فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 1942

حينما ترى العين أجنحة المروحة وهي تدور ، تزعم العين بادئ النظر انها: (صحن مدور) ولكن العقل يقوم بتخطئة هذه النتيجة، ويقول: ان الصحن لا يحرك الهواء. وهذا المثال البسيط يدل على ان الإحساس يقارن بالأحكام العقلية المسبقة. فمثلا لدينا حكم عقلي جازم هو: ان الحدث لابد وان يأتي بعد سبب مناسب، ولذلك فإن الأحداث الواحدة ذات أسباب متشابهة. ومن هنا فنحن لا نرتاب في قانون التجاذب، لانه حصيلة تجاربنا المحسوسة مضافة إلى أحكامنا العقلية. اننا نرى ان الطير عندما يموت يقع على الأرض، ونعرف ان رفع الحجر على الظهر أصعب من رفع القطن ويتطلب جهدا، ونلاحظ ان القمر يدور في الفلك، ونعلم ان الصعود إلى الجبل أشق من النزول منه. ونلاحظ حقائق كثيرة كل يوم لا علاقة لإحداها بالأخرى ظاهرا، ثم نتعرف على حقيقة استنباطية هي قانون الجاذبية، وهنا ترتبط جميع هذه الحقائق فنعرف للمرة الأولى انها كلها مرتبطة إحداها بالأخرى إرتباطا كاملا داخل النظام، وكذلك الحال لو طالعنا الحقائق المحسوسة مجردة فلن نجد بينها أي ترتيب فهي متفرقة وغير مرتبطة، ولكن حين نربط الوقائع المحسوسة بالحقائق الاستنباطية فسنستنتج صورة منظمة للحقائق (1) .

ونرى كيف قام العقل بربط نتائج الإحساس بعضها ببعض حتى حصل منها على قانون علمي سمي بقانون التجاذب. ان الإنسان توسل لإستنباط هذا القانون بعدة أحكام عقلية والتي كان أهمها الحكم بضرورة وجود السبب لكل حادث، وضرورة تناسبه مع المسبب، وأن الأحداث المتشابهة ذات سبب واحد وأخيرا ربط نتائج الأحاسيس المختلفة ببعضها لصياغة قانون عام منها. وهذه الأخيرة كانت السلسلة التي لولاها لما استطاع البشر من استنباط قانون موحد... ولنلاحظ تجربة أخرى هي تجربة ديزل الذي سميت بإسمه محركات ديزل الضخمة. فإن الشاب الألماني (دولف ديزل) دأب على كبس الهواء حتى وصل ضغطه في النهاية إلى (500) رطل للبوصة المربعة، ورفع هذا الضغط درجة حرارة الهواء إلى (1000) . وربط هذه العملية بقانون عقلي آخر هو أنه: إذا كان الوقود عادة يبدأ في الاحتراق عند درجة (450) فلابد ان يكون كل ما نحتاج إليه لكي نحصل على الاشتعال بدون شرارات الاشتعال، هو حقن الوقود إلى خزانة بها هواء مضغوط ضغطا مفرطا لكي يشتعل في الحال كما يشتعل الدهن في المقلاة!..

وهكذا فعل ولكنه حين اختبر محركه لأول مرة انفجر كله وطرح الشاب أرضا فاقد الشعور. بيد إنه تصور بإستخدامه الحكم العقلي انه لو استعمل اسطوانات أقوى وصمامات أضبط فإنه لن ينفجر إذ انه عرف بحكم عقلي ان الانفجار كان نتيجة سبب، وان السبب لابد ان يكون قوة الانفجار ورخاوة الاسطوانات. فلما اتقن اسطواناته لم ينفجر المحرك هذه المرة بل أعطى الصناعة دفعا جديدا إلى الأمام بمحركه.

وماذا لو فقد ديزل مساعدة عقله، هل كان بإمكانه متابعة تجاربه؟ ومن هنا نعرف ان العقل ضرورة لتمحيص التجربة بعرض الملاحظة على الأحكام العقلية الثابتة. وهذا أهم القواعد التي تساعد البشر على استنباط الحقائق من الإحساس.

2-الإحساس والتجارب السابقة

لدى أبسط التجارب يحتاج الإنسان إلى إدخال مجموعة كبيرة من تجاربه الشخصية الأخرى ومعلوماته الصحيحة عن تجارب الآخرين لكي يوازن بينها ويحصل على فكرة صائبة عن تجربته. فنحن حين نستعمل الترمومتر (درجة الحرارة) ، لا نعلم كم تجربة نستخدم من تجاربنا الماضية أو تجارب الآخرين، ولكننا نستطيع ان نقول بأنها تجارب لا تحصى عدا.

فمثلا اننا بدون تجارب المصريين في الهندسة ونظام العد الإسلامي واكتشافات أوروبا الرياضية لم نكن نستطيع ان نعرف أي شيء عن قياس الحرارة.. ولهذا فإن أية تجربة جديدة لا تنمو الا في مناخ صالح. ونعني بالمناخ الصالح وجود عدد كبير من التجارب البشرية في سائر الحقول تساندها وتخلق فكرة صائبة عنها.

