فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1942

4-بعد كل هذا، ينبغي ان نعود إلى أنفسنا لنتعرف على نوعية الإنطلاق من الحس الجزئي إلى أبعاد أخرى. فكلنا يعرف ان الحس لا يعدو عملية انعكاس المؤثرات الخارجية على الأعصاب، ونقل الأعصاب لها إلى المخ. وكلما تصورنا حدوثه في المخ، فإنه لا يعدو أن يكون من نوع الإحساس. فمثلا: الإحساس بلون الشجرة عن طريق انعكاس الضوء على شبكية العين، لا يحملنا أبدا على الإيمان بأن كل شجرة لها ذات اللون، ذلك لأن الإحساس مقدر بقدر الشعاع المنعكس على العين، وليس بقادر على شمول سائر الأشجار في العالم كله حتى يكون الإحساس المباشر هو الوسيلة لمعرفتنا بلونها الواحد في كل مكان. فإذا علمنا ذلك كان علينا ان نتساءل ما هو السبب لتعميم نتيجة الحس، والحكم بأن أي إحساس آخر سوف تكون له من النتائج والأسباب ما كان لهذا الإحساس، حتى يتم بناء قانون علمي شامل؟

وقبل ان نقول شيئا في هذا المجال لابد ان نفرق بين لونين من الامتداد في الإحساس؛ فقسم نسميه الامتداد الكاذب، والثاني ندعوه الامتداد الصحيح.

أ- الإمتداد الكاذب

الامتداد الكاذب، هو ان تقوم النفس بانتزاع صورة جديدة للحقائق التي أحست بها. فمثلا: يرى الإنسان رجلين (لنفترض محمدًا وعليًا) ، ويعرف بالحس ان بينهما أمورا متشابهة كالجسم الأبيض والعينين الكبيرتين، والهيكل الضخم، كما يبصر بينهما أمورا مميزة كاختلاف السن والطول ولون الشعر.

هنا تقوم النفس بعملية التجريد وهي حصر نظرها على الجوانب المتشابهة وحذف غيرها. ونتصور مثلا (كلي الجميل) الذي يشمل محمدا كما يشمل عليا.

ومثل آخر: يبصر الإنسان تفاحة لها ميزاتها وخصائصها الوجودية، فهي تفاحة واحدة صغيرة الحجم على الشجرة الفلانية. ولكن النفس تقوم بعملية التجريد وتنزع عن التفاحة خصائصها وتتصور (كلي التفاح) الذي يشمل كل تفاحة.

ان هذه العملية لا تعتمد على العقل، بل على النفس، وهي في الأساس لا تزيدنا الا تصورا كاذبا لا وجود له. فالجميل (كفكرة كلية) لا وجود له الا ضمن محمد وعلي، وليس لدينا (كلي الجميل) ليشمل كلا من محمد وعلي في الواقع الخارجي. كما ان التفاح الكلي لا وجود خارجي له.

إن القوة التي تخلق لنا هذا التصور تسمى بقوة التخيل، وهي لا تعدو ان تزيدنا بالتصور، ولذلك فهي لا تملك خاصية الكشف ولا تنتقل بنا عن مجال الذات إلى الواقع الخارجي. إذ ان وجود صورة متخيلة في مداركنا شيء ووجودها في الخارج شيء آخر. ومن هنا فنحن نتصور أمورا كثيرة ونؤمن أن لا وجود لها في الخارج أبدا. مثلا نتصور جبلا من عقيق، ونهرا من فضة، وحديقة من زبرجد، ونعلم أن لا واقع لها أبدا.

ولقد كانت فلسفة الحسيين ـ بمختلف مدارسها ـ تتهجم على صحة التعقل، لظنها انه لا يعدو ان يكون ركاما من التصورات الانتزاعية. والسبب انها ـ أي مدارس الحسيين ـ تكونت في جو مشبع بالنظريات الاغريقية وعلى رأسها نظرية أرسطو التي تعتمد على القول بأن أساس العلم التصورات الساذجة والمركبة، وان التعقل انما هو تركيب التصورات والإنتزاع منها. والذي يراجع بدقة نصوص الحسيين ينتبه إلى انها تنسف نظرية ارسطو التي سادت أوروبا قبل عهد الثورة.

ونحن نضم أصواتنا إلى أصواتهم، وننكر ان يكون مجرد الإنتزاع علما. والواضح ان الإنتزاع، عمل من أعمال النفس، لا يكشف الخارج أبدا. ولكنها بعيدة عن الامتداد الصحيح للمعلومات، الذي هو القسم الثاني، والذي لا يرتاب في صحته أحد حتى المنتمون إلى المدارس الحسية.

ب - الامتداد الصحيح

الامتداد الصحيح، هو الذي يكشف لنا السبب الواقعي لحادثة معينة. فمثلا: حين نجد موت حيوان بصورة فجائية، نقوم بالتجربة ونرى انفجارا في مخه، ونقوم بعد هذه الملاحظة بعملية تفجيرية اصطناعية في مخ حيوان آخر، فإذا وجدنا موته هو الآخر، فلا نرتاب في أن أي حيوان في مثل هذه الحالة إذا حدث في مخه انفجار مثل هذا، فإنه سيموت. ونجد ان هذا العلم لا يخضع للتصور الذهني بل هو انكشاف وشهود للنفس.

ان أديسون الذي قام بتجاربه المحسوسة في حقل الكهرباء وحفظ الضياء، عرف انه لا مناص له من العثور على خيط من الكربون، فكربن كل ما وقعت عليه يداه بغية الوصول إلى فتيل كربوني رفيع يصلح للإضاءة العملية. وبعد تجربة 1200 مادة من أنواع المواد وجدها أنها كلها ليست من الصلابة بالقدر الكافي للبقاء أكثر من 8 دقائق، وإذا به فيما يقرب من اليأس جاء بخيط فكه من أحد أزراره وعندئذ ألهم ان يكربن هذا الخيط القطني التافه فإذا به يبرهن على انه أطول عمرا من كل ما جرب، فقد ظل مشتعلا أربعين ساعة قبل ان ينطفئ. ان هذه كانت خطوات أديسون لكشفه العظيم (المصباح الكهربائي) . فإذا أردنا تتبع خطواته عرفنا ان الحس كان يلعب دورا ثانويا، وان كشفه الحقيقي انما كان لأن إحساسه دفع إلى معرفة السبب. فلو افترضنا ان أديسون لم يكن يملك العقل الكافي، فهل كان يعلم حين يجرب على خيط واحد ان كل ما يشابه هذا الخيط هو مثله ولو لم يكن قد رآه فعلا.

يقول الكسيس كاريل ـ وهو مكتشف قدير ـ: جميع عظماء الرجال وهبهم الله بصيرة، فهم يعرفون دون تحليل أو تفكير ما هي الأشياء الهامة التي يجب عليهم ان يعرفوها. ولهذا فإن الزعيم الحقيقي للرجال لا يكون بحاجة إلى الاختبارات النفسية أو بطاقات التوصية، حينما يريد ان يختار مساعديه. كما ان في استطاعة القاضي الفذ ان يصدر حكما عادلا دون الدخول في تفاصيل الحجج القانونية، بل حتى إذا بدأ بحثه بالمقدمات الخاطئة (كما قال كاردوزو) . أما العالم النابغة فيسلك بالغريزة الطريق المؤدي إلى الاكتشاف (1) .

وكل من يقوم بدراسة حالة العظماء يعرف ان المعرفة لم تحدث لديهم الا بشكل من الاكتشاف المفاجئ. ان هذا الامتداد يحدث بنور العقل الخالص دون أية دوافع نفسية أو مصلحية، وهذا هو الذي يميزه عن الإمتداد الكاذب. إذ ان ذلك الامتداد يحدث برغبة نفسية معينة، اما هذا الامتداد فإنه هو الذي يقود البشر إلى الاعتراف بصورة جازمة دون أية دوافع.

والسؤال هنا كيف يحدث هذا الإمتداد، وما هي السبل الكفيلة لسلامته والمحافظة عليه دون دواعي الشهوة البشرية؟

جوابا على هذا التساؤل لابد ان نعلم ان العقل يقوم بدورين أساسيين في تحويل الإحساس إلى علم..

يتلخص الدور الأول في توجيه الجوارح، توجيها صحيحا، والتثبت في إحساسها، والمقارنة بين الأحاسيس المختلفة. بينما يتلخص الدور الثاني في المقارنة بين الإحساس والأحكام العقلية (السابقية) . كذلك المقارنة بينه وبين التجارب الماضية. وبالتالي تأمين القفزة الصائبة من الإحساس إلى العلم. وفيما يلي نشير إلى نوعية قيام العقل بهذه الأعمال..

نقد العقل للإحساس

1-ان هناك شروطا تمهيدية للتجربة يبينها العقل. فمثلا لا يجرب الإنسان حقيقة تبدو له انها مفروغ من صحتها أو فسادها، انه لا يجرب مثلا: ثقل الحديد الذي يرسب به إلى قعر الماء. وبالفعل حين قال رجل لصاحبه تعال نجرب صنع سفينة من حديد استخف به ورمى بقطعة حديد في الماء وقال: أنظر يا غبي كيف رسبت؟ ولكن الواقع: ان السفينة قد تكون من حديد، وانها كانت من جهالة الرجل حين اعتقد انها مستحيلة.. ولو امعنا النظر عرفنا ان الرجل كان غائب العقل حين قال بذلك، إذ ان العقل الصحيح لا يحكم باستحالة مثل ذلك.

من هنا نعلم ان هناك شروطا لمرحلة ما قبل التجربة يجب توافرها سلفا، من أهمها وجود مناخ فكري مناسب لها عند المجرب ذاته، وهو لا ينشأ دون وجود عقل منفتح.

(1) - (الإنسان ذلك المجهول ص 146) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت