ولكي نرجع إلى الميزان الدقيق للقيم علينا أن نتأمل كثيرا في قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه ابن ماجة بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذِي الْحُلَيْفَةِ. فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا. فَقَالَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟ فَوَ الّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللّهِ، مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا. وَلَوْ كَانَتِ الدّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَىَ كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا » .
وفي سنن الترمذي بسنده عن سهلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَتْ الدّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ » . وَفي البَابِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ. قال أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
إن التأمل في هذا الحديث يعيدنا إلى الوضع الصحيح في ميزان القيم.
إنه يقرر أن الأشياء 0 المقتنيات الأموال الألقاب المناصب النساب -.. هذه الأشياء معطيات هذه الحياة الدنيا تأخذ قيمتها من إرادة من هي في يده أو في أيديهم.
لوحة لفان جوخ بيعت بسبعة وثمانين مليون دولار: ماذا يعني هذا؟
فوز في مباراة التنس نال فيها الفائز عددا من ملايين الدولارات؛ ماذا يعني هذا؟
لنتوقف ولنخرج قليلا من طابور هذه الحياة، ولنتأمل.
هل يعني أن اللوحة تساوي سبعة وثمانين مليون دولار؟ أم تعني أن السبعة والثمانين مليونا هذه تساوي لوحة؟ أيهما يعطي القيمة للآخر؟
إذا كان عمل س من الناس راقصة مثلا ثمنه مليون مثلا فما ذا يعني هذا؟ هل يعني أن هذا العمل يساوي المليون، لأم يعني أن المليون يساوي هذا العمل؟
الحديث الذي ذكرناه يعيدنا إلى ميزان القيم الصحيح.
إنه يعني لا أن الكافر قيمته هذه الدنيا، ولكنه يعني أن هذه الدنيا قيمتها هذا الكافر.
وإذا كان الكافر لا يساوي عند الله شيئا فهذا يعني أن الدنيا التي أخذها لا تساوي عند الله شيئا.
إن عقيدة المقَيِّمين أو إرادتهم هي الأساس في إعطاء شيء ما قيمة. فإذا تغيرت العقيدة تغيرت قيم الأشياء.
ولما كان الأمر كذلك فطريقنا نحن المسلمين إلى تقييم الأشياء يرجع إلى العقيدة الإسلامية وإرادتنا النابعة منها المسلمة أمرها إلى إرادة الله.
علينا أن نعطي الأشياء قيمة أو لا نعطيها وفقا لما جاءنا به الوحي: عقيدة وشريعة، أمرا ونهيا، وأحكاما ومقاصد. وعندئذ لا تختل نظرة المسلم عندما ينظر إلى متع هذه الحياة الدنيا وقد أعطيت كأوسع ما تكون لكافر أو لص أو عاهر، فيظن أن هذا الكافر أو اللص أو العاهر قد ارتفعت قيمته. وإنما عليه أن يتيقن أنها وقد أعطيت للكافر أو اللص أو العاهر فهذا يعني أنها وقد أخذت مقطوعة عن الآخرة فهي لا قيمة لها.
إنه يحق له أن يتألم عندما يرى ذلك ولكن لا يحق له أن يتحسر أو يحسد. عن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا حسَدَ إلاّ في اثنَتينِ: رجُلٍ آتاهُ اللهُ مالًا فسلّطهُ على هَلَكتهِ في الحقّ، ورجُلٍ آتاهُ اللهُ حِكمةً فهو يَقضِي بها ويُعلّمها» . رواه البخاري بسنده.
يتألم لأن ميزان القيم قد اختل في أيدي الناس وأصبحت له السيطرة على شئونهم وحياتهم، وانتصر الضلال، وسيطر الفساد، ولا يتحسر لأن متعة الدنيا قد أصبحت بيد الكافرين.
يتألم لأن المسلمين بدلا من أن يعملوا على إرجاع ميزان القيم الأخروية إلى وضعه الصحيح حسب التكليف الرباني لهم فيعلون من قيمة التقوى والجهاد ولأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب مرضاة الله.. بدلا من ذلك أخذوا يساهمون في المعاصي، ويعملون على ترسيخ قيم هذه الحياة الدنيا من الجري وراء المتعة واللهو والأكل في سبعة أمعاء.
إن مجرد تحسر المسلم على زينة الحياة الدنيا وأنها في يد الكافر أو اللص أو العاهر.. وحسده عليها.. إن مجرد هذا التحسر أو الحسد يعني أن لديه اختلالا في ميزان القيم وأنه لا يرتبط ارتباطا وثيقا بتعاليم الإسلام في الدنيا وزينتها، وعليه أن يتحرك فورا لتصحيح الميزان، ووضع الدنيا في وضعها الصحيح وفقا لتكليف الله وإرادته الإصلاح في هذه الأرض.
لقد مر المسلمون بمراحل من التدهور منذ أن اختلت في أيديهم قيمة هذه الحياة الدنيا وقيمة الآخرة، وكان آخر مراحل هذا التدهور خضوعهم لموجة عاتية من الاستعمار، وعندما جاء الاستعمار قالوا: الحل في رحيل هذا الاستعمار، وعندما رحل ولم يتحقق شيء مما أملوه قالوا: الحل في تغيير الأنظمة السياسية، وعند ما غيروا ما غيروا من هذه الأنظمة ولم يتحقق ما أملوه قالوا: الحل في الديموقراطية، وعند ما غيروا ما غيروا من هذه الأنظمة ولم يتحقق ما أملوه قالوا: الحل في الديموقراطية، ولما تخبطوا في دهاليز الديموقراطية وعفونة التزوير فيها وأمراض الإيدز الناشبة في أسسها وأركانها حق لهم أن يقفوا مبهوتين يتساءلون عن الحل، وهم في هذا كله كانوا وما يزالون أشبه بتلميذ خائب، أتيحت له ظروف مواتية تنقلت به من سنة دراسية إلى أخرى: دون امتحان حقيقي، فلما جاءت سنة الشهادة الأخيرة اكتشفوا أنه لا يستحقها فنزلوا به عاما، ثم عاما، ثم عاما، إلى أن وصلوا به إلى ألفباء.
هم كذلك اليوم يكتشفون أنهم مازالوا عند ألفباء الحل الإسلامي.
إن الحضارة الأوربية المعاصرة اختارت وحسمت قرارها وانتهى الأمر، كان قرارها منسجما تماما مع قوله - تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها.. ) . قرار يتصف لديهم بالاتساق والانسجام الداخلي، وإن تناقض مع قانون الخلود قانون الآخرة الذي نبذته.
وبمقدار اتساقها ذاك أثمرت؛ أثمرت شجرة الزقوم.
أما المسلمون فالأصل في حضارتهم أنها تقوم على التسليمية لله والأخروية في القيم، ولكنهم لم يأخذوا بهذه أو بتلك، كالشاة العائرة بين الغنمين، التي ذكرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمارواه مسلم بسنده عُبَيْدُ اللّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرّةً، وَإِلَىَ هَذِهِ مَرّةً » .
ويقول عيسى - عليه السلام - فيما ردده التراث الإسلامي: (من الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا) وقيل له: (علمنا علما واحدا يُحبنا الله عليه؟ قال: أبغضوا الدنيا يحبكم الله - تعالى -)
إننا لا يمكن أن ندرك ميزان القيم الصحيح فيما بين الدنيا والآخرة دون أن ندرك أن الإنسان موجود في هذه الحياة الدنيا لا لتستغرقه بمتعها ونعيمها وأهوائها، ولكنه وجد فيها ليقوم برسالة تكليفية؛ رسالة تكليفية بمقتضى نزوله إليها ليكون خليفة، ليبني حضارة وفق تعاليم الله. نعم: عابر سبيل مكلف، وليس عابر سبيل تائها. هذه المهمة التكليفية في هذا العبور هي التي تقتضي ميزانا دقيقا للعلاقة بين الدنيا والآخرة توجب على الإنسان أن يظل على رعاية له في كل لحظة.
في أحد كفتى الميزان: الدنيا مقطوعة عن الآخرة لا قيمة لها
وفي الكفة الأخرى: الدنيا كطريق موصول بالآخرة لها قيمة فاعلة.