فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1942

وللعلم: إن السابقيات الفكرية التي تملكها النفس البشرية، مثل: العلم بإستحالة التناقض والصدفة، وقبح الظلم والشر، وإمكان الخلق والإبداع، وحسن العدل والخير.. ان هذه السابقيات ليست ذاتها العقل، بل انها حقائق يكشفها نور العقل للنفس كما يكشف ضوء الشمس ألوان الحقول.. وكان خطأ الإنسان الأكبر غفلته عن مصدر النور وتوجهه إلى الأحكام زاعما أنها هي حقيقة النور، فراح يبحث عن مصدر يقيِّم بها تلك الأحكام. ولو كان الإنسان قد تذكر بأن الذي يساعده على البحث ليس الا هذا النور، وانه لو افتقده أصبح كالمجنون والنائم حيث لا يفهمان أمرا ولا يعلمان شيئا، وانه أشبه شيء بنور الإرادة ونور الحرية الذين تملكهما النفس البشرية، وتملك بهما القدرة على الاختيار وهي بذاتها قدرة ذاتية لا تعلل.. أقول لو فعل الإنسان ذلك إذا لتخلص عن سلسلة لا تنتهي من المشاكل العلمية التي أحاطت بنظرية المعرفة. ذلك لأنه حينذاك يجد ان البحث عنه ـ كما سلف ـ ضرب من الإسراف والترف الفكري. إذ ما من بحث الا وهو يؤكد على وجود قوة للإنسان تساعده على البحث، وهي بالتالي تنير طريقه إلى الحقيقة، وتلك القوة هي العقل، وهو نور مقدس عن الإحاطة به من لدن الذات.. من هنا كانت عملية (كانت) النقدية التي سيأتي التفصيل عنها إن شاء الله، ـ والتي استهدفت نقد العقل ـ كانت عملية موغلة في الجهل إذ ان الغفلة عن نور العقل، ذلك النور الذي لم يستطع (كانت) ذاته القيام بعملية النقد بدون وجوده لديه، ان الغفلة عنه فقط كان السبب في التوجه إلى السابقيات الذهنية، كتصور الزمان والمكان والعلة و.. و.. لينقدها وينتهي بالتالي إلى نظرية النسبية ومنطقه الوضعي. ولو ان (كانت) كان يتذكر بوجود نور يجعله يقيم الأشياء ويعتمد على تقييمه هذا، وان ذلك النور هو الذي يكشف له عن الزمان والمكان والعلة والسبب، إذا لنقد الأشياء به، ولم يزعم انه استطاع نقده هو، غافلا عن ان العقل لا يمكن الإحاطة به فكيف يتاح له نقده، وبأي شيء ينقد الإنسان عقله؟ أبعقله ام بجهله؟ والعقل لا يشكك في ذاته والجهل لا يمكنه نقد العقل..

ومن هنا أيضا أصاب (ديكارت) دوار عنيف في مسيرته عبر العقول إذ انه شكك نفسه في معلوماته النظرية. وحين زعم انه تخلص منها قام ليبني صرح العلم على قواعد جديدة فلم ير تحت رجليه حجرا ثابتا، وجر إليه إنتقادات كبيرة من لدن معارضيه من الحسيين. ورغم ان (ديكارت) عقلي التفكير فإنه أيضا مخطئ في منهجه، وينشأ خطئه من أمرين:

الأول: تشكيكه في أن تكون سابقياته الفطرية ناشئة من النفس أو من قوة شيطانية داخلها. ولم يعلم ان تشكيكه انما هو في التصورات الغامضة التي لم تتنور بعلم الإنسان. أما الحقائق الواضحة التي أحاط به علم البشر فلم يمكن التشكيك فيها أبدا. ولهذا عاد (ديكارت) نفسه فاعترف بالنفس، وعلل إعترافه بأنه يجدها ظاهرة مميزة أمامه بحيث لا يمكنه الا الإعتراف بها.

الثاني: غفلته عن حقيقة النور الذي كان معه في لحظة تشكيكه في العقل، وإلا فكيف استطاع أن يبلغ بالتشكيك مرحلة متقدمة منه بترتيب النتائج على الأسباب. كيف استطاع ان يقول: يمكن ان يكون هناك شيطان مضلل للفكر؟.. مع أن علمه بإستلزام سبب للأفكار الخاطئة انما هو ناشيء من حكم عقلي مسبق وهو: (لا بدية السبب لكل شيء) وان علمه بأن الشيطان يقوم بالإضلال، يقوم على أساس وجود ضلالة وهداية، وقبح الضلالة وحسن الهداية. وكل هذه الأحكام عقلية. وكان مثل (ديكارت) في ذلك مثل الذي يشكك في وجود الشمس ثم يرينا الحقول والواحات المضاءة بالشمس ويقول لو كانت الشمس موجودة لما كانت لها ظلال وارفة. ان مجرد رؤية الحقول والواحات دليل على وجود الشمس، وان ذات الظلال الوارفة لهي دليل على وجودها. فكيف يستدل بهما على عدم وجود الشمس؟ وهكذا القدرة على التشكيك نوع من إثبات نور العقل.

والواقع: إن (ديكارت) لم يحاول التشكيك في عقله، انما شكك في ركام الجهل الذي تجمع فوق النفس البشرية وزعم الإنسان انها علم وعقل. لذلك فإن تصوره للعقل يختلف عن العقل الذي أرشد إليه الدين، فإنه زعم ان العقل انما هو كل ما في النفس البشرية من تصورات، أما الإسلام فيرى ان التصورات ليست الا معقولات يكتشفها نور العقل وينقدها.

فمرة أخرى رأينا كيف اضطربت وتناقضت مقاييس البشر حين زعمت ان المسبقات ذاتها العقل، بينما العقل هو: ما ينور للنفس تلك المسبقات العلمية.

خصائص الأحكام العقلية

وحين نتذكر العقل ونكتشف أن حقيقته نور مقدس عن إحاطة الأذهان وانه الذي يكشف لنا الحقائق الأخرى بصورة ذاتية وغير ممكنة التعليل، حينذاك نجد ان الأحكام العقلية تتميز:

1-بأنها ثابتة جازمة لا تقبل الريب إذ ان ذاتها الكشف، والكشف يعني ملامسة الواقع وشهوده. فكيف يجد الانسان الواقع ثم يشكك فيه؟ ومن هنا فإن الحكم بقبح الظلم وحسن التضحية وجمال الآداب ليست أحكاما تقبل الريب، والذي يرتاب فيها يحاول الفرار عنها بتغيير موضوعاتها بحيث تصبح الأحكام ليست هي التي تغيرت بل موضوعاتها فقط تبدلت، فمثلا: الذي يقول: ان الظلم حسن يغير معنى الظلم حتى يجعله يساوي معنى العدل ثم يقول بأنه حسن.

2-وأن أحكام العقل شاملة لا تخصص، فإذا كانت الرذيلة قبيحة فليس هناك فرق ان تكون صادرة من كبير أو صغير، وفي أي عصر وأي زمان. واذا كانت الحادثة بحاجة إلى علة محدثة وسبب موجد، فلا فرق بين ان تكون الحادثة رمي كرة القدم أم وجود كرة الأرض. واذا كانت الصدفة محالة في وجود ساعة يد، فإنها محالة أيضا في صنع مخ الإنسان. وإذا كانت معادلة 5×5=25 صحيحة، فلا فرق ان تكون في أي وقت وأي مكان.

3-ان أحكام العقل تتفق عليها عقول البشر، فالعقل هو العقل في أي رأس عاش وفي أي مخ سكن. وما هي فضيلة أو رذيلة هنا فهي في كل مكان ولدى كل إنسان فضيلة أو رذيلة، ولذلك كانت الحجة بين العباد العقل ـ حسبما جاء في الحديث (1) ـ فلنذهب انى شئنا فسوف لا نجد الفضيلة في الخيانة والنفاق وبيع الأوطان وايثار النفس على الآخرين.. وسوف لا نجد معاني التضحية والفداء والشجاعة والإباء من معاني الرذيلة. ومن هنا فإن الامم تتبارى بهذه القيم، وتجعل منها مقياسا يحتجون به وينتهون إليه، وترتكز أجهزة إعلامهم على الإدعاء بأنهم يمثلون الفضيلة والعدل وأن أعداءهم يمثلون الزيف والباطل. وهكذا أصبح العقل حجة بين الأفراد ومقياسا لكل أحكامهم، فلا يمكن مثلا أن نتصور رجلا عاقلا في الأرض يحكم عقله بإمكان الصدفة أو صحة التناقض (تواجد الوجود والعدم في لحظة) والتشكيك في وجود الذات و.. و..

(1) - جاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: ( حجّة الله على العباد النبي ، والحجة فيما بين العباد و بين الله العقل ) الكافي ، ج1 ، ص25 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت