وهكذا ينعت القرآن ـ وهو جملة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ـ ينعت القرآن نفسه بأنه تذكرة فيقول: [طه * مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى] (طه 1-3) . ويجعل غاية التذكرة عودة الإنسان إلى عقله فيقول: [لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] (الأنبياء 10) ويجعل آياته نورا، لانه يهدي الإنسان إلى العقل الذي يكشف له الحقائق الكبيرة في العالم، ويجعله مقياسا ثابتا ومبينا لانه يضع للإنسان منهجا فريدا للمعرفة ويجعله هاديا إلى سبل السلام، وناقلا للإنسان من ظلمات الجهل حيث يغفل الإنسان عن عقله ويتيه في الضلالات، فيقول سبحانه: [يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (المائدة 15-16) .. وهذا النوع من التذكرة وظيفة الهداة إلى الله الذين لا يريدون فرض عقيدة على الإنسان، بل انما يريدون توجيهه إلى الحقيقة ليراها بعقله، ولن يمكنهم ذلك دون إعادة إيمانه بعقله، واسترداد ثقته بتفكيره.
2-وقد تكون النفس واعية لما تملكه من نور العقل، ولكنها تتردد في بعض الموارد بسبب تشابه الموضوع على العقل ، فمثلا: لا ريب لدى النفس ان الظلم منكر عظيم، ولكنه قد يشك في أن سلب النملة رزقها ظلم ليكون منكرا، أم ليس بظلم فليس بمنكر.. وهذا بدوره على نوعين:
أ- إذ قد ينشأ هذا الريب من جهل البشر بطبيعة النملة ومدى ضرورة وجودها لحياة الإنسان. فلابد لكشف ذلك من التفكير المنهجي، والتذرع بالوسائل العلمية. وهنا يحكم العقل عليه بأن يتثبت ولا يعجل في الحكم، ذلك أن العجلة من الجهل، فالتسرع يجر إلى مجموعة كبيرة من الأخطاء. وقد جاء في النصوص القرآنية توجيه بالغ الوضوح إلى التثبت، فقال الله سبحانه: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] (الإسراء 36) .. وبحكم العقل بضرورة التثبت الكامل قبل الحكم على أي شيء يحرز العاقل العلم الصحيح ولا يتورط في أخطاء التسرع، ولقد جاء في الحديث عن الامام علي عليه السلام: (التثبت رأس العقل(1) .
ب- والقسم الثاني من تردد النفس في الأحكام العقلية، ينشأ من تناقض الحكم العقلي مع المصالح الآنية للإنسان. ولذلك يبدو الحكم الواضح غامضا بينما هو في الواقع ليس بغامض، انما يريد الإنسان أن يتصوره كذلك ليتخلص من مسؤولية الاعتراف به. فالرجل القوي الذي يعيش على حساب المستضعفين يحاول تبرير ظلمه بما يبعده عن توجيه نور العقل.
ان هذا النوع من التردد هو الذي يقضي على طائفة ضخمة من الأحكام الصائبة عند النفس البشرية. وعلى الإنسان أن يناضل مع ذاته أبدا ليبعده عن التأثر بالاهواء والشهوات، وقد جاء في الحديث: (زوال العقل بين دواعي الشهوة والغضب(2) . و (ذهاب العقل بين الهوى والشهوة(3) .. وسيتضح لدينا قريبا دور هوى النفس وشهواتها في طمس نور العقل، والذي قد يقضي على العقل كله، ويدع النفس في ظلمات ما فوقها ظلمات.
ومن كل ما سبق نكتشف الجواب الصحيح عن نوعية نقد العقل للأفكار الصادرة عن المسبقات العقلية، وكيف تتمكن الذات من الثقة بنوع منها بعد ان تكتشف زيف النوع الآخر.
ب: دور الهوى في تضليل الإنسان
والمصدر الثاني للفكرة هو ما بالنفس من الجهل والغفلة والركون إلى الشهوات.. وينبغي لنا ان نقدم عدة ملاحظات أولية لكي نعرف بوضوح تام كيف ينقد العقل الفكرة الصادرة عن المصدر الثاني (النفس) .
1-بين العلم والحب
ان المعرفة هي النور الكاشف للحقيقة. ومعنى ذلك انها لا تتأثر بالواقع المادي، ولا تتطور حسب تطوره. ولقد قلنا آنفا: ان الأحكام العقلية جازمة شاملة ثابتة وواحدة عند كل العقلاء، وهي ـ بهذه الصفات ـ بعيدة عن التأثر بالواقع المادي. ولهذا تمثل المعرفة جانب القوة في النفس؛ أي جانب الكشف والاستجلاء، لا جانب الضعف الذي يتلخص في التأثر والتطور والاستسلام لمقتضيات الظروف. فالمعرفة تعطي الإنسان قوة كبيرة لإخضاع الظروف المحيطة به، وإنما قام الإنسان بإنجازاته الباهرة بعلمه.
والإنسان يشعر عندما يكشف الحقيقة انه أوتي قوة كبيرة.. وجاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام (خلق الله العقل من أربعة أشياء ، من العلم و القدرة و النور و المشية بالأمر(4) ..). وبالمقابل فإن للنفس البشرية جانبا آخر هو جانب التأثر والإنفعال، جانب الضعف والسلبية. انه جانب الهوى والشهوات، جانب الحب والرغبات. لأن هذا الجانب هو الذي يدع الإنسان يخضع للظروف ويتطور حسبها.
ذلك لأنه متى ما أحب الإنسان شيئا تأثر به بقدر حبه له، ووجب عليه ان يعطي من ذاته تنازلًا له.
إذن، فإن طبيعة الحب تختلف عن المعرفة، لانهما يمثلان جانبين مختلفين في النفس. صحيح ان الإنسان لا يقدر على تمييز ذلك في كل وقت، وصحيح أن ذلك بحاجة إلى أنواع من التجرد الموضوعي والنقد الذاتي، كما انه بحاجة إلى التفكر الممنهج. إلا أنه لدى ممارسة التمييز فترة طويلة يسهل ذلك على النفس حتى يبدو العلم والحب بعيدين عن أحدهما، مميزين عن بعضهما.. وفي الأمثال التالية بعض الفوارق العملية التي تعتبر نوعا من التجربة الذاتية في حقل التمييز بين الحب والعقل:
أ- تفترق المعرفة عن الحب في اننا نحب كثيرا من الأشياء ونعلم انها غير موجودة فعلا. اننا نحب الخلود حتى انه قد يطغى علينا هذا الحب فينسينا العلم بالموت، ونعمل كما اننا نعلم بالخلود. واننا نحب السيطرة ونعمل في كثير من الحالات مدفوعين بهذا الحب، بل زاعمين اننا نملك السيطرة فعلا، ولكن العلم الحقيقي يكشف لنا خلاف هذا الواقع.
ب- وتفترق المعرفة عن الحب أيضا حينما نحب ان تكون كل معارفنا صحيحة وكل عقائدنا موافقة للحق. بيد انا نواجه في كثير من الأوقات حقائق تكرهنا على إعاة النظر في معارفنا وعقائدنا والإعتراف بخطأها كليا أو جزئيا.
ج- وتفترق مرة ثالثة المعرفة عن الحب، عندما نحب ان تكون كل أمم الأرض تخدم مصالحنا الخاصة. في حين نعلم أن طائفة كبيرة منها تخالفها تماما!..
إن هذه الأمثلة توضح الفارق الكبير بين الحب والمعرفة، إلا أنه رغم وجود هذا الفارق يواجه الفرد غموضا بالغا في التمييز بينهما. فمثلا حين يحب الإنسان ذاته يخادع نفسه عن نقائصها، ويحاول ايجاد تبريرات لأخطائها ويريد ان يوقع مسؤولية ما تصدر عنها على الآخرين. وحين يحب المرء أبناءه يغمض عينا عن كل ما فيهم من سيئات حتى يصبحوا مجموعة حسنات في عينيه!.. وهكذا حينما يحب الإنسان مبدأ يركز نظره إلى محاسنه حتى يحذف دور عقله كليا في نقد المبدأ أو حتى في تطويره وينقلب إلى إنسان ممسوخ.. ونعرف من ذلك كله: ان الإنسان يستطيع ان يميز الفكرة النابعة من كشف الواقع، والفكرة النابعة من حب النفس وهواها. لأن الأولى تمثل جانب القوة والثانية جانب الضعف في الإنسان.
2-بين العقل والإرادة
(1) - بحار الانوار ، ج1 ، ص160 ، ح 42 .
(2) و 3- مستدرك الوسائل ، ابواب جهاد النفس، باب 9 ، ح2 .
(4) - بحار الانوار ،ج1 ، ص98 ، ح12.