فمثلا: جابر بن حيان الأنصاري ـ تلميذ الإمام الصادق عليه السلام ـ قام بصنع طائرة لم يذكر المؤرخون صفاتها بالضبط لأنها دفنت تحت ركام الجهالات التي كانت تسود عصره، ولذلك فإن العصر الذي تلى عصر جابر لم ينتج تجارب جديدة لأنها كانت تفقد مناخها المساعد.

أما حين بدأ أخوان رايت (Wright Brothers) تجاربهما بالطائرات الشراعية على كثيبات الرمل في (كتي هوك) لمجرد التمرن على كيفية التحكم في الأجنحة أثناء الطيران، وطورا تجاربهما ـ حينذاك ـ ساعدهما وجود المحرك ثم وجود المواد الخفيفة الصلبة البناء (التي حصلت البشرية منها على قدرة حصان واحد مقابل كل رطل واحد من وزن المحرك) ، ان هذه التجارب المتنوعة التي سبقت تجربة أخوان رايت، أعطت الطائرة مناخا مناسبا للظهور، فأصبحت ميزة العصر الحديث. وهذا يهدينا إلى ان العقل يعرض نتيجة الحس على التجارب الماضية ليمحصها.

ولولا وجود عقل موازن عند الإنسان لما استطاع أن يستغل تجارب غيره أبدا. ان العقل الموازن يحكم بأن ما فشل فيه إنسان واحد فإنه يستحيل ان ينجح فيه الآخرون، وبالعكس ما نجح فيه هو فسوف ينجح فيه كل إنسان. ولذلك فإن العالم الخبير يقوم بعد كل ملاحظة بطرد آلاف الإحتمالات التي تتراءى أمامه، لمعرفته المسبقة بأنه قد ثبت بطلانها في تجارب غيره… ونستطيع تلخيص المهمة الثانية التي يقوم بها العقل عند تمحيصه نتائج الحس بأنها:

(موازنة الحس بتراث البشرية العلمي) .

ان العقل هو الذي يهدي إلى ضرورة هذه الموازنة وهو الذي يدلنا على نوع التجارب التي ينبغي ان توازن بها التجربة الجديدة. وأخيرا هو الذي يعطينا حاسة الكشف عن أقرب التجارب إلى الحقيقة لدى اختلاف التجارب. ترى ماذا يفسر كل ذلك الحسيون؟ من هنا جاء في الحديث عن امير المؤمنين عليه السلام: (العقل حفظ التجارب(2) .

3-القفزة العلمية

أهم ما يحصل بالعقل هي ـ القفزة العلمية ـ والمثال التالي يوضحها:

يقوم الطفل بطرح فلز في الماء، فيستقر في القاع، ورأسا يتنبه إلى ان مطلق الفلز لا يستقر فوق الماء ـ أي ماء كان ـ. هذه هي القفزة العلمية حيث استنبط الطفل من تجربته حكما عاما.

ونحن لم نجرب طيلة حياتنا الا بعض التجارب البسيطة، بيد اننا نملك عدة قوانين عقلية لأن تلك التجارب قفزت بنا إلى مستوى معرفة قوانين عامة بحيث لا نرتاب في صحتها. وهذه العملية، التي لا تخضع لحساب، هي التي زودت البشرية بالكميات الضخمة التي تملكها من المعلومات عن الكون. ونحن نضحك حتى الأعماق حينما تروى لنا قصة جحا الشهيرة: حين كان جالسا فوق غصن شجرة وينشر اصله، فقال له عابر سبيل انك ستقع. فقال مستهزءًا: من أين عرفت؟ هل أنت عالم غيب؟ ولكنه سرعان ما سقط على الأرض، وتهشمت أعضاؤه. فتعقب الرجل وقال: حقا أنت نبي. نحن نضحك من هذا الكلام لأنه مغرق في السذاجة. ولكن ماذا لو قال طائفة من المنتمين إلى الفلسفة بهذا القول منكرين مصدرا للمعرفة لا يوزايه مصدر آخر أبدا. قالوا: انك لا تستطيع ان تعرف (كل رجل يموت) لأنك لم تعلم الا بموت فريق من الناس، ولعل الفريق الآخر لا يموتون!! وهكذا في سائر الحقائق.

ان الطفرة العلمية التي لم نستطع نحن البشر ان نعرف عنها شيئا كثيرا تشكل أقوى الأدلة على وجود عقل يكشف لنا عن أبعاد الحقائق، والا فما الذي يدعونا إلى القول بأن كل إنسان يموت، مع أننا لم نشاهد الا بعض الأموات.. يقول البروفيسور (ماندير) :

(1) - الإسلام يتحدى ص 65 عن (Cleaver Thin ding) لمؤلفه ماندير.

(2) - بحار الانوار ،ج74 ،ص208 ، في وصيته لإبنه الحسن عليهما السلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت