وبهذه العبقرية الفريدة التي ينبوعها القرآن والسنة، أثبتت حضارة الإسلام قدرتها على صهر الثقافات الثرية الأخرى في بوتقتها الإسلامية، وأمامنا أمثلة تاريخية عديدة، مثل نشأة الدولة المسلمة في فارس منذ معركة القادسية (633م) ، ونواة الدولة المسلمة في مملكة بيزنطة منذ أن استولى معاوية على قبرص (649م) واستقرار الدولة المسلمة في المغرب ببناء مدينة القيروان (670م) ثم امتداد الفتح إلى الأندلس، وتكوين دولة مسلمة في أشبيلية (712م) . كل هذه الأمثلة تعتبر فرعية كأنها أغصان الجذع أصلي هو الدولة الأم، مركز الخلافة المؤتمنة على الأمة، وقد انتقلت من المدينة المنورة أثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم، إلى دمشق أثناء الحكم الأموي، ومنها إلى بغداد على أيدي بني العباس، ثم ومنذ 29 مايو 1456م إلى القسطنطينية عاصمة الخلافة العثمانية، حتى 3 مارس 1924م، تاريخ إلغاء الخلافة الأخيرة وانتصار القوى النصرانية والصهيونية على آخر حصن جامع للمسلمين.
ونعود إلى مقال الكاتب اليهودي الأمريكي صمويل هنتينجتون، الذي يتوقع تطور صدام الحضارات خلال العقدين الأول والثاني للقرن الحادي والعشرين. فهو يتجاوز النظرية التي طرحها فرنسيس فوكوياما المفكر الأمريكي الياباني الأصل، والقائلة بنهاية التاريخ عند الواقع الكوني الراهن، بعد انتصار قيم الغرب الليبرالية والديمقراطية، واختفاء الشيوعية.
إن (هنتينجتون) يؤمن مثل (فوكوياما) أن التاريخ مات، والمقصود هنا هو تاريخ الحرب الباردة، والجدل القائم منذ سبعين سنة بين الاشتراكية والليبرالية، لكنه يعلن عن صراع جديد، لا بين العقائد السياسية، وإنما بين الحضارات، بل إنه يحدد مناطق التشابك الحالية، ويتنبأ بأنها ستتطور إلى ساحات صراع، بين أنماط حضارية متضادة، إن لم تكن تطورت بعد، مثل قضية البوسنة والهرسك، حيث يتقابل النموذج المسلم - وليس الإسلامي، فلكلا المصطلحين معنى خاص - بالنموذج الصربي الأرثوذوكسي.
ويعيّن هنتينجتون هذه المناطق المتشابكة فيقول: إن أهمها:
-شمال البحر الأبيض المتوسط بإزاء جنوبه (هنا تحتل المسألة الجزائرية مكانًا هامًا، مثلما رأينا في قمة الدول المصنعة الثمانية بمدينة نابولي الإيطالية 9-10 يوليو 1994م) .
-جمهوريات الاتحاد السوفييتي المسلمة وجمهورياته المسيحية ( هنا الحرب الحقيقية دائرة مثلًا بين الأزر والأرمن، وبين الروس والطاجيك، وبين الروس والشيشان) .
ويهمل هنتينجتون التحدي الأكبر المفروض على المشرق الإسلامي، بسبب توسع الدولة اليهودية، لا على حساب فلسطين وحدها، بل على حساب أراض عربية مسلمة عديدة، وبتطلعات استراتيجية واقتصادية وعسكرية وثقافية، تجعل في نظرنا المعركة الفلسطينية أخطر مواطن صراع الحضارات مستقبلًا، ويتجاوز حجم تلك المعركة مجرد رسم الحدود لنواة دولة فلسطينية، إلى أن يصبح مواجهة بين حق الإسلام التاريخي المكتسب في القدس، منذ الفتح الأول، وبين مشروع تشويهي دخيل، تتضافر فيه جهود الصليبية والصهيونية، لا لمجرد احتلال أرض، بل لتطويق دار الإسلام وتفجيرها من الداخل (مشروع السوق الشرق أوسطية، والنظام العالمي الجديد، ومخطط تحريف الأنهار عن مجراها، وبرامج تهويد المدن الإسلامية بفلسطين) .
وإننا نعتقد أن إهمال الكاتب اليهودي لهذا الصراع القادم الحتمي، ليس بسبب نقص في ثقافته، بل هو إهمال مقصود عن أيديولوجية، لأن هنتينجتون يريد إيهام قرائه والرأي العالمي، بأن هذه المسألة محسومة، لأنه يضع الثقافة اليهودية، فيما يسميه المنظومة الثقافية الشرقية، التي يضع فيها الإسلام أيضًا، وهو ضرب من ضروب التضليل، يندرج في المخطط، بينما الواقع أن الثقافة اليهودية انفصلت في أواخر القرن التاسع عشر عن جذورها الشرقية، واندمجت في المشروع الاستعماري الإمبريالي الفكري والسياسي، ضد العدو المشترك: الخلافة الإسلامية (انظر كتاب الدولة اليهودية لثيودور هرتسل) .
وهذا الكتاب الذي عربه وقدمه الأستاذان عدس وغنيم، ظل بدون ترجمة عربية منذ صدوره عام 1896م ! وهو يفصح قبل قرن، عن عملية قطع حبل السرة بين اليهودية وجذورها الشرقية، لكي تتحول إلى"الصهيونية"وتصبح رأس حربة المشروع الغربي المسيحي، لابتلاع دار الإسلام، ويشرع مهندسو الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية، في الترويج لمصطلح"الحضارة المسيحية - اليهودية"، وتوضع في لغات أوروبا مئات المؤلفات، وتعقد مئات الندوات، للتبشير بهذا المولود اللقيط المشوه، الذي يجمع بين الضد والضد، ويتناسى الجميع تراثًا عملاقًا من القهر والإبادة والعنصرية، والكراهية، بين المسيحيين واليهود، بدأ بالمفهوم النصراني لصلب السيد المسيح، ومرّ بكارثة إحراق اليهود في الأندلس في محاكم التفتيش مع المسلمين عام 1492م، وانتهى بفاجعة هتلر والنازية (1939 - 1945م) . والعجيب أن اليهود في تاريخهم هذا، لم يجدوا ملجأً ومستجارًا إلا عند المسلمين.. وأحداث الهجرات اليهودية إلى إسلامبول، ومدن المغرب الإسلامي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر معروفة، سجلوها بأنفسهم قبل أن يسجلها المسلمون.
إن الذي يطالع كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) لضابط المخابرات البريطاني الذي قاد ثورة الشريف حسين، ضد الخلافة العثمانية، يكتشف بعض الحقائق التاريخية التي اتضحت أبعادها مع مرور الزمن في هذه النقطة بالذات.
فلورانس يكتب عام 1916م حرفياًّ:"لقد طلبت مني وزارة الخارجية البريطانية، أن أرسل نسخة من كل تقرير أكتبه إلى السيد روتشيلد"- أكثر اليهود ثراءًا في أوروبا، ورجل المصارف وزعيم الحركة الصهيونية الاقتصادية - ويضيف لورانس متسائلًا:"ولم أفهم بالضبط القصد من تلك التعليمات…".
هذا وقع عام 1916م، ونحن فهمنا بعد سبعين عامًا القصد من تلك التعليمات، ويكفي أن نلاحظ أن الأحداث الواقعة مباشرة بعد الثورة العربية - في الحقيقة الحجازية - جاءت كالتالي:
1916 - معاهدة سايكس - بيكو ، لاقتسام البلدان العربية.
1916 - ترقية مصطفى كمال أتاتورك إلى رتبة لواء، ومنحه لقب الباشوية.
1917 - البريطانيون يحتلون بغداد، وألنبي الجنرال الإنجليزي يحتل القدس.
1917 - كذلك وعد بلفور، بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.
1918 - لورانس يدخل دمشق مع فيصل بن الحسين.
1918 - كذلك اندثار الخلافة العثمانية من كل البلدان العربية.
1920 - الفرنسيون يطردون فيصل من سوريا، ويحتلونها ويحتلون لبنان.
-البريطانيون يعلنون الانتداب - أي الاستعمار - على فلسطين وشرق الأردن والعراق.
وهل يفيد أي تعليق على هذا المسلسل الساطع الناطق؟ وهو مسلسل تمتد حلقاته إلى يوم الإسلام هذا، لكن الغلاف الخارجي، يتغير بتغير الأحوال. فالذي كان احتلالًا أو انتدابًا، أصبح يسمى مقتضيات النظام العالمي الجديد، والذي كان تنصيرًا مباشرًا، أصبح ينعت بالتنوير، والذي كان اسمه استعمار الشعوب المسلمة، أصبح يكنّى بكنية لطيفة مستساغة، هي مقاومة الأصولية، والذي كان يعرف بالقضاء على اللسان العربي، أصبح اسمه الجديد: كونية الثقافة أو إنسانية المعرفة، ورأينا جنودًا من صلبنا وأبناء عمومتنا، تنطلي عليهم هذه المصطلحات الجديدة، فيهبون للترويج لتلك البضاعة المغشوشة، وهم غافلون، أو إن مصالحهم الشخصية الضيقة، ترتبط بالتوسع الغربي المتغطرس الفج.