وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة في حديث الشفاعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في شفاعة الأنبياء: (فيأتون آدم أي يطلبون منه الشفاعة فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه أمرني بأمر فعصيته، فأخاف أن يطرحني في النار، انطلقوا إلى غيري.. ) ثم ذكر مثل ذلك عن نوح وموسى وعيسى: (إني أخاف أن يطرحني في النار) وفي رواية للبخاري جاء فيها (ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار، ويخوفون منها) .
وروى ابن أبي الدنيا من حديث فضالة عن أشياخه قال: (إن لله - عز وجل - ملائكة لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم)
فما فعلة الكافر تلك؟ إنها بمنطقية السنن والقوانين وبساطتها وهولها معا: (كذب وتولى) ، ومن ثم كان التارك المتروك، ترك الله فانطبق عليه قانون الكون الإلهي، هذا الكون الموزون، المحكوم بنظام، أي: تركه الله، ويا لهول من يتركه الله، ويا لضياعه (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) 34 الجاثية. (لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) 26 ص (نسوا الله فنسيهم) 67 التوبة (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) آخر الفرقان
ويأتي مقياس القيم ليكون هو المدخل إلى منهج الإسلام في طلب الآخرة فتأتي الدنيا وهي راغمة
نعم ليأخذ بيدنا ونحن نتعثر إذ نحتاج ونحن في قلب هذه الحياة الدنيا وزخرفها إلى مقياس نعرف به ما هو من الدنيا وما هو من الآخرة؟
وإذن فالمقياس واضح في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وروى الإمام مسلم بسنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن أول ما يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت القرآن وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال.. فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن تنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي به في النار) .
ويشرح الإمام الغزالي هذا المقياس فيقول: (كل ما ليس لله فهو من الدنيا، وكل ما هو لله فليس من الدنيا) .
ثم يُرجع الأمر إلى أن التفرقة بين الحالين تقوم على طبيعة العمل وعلى القصد معا
ويقول على سبيل التفصيل:(الأشياء ثلاثة أقسام: منها ما لا يتصور أن يكون لله وهو المعاصي والمحظورات، وأنواع التنعم بقصد التلذذ في المباحات.
ومنها ما تكون صلته لله ويمكن بالقصد أن يكون لغير الله مثل الفكر والذكر والكف عن الشهوات، فإن هذه الأمور إن كان الغرض منها مجرد حفظ المال والبدن والاشتهار بالتقوى فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى، وإن كانت صورته أنه لله. وإذا جرت سرا أو لم يكن عليها باعث سوى الله واليوم الآخر فهي لله وليست من الدنيا.
ومنها ما تكون صورته لحظ النفس، ويمكن أن يكون معناه لله، وذلك كالأكل والنكاح، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى والحصولَ على رضا الله فهو لله، وإن كانت صورته من الدنيا. )
ثم يقول: (فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد، فإذن: الدنيا حظ نفسك العاجل، الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى، وإليه الإشارة بقوله - تعالى:(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) . 39-41 النازعات
ومجامع الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله - تعالى -في قوله - تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) 20 الحديد، والأمور العينية التي تتحقق منها سبعة، يجمعها قوله - تعالى - (زين للناس حب الشهوات من النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب، قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) 13-15 آل عمران. ) اهـ
وعلى الذهب والفضة يقاس اليوم الدولار وما شابه، وعلى الخيل المسومة يقاس اليوم العربات والطائرات واليخوت وما شابه، وعلى الأنعام والحرث يقاس اليوم المصانع وما شابه.
يقول الإمام الغزالي: (فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا، وقدر ضرورة القوت والمسكن والملبس إن قصد به وجه الله فهو لله، والاستكثار منه تنعم وتلذذ وهو لغير الله، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة، وللحاجة طرفان ووسط: طرف يقترب من الضرورة فلا يضر، فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن، وطرف يقترب من التنعم فينبغي أن يحذر منه، وبينهما وسائط متشابهة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) [2]
إن اهتزاز القيم الذي يعانيه المسلم المعاصر منشؤه اهتزاز نظرتنا إلى الآخرة والدنيا اهتزازا عقائديا خطيرا
جاء في صحيح البخاري باب قولِ النبي - صلى الله عليه وسلم: «كنْ في الدنيا كأنكَ غَرِيب، أو عابرُ سَبيل» وروى بسنده عن عبدِ اللّه بن عمرَ - رضي الله عنهما - قال: «أخذ رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال: كن في الدّنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سَبيل» . وكان ابنُ عمرَ يقول: «إذا أمسيتَ فلا تنتَظِر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء. وخُذْ من صحتِكَ لمرضِك، ومن حَياتِك لموتك » .
وفي جامع الترمذي: بسنده عن مُجَاهِدٍ عنْ ابنِ عُمرَ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِبَعْضِ جَسَدِي فقَالَ: «كُنْ فِي الدّنْيَا كَأَنّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ» ، فَقَالِ لِي ابنُ عُمر: «إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدّث نَفْسَكَ بالمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدّثْ نَفْسَكَ بالصّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنّكَ لاَ تَدْرِي يَا عَبْدَ الله ما اسْمُكَ غَدًا » .
وفي مسند الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي، فقال: «اُعْبُدِ الله كَأَنّكَ تَرَاهُ، وَكُنْ فِي الدّنَيْا كَأَنّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيل » . وفيه بسنده عن ابن عمر أيضا قال: أَخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوبي، أَو ببعض جسدي، وقال: «عبدَ الله: كُنْ كَأَنّكَ غريب أَوْ عابر سبيل، وَعُدّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ» .
نعم،. فنحن لا يمكن أن ندرك ميزان القيم الصحيح فيما بين الدنيا والآخرة دون أن ندرك أن الإنسان موجود في هذه الحياة الدنيا لا لتستغرقه بمتعها ونعيمها وأهوائها.