ونستطيع تحديد هذا المناخ بالقول: ان الجهل والغفلة البشرية قد تطبع على عقل الإنسان بحيث لا يوجه إحساسه إلى أقرب الأشياء إليه ليعرف من خلاله الحقيقة، ولا يرضى تجربة ما سواه.
ولذلك فإن الإسلام يوجب على المؤمن ان يظل منفتح الذهنية أبدا ولا يسارع بالنفي عند سماع كل شيء جديد، وانكر على أولئك الذين يرفضون الاعتراف بالفكرة لمجرد انهم لم يجربوها من قبل. قال الله تعالى: [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ] (يونس39) .
2-والذين يحملون أوزارا فكرية معينة، لا ينظرون الا من زاوية قناعاتهم الخاصة ولهذا فإن تجاربهم تبدو ناقصة وغير مفيدة لأنها تفسر بعض الحقيقة فقط.
فمثلا: الذي يحمل عقيدة معينة بشأن شخصية تاريخية أو حدث تاريخي، فإنه يحاول دراسة الكتب التي تؤيد وجهة نظره دون الكتب المخالفة لها.. ولذلك تصبح معلوماته ناقصة حتى حول عقيدته الخاصة، لأنه لا يدرسها الا في حدود معينة وبترسبات سابقة. ومن هنا نكتشف أن العقل ضروري لتوجيه الحس إلى الإحاطة بالشيء، والتثبت من التجربة دون الحكم على الموضوع بسرعة وقبل اكتمال تجربته وتعميمها على جميع الحالات التي قد يكون لتغيرها نوع من التأثير في صحة التجربة.
وقد سبق القول منا بأن رأس العقل هو التثبت، ذلك لان الإنسان جُبلَ على الثقة الساذجة بنفسه، بحيث يصعب عليه الاعتراف بجهله، ولئن اعترف فإنه سرعان ما يعود فيدعي العلم.
والعقل المضيء هو الذي يحكم على الذات بأنها جاهلة، ويكشف لها عن جهلها فتضطر إلى البحث عن المعرفة. وهنا فقط تتجرد عن ضلالتها السابقة وتبدء تجرب الحقائق بروح موضوعية.
وهذا هو الشرط الثاني الذي يوفره العقل للحس حتى يكون موضوعيا. وقد أوحت إلى هذا الأمر آية قرآنية كريمة حين قالت: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] (الأسراء 36) .. والملاحظ في هذه الآية ربط الإحساس بالمسؤولية التامة، لكي لا يتسارع الإنسان في الحكم دون تثبت كامل وإحاطة تامة بمحتملاته، ولقد عبرت الآية بكلمة"تقف"الدالة على ان البشر يجب ان يقسم الأمور أمامه إلى خطوات، فلا يخطو خطوة إلى الأمام الا إذا قاده العلم الذي لا ريب فيه إليها، ولا يكون متسرعا فيعترف كليا أو يرفض كليا!!
3-اننا بسرعة نكوّن مفهوما خاصا وواحدا عن التفاحة، مع ان العملية بحاجة إلى معارف عقلية مسبقة تجمع شتات الأحاسيس وتقول لنا: ان الرؤية التي نقلت إلينا حجم التفاحة ولونها، وان اللمس الذي عَرّفنا وزنها وملاستها، وان الذوق أو الشم الذي عرفنا الطعم والرائحة.. كل هذه الأحاسيس انما هي تعبير عن شيء واحد هي (التفاحة) .
ان هذه الوحدة النظرية لم نستطع الحصول عليها بدون وجود العقل الذي لم يكشف لنا عن وحدة السبب فحسب، بل وأيضا كشف عن ان كل عرض (اللون، الطعم، الرائحة و.. و..) لا يطرأ الا على شيء ما (هو الذات) . وان لذات الشيء علاقة بعرضه وبالتالي يكشف لنا عن حقيقة التفاحة.
ان التفاحة ليست ـ لدى علمنا ـ مجموعة صور من الأحاسيس المتفرقة كما شاءت بعض الفلسفات الحسية ان تتصورها، بل هي حقيقة واحدة متكاملة، ذات خصائص متصورة. ومعرفتنا بهذه الوحدة انما هي بسبب نوع من المقارنة الإيجابية تكشف عن وحدة الأحاسيس.
هذه بعض الشروط التمهيدية للتجربة الحسية يوفرها العقل.
المقارنة وسيلة العقل
والى جانب هذه الشروط لدينا معارف عقلية ـ تقوم بمقارنات ـ نكشف بها خطأ بعض أحاسيسنا، وهي كالتالية:
أ- المصاب بالدوار لا يشك في ان حسه هو مبعث الإحساس بحركة العالم، وذلك لدى مقارنة حسه بحس الآخرين. إذ ان لدى كل منا حكما عقليا لا نرتاب فيه، يتلخص في: ان الواقع يجب ان يحس به كل أحد. فما دام الآخرون لا يحسون به، نكتشف ان الذي يحس به وحده لابد ان يكون خاطئا. وهكذا كل إحساس خاطئ ينكشف زيفه فور مقارنته بإحساس الآخرين، أو بإحساس الرجل ذاته في سائر الأوقات..
ب- وقد تصاب العين بالمرض فترى الأشياء مقلوبة، ولكن اليد تكشف زيف هذا الإحساس، حين تلمس الأشياء لتجدها سالمة. وهكذا يحكم العقل بين الأحاسيس المختلفة بمقارنتها ببعضها.
ج- وقد تبصر العين رجلا قزما فلا يتردد العقل من الحكم بأنه طويل القامة، لأنه يقارن المسافة بينه وبين الرجل، فيقول: إذا كانت الرؤية من بعد ميل تظهر الشخص بهذا الطول ـ نصف متر ـ فلابد انه إذا اقترب يظهر ذو طول قد يتجاوز المترين. وهكذا يقدر العقل دور المسافة في العين والأذن وسائر الأعضاء، بل هكذا يقدر سائر القوانين الفيزيائية كوزن الشيء في الماء. فإن الإحساس البسيط يزعم انه خفيف مثل ما يتصور، الا ان العقل سرعان ما يحكم بخلاف ذلك.
د- مقارنة سائر العوارض الداخلية، فقد تشعر جميع أعضاء الجسم بالبرودة أو بالحرارة الشديدة، ولكن العقل لا يتردد في ان ذلك احساس باطل لانه يتقارن مع عوارض المرض، مما يدل على زيف الإحساس. وهكذا في كل مرض، كفقدان التوازن والذوق والشم و.. و..
وتتشابه الأخطاء الحسية الناجمة من العقاقير المخدرة كالأفيون والهرويين و.. و.. بالأخطاء المرضية التي لا يلبث العقل حتى يفضحها.
وهناك عدة أنواع أخرى من المقارنة لا نذكرها لأنها متشابهة ومعروفة ويقوم كل واحد منا بتجربتها يوميا وبصورة عفوية، الا انه ينبغي ان نبين هنا حقيقة المقارنة ونقول:
ان كل مقارنة تنطوي على مجموعة من الأحكام العقلية التي لم نعد نلتفت اليها لسرعة تحققها وشدة وضوحها. فمثلا: ان المقارنة بين ما نحس به وأحاسيس الآخرين، انها تنطوي على الحكم الواضح الذي لا نرتاب فيه، وهو ان ما أحس به ان كان هو الواقع وجب الا يختلف فيه حس الآخرين لانهما من طبيعة واحدة، وتكشفان عن حقيقة واحدة. فلابد ان يكون الاختلاف بسبب آخر هو المرض والخطأ وما أشبه. ودون العقل من أين نعرف ان الحقيقة واحدة، أو ان الحقيقة الواحدة لا تبث الا لونا واحدا من الإحساس عندي وعند الآخرين، أو ان للإختلاف سببا خارجيا. فلماذا لا يكون الشيء بلا سبب؟
وبهذا كله نتمكن من فضح المغالطة الكبيرة التي استند إليها النسبيون حين قالوا: ان الإحساس يتأثر بالظروف الفيزيولوجية فلهذا لا تعكس الا ذاتها. ونحن نعترف انها تتأثر حينا، ولكن لا يحملنا هذا التأثر إلى التشكيك في نتائجه كل مرة. إذ ان العقل سيحكم بما إذا كان الحس متأثرا بعوامل خارجية ام بعوامل داخلية فيزيولوجية.
تمحيص النتائج
ثم يقوم العقل بدوره الثاني في توجيه الإحساس وهو تمحيص النتائج. وتختلف النفوس في المواهب العقلية، من هذه الناحية. ولذلك فإن قليلا من الناس فقط يتمكنون من الإستنتاجات الصائبة من تجارب متشابهة. وهذا الدور معقد، ولذلك فلا يمكننا الا التنبيه بالقواعد العامة، التي تفيدنا في هذا المجال:
1-الإحساس في محك السابقيات العقلية