فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 1942

ان العقل بمثابة مصباح منير تملكه النفس البشرية وتنصرف فيه لرؤية الحقائق وكشفها؛ متى ما تريد وكيف ما تريد؟ فإذا لم يرد الإنسان رؤية جمال العدل، وحسن الآداب، واستحالة التناقض. يمكنه الا يعرف ذلك فعلا، بأن لا يستعمل المصباح الذي أوتيه أو يدسه تحت التراب.

وهذه حقيقة قد تخفى علينا، إلاّ أن من المؤكد عمليا اننا لسنا في كل لحظة نعلم جميع أحكام العقل. وإننا في أي لحظة نريد التعرف عليها فهي لا تعصى علينا. وهذه حجة كافية على ان العقل يدخل ضمن حرية الفرد واختياره فيستخدمه حينا لمعرفة الحقائق ويدعه عاطلا حينا آخر..

ألست ترى انك قادر في كل لحظة وفي كل مكان ان تفكر فيما حولك من الأشياء والأشخاص بصورة منهجية، وتستعمل في تفكيرك مقاييسك العقلية الثابتة؟ كما ان بإمكانك ان تتوجه إلى أمور أخرى ولا تفكر منهجيا وعقلانيا في أي شيء.. نعم، إن هناك لحظات لا يمكننا إلا أن نعرف أحكام العقل، كتلك اللحظات التي نقع فيها تحت تأثير موجِّه روحي قوي، أو نشاهد تجربة عملية حادة. الا اننا سرعان ما نعود إلى حالتنا السابقة حيث يخضع العقل لتصرفنا وإرادتنا من جديد.

3-الإرادة تقرر المصير

ان إرادة الإنسان قد تتجه بمحض حريته نحو الخير والحق والخلق الرفيع، وقد تتجه نحو الذات والمصلحة والسجايا السيئة. ومن هنا تأتي حرية الإنسان التامة في اختيار طريقه في الحياة. قال الله سبحانه [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] (الإنسان 3) .

والله سبحانه لم يشأ أن يفرض على البشر إتجاها خاصا إكراما وتفضيلا له، بل أتاح له كل الفرص لكي يختار بذاته ما يشاء. وجاء في الحديث في سياق قصة آدم وحواء حين اختارت الأخيرة الأكل من الشجرة المنهية عنها، فأرادت الملائكة أن تمنعها عنها بحرابها، فأوحى الله تعالى إليهم: (انما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره. فأما من جعلته ممكّنًا مميزا مختارا فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجة عليه، فإن اطاع استحق ثوابي، وإن عصى وخالف امري استحق عقابي وجزائي.) فتركوها (1) .

4-النفس البشرية والقدرة على التمويه

وللنفس البشرية مقدرة تمويهية كبيرة، تقوم بتهدئة النفس وتسكينها حين تهجم عليها المصائب. إن هذه القوة تحاول التخفيف عن النفس بما يدعى في علم النفس (بأحلام اليقظة) فتسليها بآمال مستحيلة وأماني غير ممكنة الوقوع! وحين يحب الإنسان شيئا حبا جما تحاول هذه الطاقة تبرير كل الوسائل المؤدية إليه، حتى تخترع النفس معلومات ليست واقعية، أو تفسير المعلومات التي لا تلائم بلوغ ما أحب بما يلائمها، وهكذا.. ويدعى هذا العمل في منطق القرآن (بالتسول(2) وليس منا من لم تراوده حالات التسول أو أحلام اليقظة بين فترة وأخرى. فما يحب الإنسان شيئا الا وتقوم هذه القوة بنسج أساطير غير صحيحة لتبرير ما يحب.

ولكن لا يعني كل هذا ان اشعاع العقل ينحسر عن مجال الذات في هذه الحالات، بل انما النفس لا تستخدم هذا الاشعاع عندها، إذ ان بقدرة النفس توجيه نور العقل بعيدا عن الذات حتى لا يكشف الخبايا البعيدة فيها ويقضي على الأساطير المبتدعة..

بعد هذه الملاحظات نعرف ان الحب قد يكون مصدرًا للفكرة بفعل ما سميناه بعملية التسول، الا ان الإنسان لا يضطر إلى الإنسياق مع هواه بل هو حر في اختيار طريقه. وهذه الحرية تحكم جميع قوى الإنسان والتي منها قوة الكشف عن الواقع (أي العقل) التي تتصرف النفس فيها متى شاءت وقد تتغافل عنها نهائيا، وبقدرة هذا النور يمكن كشف مصدر الفكرة هل هو العلم ام الحب؟

العقل يفضح الشهوات

بعد هذه الملاحظات التمهيدية التي سرعان ما يجد كل منا مثالا حيا منها في حالاته الخاصة نستطيع أن نضع أيدينا على رأس الخيط لعملية نقد الأفكار الذاتية، والتي تتلخص في توجيه ثلاثة أسئلة إلى النفس في محاولة لجرد الحقائق فيها عن الأهواء:

1-هل أحب الاعتقاد بهذه الفكرة؟ فلو لم تكن هذه الفكرة راسخة لدي منذ الطفولة، أو لم تكن تخدم مصلحة لي.. فهل كنت أعتقد بها؟

2-ما هي الأسباب التي حملتني على الاعتقاد بهذه الفكرة، وهل لو كانت هناك فكرة مشابهة لها في تلك الأسباب كنت أيضا أعتقد بها؟

3-هل ان الناس كلهم يرون مثل ما أرى؟ دعني أجعل نفسي مكانهم وأتصور ما إذا كانوا فعلا يعتقدون بما اعتقدت به وهم يعيشون في ظروف مختلفة..

وفي المثال التالي يتضح كيفية توجيه الأسئلة الثلاثة إلى النفس وكيفية استخلاص النتائج الصحيحة عنها:

رجل يعتقد بالثالوث المقدس ـ الأب والإبن وروح القدس ـ آلهة جميعا، يتنبه في لحظة حاسمة، فيوجه السؤال الأول إلى ذاته: إنني الآن اعتقد بتعدد الآلهة. حسنا. هل أحب الاعتقاد بها؟ لافترض اني كنت في حضن أبوين ملحدين ولم اعتقد منذ الطفولة بالثالوث، فهل كنت فعلا اعتقد بها؟.. ولأقارن هل أعتقد أنا بجمال باريس إذا توفرت عندي ذات الأدلة المتوفرة في الثالوث المقدس ما دمت لم ألقن منذ الصغر بأنها مدينة جميلة؟ كلا.. أفلا يكون هذا دليلا على ان الحب ـ حب الأفكار السابقة مثلا ـ وخدمة المصلحة الذاتية هما السببان الواقعيان للاعتقاد بالثالوث المقدس؟ أفلا أستطيع ان أتصور نفسي مصداقا لقول نبي الإسلام (ص) : (كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه) (3)

ثم يسأل نفسه ثانية: بأية حجة نرى عيسى إلها؟ أفلا يمكن ان يكون البشر رسولا من الإله الواحد، فلا يكون إلها ولا إبن إله؟ ولنفترض: ان المصدر لهذا الاعتقاد كان إيمانه بالكتاب المقدس وانه قد كتب فيه ان عيسى ابن الله.. فيوجه السؤال ويقول: هل انني اعتقد بكل ما في الكتاب المقدس أم انني أقوم بتأويل وتفسير طائفة منها وهي التي تخالف عقلي أو مصلحتي، فلماذا لا أقوم بتأويل هذا النص؟

وأخيرا يتساءل ويقول: لأتصور نفسي مكان رجل محايد، هل كنت فعلا أرى كل أقوال الكنيسة علما يقينا؟

وبإستقامة هذا المنهج، نكتشف إنحرافات المناهج البشرية التي أبعدت عن حسابها نور العقل المبين، فمادت من تحت أرجلها كل القواعد الفكرية وتزلزلت صروحها زلزالا.

ان هذه المناهج لم تشأ ان تعترف بالعقل، زاعمة ان العقل لا يعدو ان يكون ـ كما سبق القول فيه ـ مجموعة أحكام سابقية، وليست قبسا من نور قادر على كشف الحقائق جميعا..

لم تشأ ان تعترف بهذا النور فزعمت ان النفس هي التي تفكر وتتصور، وبما ان انصار هذه المذاهب يعترفون بأن النفس البشرية تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات، فإنهم يقولون: المعرفة أيضا تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات، فكانت النتيجة أن زعموا أن المعارف تتغير وتتطور كما الشهوات بالضبط.

وانقسمت هذه المناهج على نفسها قسمين: فطائفة آمنت بأن المعارف حينذاك لا تعكس الحقائق الموضوعية الا بصورة نسبية، وقالت: ما دامت النفس هي التي تعرف، وان المعرفة بنتها الذاتية؛ وما دامت هي في حالة متغيرة، فإن المعرفة تتغير. وبما ان الواقع الخارجي لا يماشي هذا التغير، فإن المعرفة لا تعكس سوى بعض الواقع فقط.

(1) - مستدرك الوسائل ، ابواب جها النفس ، باب 8 ، ح7 .

(2) - جاء ت الكلمة في: يوسف 18 و 83 ، و طه 96 ، و محمد 25 .

(3) - بحار الانوار ،ج3 ، ص281 ، ح22 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت