وفي مسند الشهاب لأبي عبد الله القضاعي: بسنده عن أبي أيوب قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فأخذ بعضادتي باب المسجد، ونادى بأعلى صوته: يا أيها الناس يا أهل الإسلام: جاء الموت بما جاء، جاء بالروح والرحمة، والكرة المباركة لأولياء الله من أهل دار السرور، الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها. يا أيها الناس يا أهل الإسلام: جاء الموت بما جاء، جاء بالحسرة والندامة والكرة الخاسرة لأولياء الشيطان من أهل دار الغرور الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها، ألا إن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت.
أما الأمر الجامع لهذين الأمرين فهو عقيدتنا التي اهتزت في"الآخرة"
ليست قضية الآخرة قضية موعظة ولا مبالغة في الزهد، ولا تسكين لآلام هذه الحياة إن حصر هذه القضية في هذه المواضع جزء من التزييف الحاصل في ثقافتنا المعاصرة.
ولا يمكن إنقاذ هذه الثقافة من فقر الدم الذي أصابها طالما نحن نضع الآخرة في تلك المواضع.
إن قضية الآخرة قضية جوهرية في مسألة المعرفة و القيم، و الحضارة.
وهي إذ تسيطر على هذه الجوانب كمنهج إسلامي فإنها تحول مواقفنا جميعا إلى مواقف عملية.
وتنقلنا في ممارساتنا لقضايا المعرفة والقيم والبناء الحضاري إلى المنهج العملي.
وللكلام بقية
صرامة قوانين النظام الإلهي:
وتأتي الجنة والنار في الآخرة ضمن سياق مبدأ"النظام"الصارم الذي يحكم الدنيا والآخرة لإرادة الله دون شبهة تعسف أو استثناء مما قد يدور في صدور بعض الملحدين.
إن الكفار والعصاة يتصادمون مع سنن الله في الكون، ومن هنا جاءت منطقية الهلاك بالنار مع كل من يخرج على هذه السنن أو هذا النظام: إنهم يتصادمون مع سبيل الله.
كل ما في الوجود فإنه يتحرك طائعا في سبيل الله، يقول - تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) 11- 12 فصلت.
وإشكالية الإنسان في خصوصيته حيث أراد الله له أن يتحرك في سبيل الله - كما هو شأن المخلوقات جميعا إلا أنه استثناء منهم أراد له أن تكون حركته وهي واجبة عليه باختياره، وهو ممتحن فيه.
معنى في سبيل الله بالنسبة للشمس كذا وكذا مما نطلق عليه قوانين الفلك والفيزياء، وبالنسبة للقمر الأمر كذلك، وبالنسبة للنجوم والكواكب والمجرات كذلك، وبالنسبة للرياح، وبالنسبة للذرة كذلك، وفي سبيل الله بالنسبة للإنسان: أن يتحرك باختياره في هذا السبيل - أي سبيل الله - وفق إرادته - سبحانه - في: الدين، ووفق إرادته - سبحانه - في الأخلاق، ووفق إرادته - سبحانه - في الشريعة، في الاقتصاد، في العبادة إلخ
كل نشاط إنساني يسير بحركته وفقا لإرادة الله وأوامره ونواهيه هو في سبيل الله.
وكل نشاط إنساني: فرديا كان أو اجتماعيا أو دوليا يخرج عما يريده الله وعما بينته رسله هو خارج سبيل الله. ليس هذا فحسب، ولكنه اعتداء على سبيل الله: اعتداء على سبيل الله الذي ينتظم الفلك والطبيعة والحياة والحضارة جميعا.
ومن هنا فإن المخالفين يجدون أنفسهم في خلاف لا مع خالقهم فحسب، ولكن مع المخلوقات جميعا، مع الكون، مع الطبيعة، ومع قوانين الله في الطبيعة، ومع قوانين الكون المخلوق الموزون: دنيا وأخرى
ولا منجاة لهم من سحق الكون لهم بالنار، لأنها قوانين، وسنن، كقوانين الذرة، وقوانين الجاذبية، وقوانين الحياة، أو أدق وأصدق منها جميعا
ومن هنا فإننا نجد النار تسعى إلي هؤلاء المخالفين بما يشبه الجاذبية، أو تطلبهم طلبا طبيعيا، كما أنهم يتحركون نحوها حركة طبيعية كذلك، وفق سنن الله، وسبيل الله.
إن جهنم خلقت لتستقبلهم هناك في آخر طريقهم الذي سلكوه.
إنهم مطرودون من الكون، وليس لهم مكان فيه غير النار، وذلك بعد أن أخذوا فرصة النجاة بالإنذار وبالهداية والتوبة والإصلاح في هذه الدنيا فضيعوها.
النار هناك تنتظرهم، فهم وقودها:
(قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) 6 التحريم (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير، إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ) 6-8 الملك.
والنار تنتظرهم هناك بطول انتظار وترقب (فأنذرتكم نارا تلظى) 14 الليل.
وهي تنتظرهم بشراهة (يوم نقول لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد) 30 ق
والنار تنتظرهم هنالك بكراهية (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا) 11- 12 الفرقان
(إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها) 29 الكهف
(وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) 49 التوبة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال: (إن العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشفير، ثم تزفر زفرة لا يبقى منا أحد إلا خاف) .
وهي تنتظرهم عالمة بأقدارهم! فقد أخرج أبو يعلى الموصلي من حديث أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال: (إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة أقبلت النار يركب بعضها بعضا وخزنتها يكفونها وهي تقول: وعزة ربي لَتُخَلٌّن بيني وبين أزواجي، أو لأغشَيَن الناس عنقا واحدا، فيقولون: من أزواجك؟ فتقول: كل متكبر جبار) [1]
وفي رواية أخرى تقول: (وُكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمرات جهنم) أخرجه الإمام أحمد
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق: تقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين) وصححه الترمذي.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزار والطبراني من حديث ابن عباس قال: (أنا آخذ بحجزكم، فاتقوا النار اتقوا النار، اتقوا الحدود) وفي رواية للبزار قال (وأنا آخذ بحجزكم أقول: إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود، إياكم وجهنم، إياكم والحدود) .
نحن هنا أمام أحداث كونية محكومة بمنطقية الطبيعة وبالمنطقية الأخلاقية معا، الموضوعتين والموزونتين معا بميزان الله. إن ما جاء عن الآخرة والنار في العقيدة الإسلامية يبين أننا أمام حدث محكوم بميزان الله، ما يطلق عليه الناس تجوزا أو تجاوزا: قوانين الطبيعة، ونصحح القول فيه لنقول: قوانين الكون الموزون بموازين الله. إن هذا الحدث لا يهدد الكفار والعصاة فحسب، ولكن يخشاه الملائكة والنبيون كذلك. مما يدل على صرامة قوانين الله ونفاذ مشيئته وسننه في الكون والوجود: يقول - تعالى - في شأن الجماد: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله) 74 البقرة.
ويقول عن الملائكة والأنبياء جميعا: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون، ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم، كذلك نجزي الظالمين) 26-29 الأنبياء. ويقول - تعالى -لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا) 39 الإسراء.