4-ان أحكام العقل لا تتطور حسب تطور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية وما أشبه، لأنها تكشف عن الحقائق الخارجية. تماما كما لا تتغير المرآة وهي تعكس صور الحياة الناشطة الحركات.. وهنا تختلف الرؤية الإسلامية في المعرفة عن النظريات الذاتية والديالكتيكية التي سنتناولها بالبحث بإذن الله. ذلك ان تلك النظريات حسبت العقل وليدة لنفس المادة المتطورة، فادعت انها تتطور أيضا. ولم تستطع تلك الفلسفات اكتشاف حقيقة العقل التي لا تعدو ان تكون طاقة من نور زودت بها النفس للكشف عن الحقائق بصورة مباشرة. ولذلك فإن حكمه مشهود متيقن ثابت وان أي حكم يتغير أو يتصور فيه التغيير لهو ليس بحكم العقل ومن هنا لا يمكن القول: بأن 2×2=4 انما هو صحيح اليوم ويمكن ان يتطور غدا حسب تطور الاوضاع السياسية فيصبح 2×2=5 إذ هذا القول مضحك بذاته لدى كل نفس عاقلة. وأيضا كان الزعم بأن القول ( أن الحادث بحاجة إلى سبب ) صحيح اليوم أما غدا فحيث يحكم البلاد نظم جديدة في الاقتصاد، فإن الحادث يمكن ان يحدث بلا سبب، كان هذا الزعم قولا مرفوضا بذاته، وهكذا.
ان هذه الميزات الأربعة تبعد عن مجال حكم العقل ركام التصورات التي حسبها الجاهلون عقلا، فخلطوا بها أحكام العقل الصحيحة، ووقعوا في فوضى لا نهاية لها.
خلاصة القول:
1-ان للعقل أحكاما سابقة ـ لم تجرب ـ تكون مقياسا للإنسان في معرفة الفكر الصحيح.
2-وبالرغم من أن هذه الأحكام لم تلد مع الإنسان فإنها ليست أيضا وليدة تطور ذاتي له، أو مؤثرات مادية فيه، بل انما هي موهوبة له في فترة البلوغ.
3-وان الأحكام ليست ذات العقل، بل العقل هو الذي يكتشف تلك الأحكام للذات، وقد نتج من الجهل بهذه الحقيقة ان أخذ (كانت) و (ديكارت) وكثيرون آخرون أخذوا ينقدون الأفكار النفسية ظنا منهم أنهم ينقدون العقل وقد كانوا محتاجين إلى نور العقل في كل خطوة خطوة من نقدهم هذا. ولذا فإن نقدهم لتلك الأفكار، كان اعترافا منهم بصحة العقل.
4-ان للأحكام العقلية أربعة ميزات؛ انها جازمة لا ريب فيها، وشاملة لا تقييد فيها، وواحدة عند كل عاقل، وثابتة لا تطور فيها. وسنرى بإذن الله كيف تكون هذه الخصائص بعض القيم التي يستند اليها النفس في نقد أفكارها.
العقل ومصادر الفكرة
بعد ان يجد الإنسان موقع قدم ثابت يستقيم عليه وهو تذكرة العقل، يشرع في بناء صرح معرفته على أسس رصينة متماسكة متوازنة، وأول ما يقوم به الفرد اعتمادا على عقله في هذا المجال هو عملية جرد الأفكار، وهي تنطلق من القاعدة التالية: إذا كانت الحادثة بحاجة إلى المصدر، فكل فكرة حادثة بحاجة هي الأخرى إلى المصدر؟ فما هي مصدر الفكرة الحادثة؟
وبكشف ذاتي للأفكار، يصنف العقل مصدرها في ثلاثة أنواع:
1-العقل ذاته، أو بتعبير أدق الأحكام العقلية والمسبقات الفكرية.
2-النفس وما تنطوي عليه من هوى وجهل.
3-الحس بألوانه المختلفة.
وفيما يلي نقوم بالبحث عن كل واحد من هذه الأنواع وكيفية نقد العقل لها، لكي نتعرف على العلاقة الوثيقة بين العقل والعلم.
يمكن للإنسان تجنب الخطأ إذا التفت إلى عقله وميزه عما قد يلصق به من الجهل والضلالة.
ألف: الفكرة و عقل الانسان
في البدء لابد أن نثبت ملاحظة عن معنى الفكرة وانها تعني هاجسة النفس، وهي لا تعدو أن تكون استعادة لمحفوظات أو معلومات سابقة. وبالتالي فهي من عمل النفس ونحن انما نريد هذا المفهوم حينما نعبر هنا بالفكرة، لكي نستطيع أن نميزها عن حكم العقل. ان حكم العقل يعني كشف الذات للواقع الخارجي كشفا واضحا شاملا وثابتا. والفكرة لا يجب ان تكون دائما واضحة شاملة ثابتة، بل قد تكون كذلك وقد لا تكون، والسبب في ذلك ان الفكرة من عمل النفس، وتكون خاضعة لإرادة الإنسان، فهي بحاجة إلى (الإنضباط المنهجي) حتى تكون صحيحة صائبة، وإلاّ تأثرت بالمؤثرات المادية كما تتأثر إرادة الإنسان بها. وبتعبير آخر؛ بما أن الفكرة عمل من أعمال النفس البشرية، وبما أن كل عمل بحاجة إلى الإرادة، فإن الفكرة خاضعة لإرادة الإنسان، وأي ميوعة في إرادة الإنسان تعني عدم توجيه الفكرة وبالتالي عدم صحتها. و السؤال: كيف تصدر الفكرة عن العقل؟ الجواب: ان النفس قد تستغل الأحكام العقلية في استخراج أحكام أخرى، فإذا كان هذا الاستغلال موضوعيا كانت تلك الأفكار المستخرجة مثل حكم العقل تماما واضحة شاملة ثابتة، وإلاّ تعرضت للخطأ.. فمثلا قد نستخرج الفكرة التالية من حكم العقل: (الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته) ونستطيع أن ندلل عليها بإستحالة التناقض إذ يجب أن يكون الشيء موجودا قبل وجوده وهذا يعني أن يكون موجودا وغير موجود في لحظة واحدة. وبتعبير آخر؛ كيف يمكن أن يخلق العدم شيئا، مع ان الخلق عمل والعمل لا يصدر الا من شيء موجود؟ فإذًا: الشيء لا يمكن أن يخلق ذاته.
ففي مثل هذا النوع من الأفكار لا تكون عملية التفكير الا إستجلاء للمعلومات السابقة، واستيضاحا للأحكام العقلية الموجودة. وحسب تعبير بعض المفكرين: ان التفكير المعتمد على المعلومات العقلية السابقة ان هو الا فض الفكر ذاته.. ولهذا جاء في الحديث المروي عن الصادق عليه السلام: (كثرة النظر في العلم يفتح العقل(1) .. فالعقل إذا موجود ولكنه منغلق ويحتاج إلى عملية الفض. وعملية فض العقل، وفتح نوافذه على العالم على نوعين:
1-قد يكون الإنسان غافلا تمامًا عن نور عقله متوجها إلى معلوماته، باحثا فيها عن الحقيقة دون الرجوع إلى عقله والإستضاءة به، ويكون مثله كمن يغفل عن الشمس وينشغل بالموجودات المضاءة بها. وهنا يحتاج الإنسان إلى من ينبهه إلى ضلالته عن النور الذي يملكه هو لاكتشاف الحقيقة، ويقوم فعلا باكتشاف بعض الحقائق به. ولقد ابتعث الله الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لكي يذكروا البشر بما يملكه من نور العقل، وان يقولوا للإنسان: ارجع إلى نفسك وعد إلى عقلك لتجد فيه الحل السريع لكل مشاكلك. إذ أن الإنسان لا يمكنه تذكّر عقله مع انه أقرب الحقائق إلى نفسه، لا يمكنه ذلك وهو يسترسل في طريق الهبوط مع طبيعته الجاهلة الضالة ويزعم بأن المعلومات المضاءة بنور العلم والعقل هي حقيقتهما! ان هذا الإنسان لا يمكنه أن يتنبه إلى عقله الا بهاد مؤيد بالغيب يهز فيه الفكر، ويوقظ بداخله العقل. وهذا أولى وأسمى آيات رسالة كل رسول، والتي يلخصها الإمام أمير المؤمنين بالقول: (فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم انبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته...و يثيروا لهم دفائن العقول(2) ..).
(1) - بحار الانوار ،ج1 ، ص 159 ، ح 32 .
(2) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 1 .