسلكت ولا شك سبيل الحق والعزة والقوة مرة أخرى.

إن الهدف الأول من بحوث الباحثين وآراء المصلحين في كل موقع إسلامي.. هو العمل من أجل تغيير واقع الفكر المضلل الذي أوجده الاستشراق في حنايا هوة الفراغ الفكري وداخل أدمغة شبابنا ومفكرينا ومن بيدهم مقاليد أمورنا. وساعدهم على ذلك هذا العدو المتدثر بدثار الإعلام الساحر بكلمته المؤثرة وصورته الداعرة ونبض شعوره السام.

ولا أعتقد أننا بمستطيعين تغيير هذا الواقع الذي نعيشه اليوم إلى واقع أنضر وأشرق.. إلا إذا غيرنا تغييرًا جذريا تلك المفاهيم المدمرة التي أرساها في نفوسنا ذلك النفر من الضالين والمضللين من أبناء الاستشراق أو الاستغراب أو الذين نقلوا مفاهيمهم وأفكاره بحسن نية أو سوء نية.

ولا سبيل أمامنا _نحن أبناء هذا الدين السماوي_ إزاء كل هذه القوى الجبارة العاتية التي تحاربنا من الخارج ومن الداخل إلا أن نعمل جاهدين على إحياء تلك القوة الكامنة في نفوسنا.. قوة الماضي بكل عناصرها.

فإن بين أيدينا المنهج الكامل، والدستور القائم أبد الدهر، وإن أي خروج عليه أو انحراف عنه، يفسد علينا حياتنا {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الأنعام: 153.

ولا يخطرن في البال، أن المنهج الرباني الذي رسمه الله لنا، قد ألزمنا أن نكون آلات صماء، أو دمى تحركها الخيوط بحيث تلغى العقول والأفهام، فإن أمرًا كهذا لا يكون من تدبير رب العالمين، الذي منح الإنسان عقلا ودعاه إلى النظر به في ملكوت السماوات والأرض، وجعل لهذا العقل مكانه وسلطانه في كيان الإنسان. يتعرف به الهدى من الضلال، ويميز به الطيب من الخبيث، والخير من الشر، والنور من الظلام.

ولقد رفع الإسلام من شأن العقل، ولفت ذوي العقول إلى عقولهم، ودعاهم إلى الانفتاح على موارد العلم والمعرفة.

وما حرم الإسلام (( الخمر ) )إلا لأنها عدو راصد للعقل يغتاله، ويفسده، فلا يتمكن من التمييز بين خير وشر.. وهذا ما يشير إليه ربُّنا {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .. إنه لا فلاح أبدًا لمن ضل عنه عقله، وغاب عنه وعيه.

العقل إذن هو عين الإنسان المفتوحة على هذا الوجود يتعرف بها إلى حقائق الكون، وسر الوجود، وعظمة الخالق، ويتهدَّي بها إلى الله، ويتعامل بها مع شرعة الوجود..

فهل بعد هذا يقال إن الإسلام الذي جعله الله تعالى جامعة رسالاته، والمصاحب للإنسانية على مدى الأزمان _ هل يعقل أن يخلي مكان العقل من هذا الدين؟ وكيف يكون حجة الله على الناس، إن لم تكن بين أيديهم الشواهد الشاهدة على أن هذا الدين هو دين الله، وأن هذا الكتاب هو كتاب الله، وأن الرسول الذي جاءهم به هو رسول الله؟ إنه لا سبيل إلى شيء من هذا إلا بالعقل السليم. القائم على النظر والاستدلال.

فمن زايله عقله، أو فارقه وعيه، فلا سبيل له إلى الإسلام والله يقول: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} وبأي وسيلة يكون تدبر آيات الله إن لم يكن العقل حاضرا أو قائما في كيان الإنسان؟!

يقول الإمام الغزالي: (اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل.. فالعقل كالأس والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس؟ وأيضا، فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغنى الشعاع، ما لم يكن بصر، ولهذا قال الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} .

وليس من سبب جعلنا نتخلف عن هذا الركب الحضاري، ونتقاعس عن دفع تلك العجلة غير عوامل خارجية ألمت بعالمنا العربي، فأخمدت فينا شعلة المدنية، وأول هذه العوامل والأسباب ظلم أصابنا وبطش ألم بنا، وعنف أذل رقابنا في عهود خلت، ثم دعايات عبقرية مغرضة، وأدب وصحافة انحرفا في كثير من الحيان عن سواء السبيل، وعجزا عن تكوين رأي عام موحد قوي يستطيع مواجهة القوى المعادية في قالب من الوحدة الفكرية الصامدة.

ومن هنا تقاعسنا واهزمنا خلقيا ونفسيا، وأظلمت في نفوسنا منابع الحب والعدل والحق والحرية، وطغى على وجه هذا المجتمع الباسل العظيم روح الانهزامية والضعف والاستكانة وإذن ينبغي لنا أولًا: أن نتخلص نهائيا من جميع الأوهام والأضاليل والأكاذيب التي أشاعتها أوربا عنا وعن حضارتنا كذبا وبهتانا، ورددها للأسف جماعة من مفكرينا، سواء المأجور منهم أو الشعوبي أو الذين شرقوا وغربوا؟! فبلبلت الأفكار، ومزقت الأقطار.

وإنني إذ أمسك القلم، وأسجل خواطري.. لأشعر من أعماقي بهوة الكارثة التي ألمت بعالمنا الإسلامي نتيجة الحملة المسعورة التي قامت بها الصليبية من قلب أوربا على العالم الإسلامي.

لقد اهتزت شخصية المسلم بسبب ذلك اهتزاز من الأعماق.. وإن أي أمة تهتز شخصيتها وتفقد الثقة في نفسها، أمة ضائعة منهزمة لا محالة.. إن أملنا في الجيل الجديد أمل بلا حدود.. وإن تفاؤلنا بما يمكن أن تحققه الأجيال العربية الإسلامية القادمة تفاؤل نبنيه على مقدمات تاريخية ثابتة الأصول.. سوف تنتصر الأجيال القادمة بعون الله إذا آمن أبناؤها بقدرتهم على التفوق والاستعلاء وعملوا على إحياء ما يمكن في نفوسهم من حب للخير والعدل والحكمة، وجهدوا لتحقيق ما تنطوي عليه عقولهم من قدرة على الإبداع والتجديد.

إن المسلمين قاموا في الماضي بدور من أمجد أدوار التاريخ الإنساني.. وإنهم لأهل لأن يقوموا بمثله مرة أخرى. والخلاصة أن العلماء العرب في عصور الإسلام الزاهية، قاموا بدورهم الطليعي خير قيام في بناء النهضة العلمية العالمية، فقد نقلوا التراث الإغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدم عليهم في التاريخ.. نقلوه إلى اللغة العربية التي كانت لغة العلم في العصور الوسيطة فعلى امتداد الدولة العربية الإسلامية من مشارف الصين شرقا إلى حدود فرنسا وجنوب إيطاليا غربا.. كان كل من أراد أن يكتب علما يقرؤه الناس لجأ إلى لغة القرآن الكريم، فكتب وألف بها، وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى أواخر القرن السابع عشر حيث ترجمت إلى اللغات اللاتينية وما إن عرفت الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، حتى طبعت هذه الكتب عدة مرات، وشهد كثيرون من مؤرخي العلم من أمثال سارتون، وهولمبارد، وسميث، وكاجوري. وغيرهم بأنه لو لا تراث العلماء العرب، لاضطر علماء النهضة الأوربية إلى أن يبدءوا من حيث بدأ هؤلاء. ولتأخر سير المدنية عدة قرون. وقال بعضهم إنه كان لابد من وجود ابن الهيثم والخازن والكندي وابن سيناء والفارابي والبيروني والخوارزمي، لكي يظهر جاليليو وكيلر ونيوتن وكوبر نيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت