فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 1942

وفريق قالوا: ما دام الإنسان لا يدرك كل الواقع فما الذي يحملنا على الاعتراف بكل الواقع. بل نعكس ونقول ان ما لا يدرك فهو غير موجود. ولقد انطوت هذه الفلسفات التي سنقوم بشرحها إن شاء الله، انطوت على ضلالة بعيدة نشأت عن الغفلة عن نور العقل الذي يفضح النفس ويكشف تأثراتها. ولذلك فهي لا تستطيع ان تحجب عن الإنسان، الحقيقة بسبب تأثراتها.

ومن هنا نعرف ان النظريات النسبية الذاتية، والنسبية الفردية، والنسبية التطورية، كلها نشأت من انحرافات كبيرة في المنهج ابتدأت من التركيز على جانب الانفعال في النفس؛ جانب الضعف والسلبية والتأثر، غافلةً عن جانب الفعل فيها؛ جانب القوة والإيجابية والكشف. ولقد استبعد هؤلاء عن حسابهم منذ البدء قدرة العقل على كشف التأثرات الداخلية. وهذا هو الضلال البعيد الذي قاد (فرويد) أيضا إلى صياغة نظريته عن اللاشعور حيث استبعد قدرة الإنسان على كشف ما في (لا شعوره) وجعله دائما يخضع لتأثرات ظروفه دون ان يعترف للعقل بقدرة الكشف عن تلك القدرة التي تفضح للإنسان هذه التأثرات.

وهذا الاختلاف في المنهج بين الإسلام والنظريات الحديثة حول العلم، يتبين في المثل التالي (علما بأنه مجرد مثل) :

لنتصور ان رجلا ماركسيا نقابيا، اقتضت ظروفه المعاشية المتردية وانتماؤه الطبقي كعامل صغير؛ اقتضت انضمامه في الثورة ضد البرجوازية. هنا ـ وعلى رأي كل المناهج البشرية ـ ينظر إلى الحقائق من الزاوية الخاصة به، ويدرك ان البرجوازية بناء استغلالي ماكر. فإذا تطورت ظروفه وأصبح مليونيرا.. أو كان من قادة الحزب وأصبح بيوقراطيا محترفا، فلابد انه ـ حسب هذه المناهج ـ يتطور تفكيره، ويرى وجوب اتباع سياسة البرجوازيين بحق العمال والفلاحين. فماذا حدث بهذا الرجل؟ لا ريب انه تغيرت نفسيته، ولا ريب انه تطورت أهواؤه، ولكن هل المعرفة العقلية أيضا تطورت فيه؟ هل انه نسي معادلاته الرياضية؛ مثلا هل نسي ان 5×5=25؟ أم انه نسي نظرية فائض القيمة الماركسية بمجرد تطور حالته؟ أم انه لم يعد يتحسس بجمال التضحية، وروعة الحق، وحسن العدل..؟؟

صحيح انه لا يريد ان يعرف كل ذلك، ولكن هل هو فعلا لا يستطيع ان يعرفها، وهل انه افتقد ذلك النور الذي كان يعرف به تلك الحقائق؟ هناك فرق بين الاّ يريد والاّ يقدر، وكم من شيء لا يريده المرء وهو قادر عليه..

ان هذه المناهج اشتبهت مرة واحدة فوقعت في سلسلة لا تنتهي من التناقضات، تلك المرة كانت حين وضعت النفس مكان العقل، وحسبت ان تأثر النفس يعني تأثر العقل أيضا. وكما سبق فنحن لا ننكر دور الحالات المؤثرة على طبيعة الإنسان ولكن ننكر ان تكون هذه الطبيعة كل شيء عند الإنسان. انما نؤكد أن وراءها شيء آخر هو نور العقل.

ولقد ذكَّر الإسلام بدور (الاهواء) في تضليل الإنسان ولكنه لم يغفل عن دور الإرادة والعقل ـ والذي يجب الاعتماد عليه ـ في صياغة الإنسان. قال سبحانه: [وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ] . (الكهف 28) .

في هذه الآية يبين القرآن وجود علاقة بين الغفلة واتباع الهوى، الا انه لا يجعل الهوى مؤثرا في النفس الا بإرادة الإنسان حين يقول: (واتبع هواه) . فالاتباع عمل ولا يحدث بدون إرادة.

ويقول: [بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الروم 29) في هذه الآية، يفصل القرآن بين العلم واتباع الهوى، ويجعلهما مختلفين. ويأمر في آية ثالثة المؤمن بمخالفة الهوى ويجعل له في ذلك ثوابا عظيما، فيقول: [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] (النازعات40-41) .

ج- الفكرة بين العقل والإحساس

الإحساس هو المصدر الثالث والأخير من مصادر الفكرة، ودور الحس لا ينكر الا من قبل أولئك المثاليين الذين نسوا دور العقل في توجيه الحس، فأنكروا دور الحس أيضا. وسوف نلتقي بهم في فصول قادمة إن شاء الله.

والاسلام أولى جانب الحس أهمية مناسبة، حيث دعا إلى النظر والسير والتحرك والتثبت، في نصوص متظافرة.

الا انه أولى اهتماما اكبر لدور العقل الذي يوجه الحس ويمحص نتائجه، والذي لولاه يصاب الفكر بالشلل الكامل. ذلك لأنه لنفترض اننا أبعدنا العقل عن مجال الحس وأصبحنا مثل أولئك الحسيين الذين لم يعترفوا بدور العقل في توجيه الحس، فسوف نرى كيف نتخبط في الضلالات حتى لا نستطيع كشف أية حقيقة مهما ضؤلت بواسطة الحس. بل إن نكران العقل يدعونا إلى التشكيك في وجود أية حقيقة وراء الحس، وينتهي بالإنسان إلى المثالية أو التشكيك التام. أفليس من الممكن أن تكون رؤيتنا للأمور أشبه شيء برؤية الحالم في منامه، أوليس من الممكن أن يكون الإحساس نابعا من ذات الأعصاب وليس من الحقائق الخارجية؟ فإن لم يكن هناك نور لدى النفس يحكم بأن مصدر الإحساس حقيقة خارجية بصور جازمة، لو لم يكن هذا فأية حجة تقدر على اثبات الحقائق وراء الإحساس؟

والآن دعنا نسترسل مع هذا الافتراض لنرى نتائجه.

1-ان أول ما يصدمنا في هذا الطريق إيماننا الذاتي بعقولنا وكلنا يؤمن ذاتيا بطائفة من المعلومات المسبقة، ولا يمكنه أن ينفصل عنها مهما كلفه الأمر. نحن نؤمن مثلا: بأن الفضيلة حسنة ولم نحس بها، ونؤمن بأن التناقض (اجتماع العدم والوجود) محال ولم نره، ونؤمن بمبدأ العلية (كل حادث بحاجة إلى سبب) ولم نشاهده.. صحيح اننا شاهدنا بأبصارنا الحجارة تقع على الأرض، ولكن ما الذي دعانا إلى البحث عن راميها؟ صحيح أيضا اننا رأينا الحرارة تندلع من النار، ولكن لم نشاهد ان النار هي التي أوجدت الحرارة. إذن فما الذي يدعونا إلى اعتبار النار سببا للحرارة؟!

2-وصرح العلم الذي نفتخر به اليوم يقوم على أساس التجربة، والتجربة تقوم على قاعدتي الحس والعقل. ان الحيوان لا يمكنه ان يكتشف من تجاربه شيئا مع انه يحس، ربما أشد منا وأقوى. فالكلب ذو سمع شديد، والصقر ذو بصر نافذ، ولكنهما لا يملكان التجربة، لأنهما يحسان فقط دون ان يعقلا. بل حتى التجربة لا تشكل كل المعرفة البشرية. فإننا لا نملك في أي قانون من قوانيننا العلمية؛ لا نملك التجربة الشاملة لجميع جزئياتها. دعنا نفترض قانون التجاذب الذي بشر به (نيوتن) ، هل جرب كل تجاذب في الكون؟ كلا هذا مستحيل! ان ما فعله لم يعد إجراء التجربة على بضعة حوادث حتى حصلت له قناعة تامة بأن أي حادثة أخرى لا تعدو ان تكون مثل تلك التي جربها. وهذه القناعة من أين حصل بها؟ من اين استطاع قياس ما يأتي بما مضى؟ أفليس لحكم عقله بالمعادلة التالية:

ان التجربة الماضية دلت ـ بطريق الحس ـ على وجود تجاذب بين جسم وجسم مخصوصين، وان هذا التجاذب ليس صدفة وانما هو بسبب وجود علة في الأجسام. وحسب عدة ملاحظات على أنواع من الأجسام تبين انه لا فرق بين نوع الأجسام في وجود هذه العلة فيها، فدل على ان كل الأجسام ذات قوة تتجاذب بها.

ترى كم حكما عقليا اشترك في اعطائنا هذا القانون العلمي ؟. ومع اننا لا نرتاب في هذه الأحكام ، فإن أحدا منا لا يدعي انه قد جربها هي الأخرى، وانه لولا التجربة لم يكن يعترف بها.

3-بل ومن حقنا ان نتساءل عن قيمة التجربة ذاتها، كيف كانت لدينا قيمة للحس، وكيف آمنا بها، وكيف صدقنا بأنها لا تخطئ؟ ليس لدينا الا الوجدان والحكم العقلي الذي لا ريب فيه، والا فهل من المعقول ان نقول: ان التجربة ذاتها دلت على قيمة التجربة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت