فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 1942

ماذا حصل للمسلمين في حساب هذا الميزان؟ يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع ومن بطن لا تشبع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع) . وفي شرح سنن ابن ماجة للسيوطي: قوله من علم لا ينفع أي لا يهذب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظاهرة ويحصل بها الثواب الأجل وأنشد:

يا من تقاعد عن مكارم خلقه *** ليس افتخار بالعلوم الزاخرة

من لم يهذب علمه أخلاقه *** لم ينتفع بعلومه في الآخرة

قال الطيبي فيما نقله عنه السيوطي: إعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبنى على غاية وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع لا يخلص منه كفاف، بل يكون وبالا، فلذلك استعاذ منه، وأن القلب إنما خلق لأن يخشع لربه، وينشرح لذلك الصدر، ويقذف النور فيه، فإذا لم يكن كذلك كان القلب قاسيا فيجب أن يستعاذ منه، قال الله - تعالى -"فويل للقاسية قلوبهم"، وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود والنفس مهما كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أشد عدو للمرء، فأولى ما يستعاذ منه هي، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه ولم يخشع قلبه ولم تشبع بطنه إهـ السيوطي

والحق أن التغير الاستراتيجي الذي أصاب المجتمع الإسلامي كان من هنا: لقد أصبنا بهذه الأربع المستعاذ منها في ميزان الآخرة: لم تكن الكارثة سياسية بقدر ما أنها كانت ثقافية؛ اشتغلنا بالعلم الذي لا ينفع وما زلنا نشتغل به: في المتشابهات، في خلق القرآن، في العلاقة بين الذات والصفات، في العقول العشرة، في الجبر والاختيار، في الحقيقة المحمدية، والحكومة الباطنية، في رجعة الأموات في الدنيا، في صفة البراق وعدد أجنحته، إلخ وأصبنا بالبطن التي لا تشبع.

جاء في كتاب التواضع والخمول لابن أبي الدنيا بسنده عن يحيى بن عقيل قال: قال: علي بن أبي طالب لعمر رضي الله - تعالى -عنهما: إن أردت اللحوق بصاحبيك فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وأخصف النعل تلحق بهما.

وفي فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سفيان قال: قال رجل لعلي: إن أردت أن تكون مثل عمر فاخصف نعلك وشمر ثوبك وكل دون الشبع.

وفي المعجم الكبير للطبراني بسنده عن عكرمة عن بن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة غدا.

وفي الآحاد والمثاني: بسنده عن عمرو بن الأسود العنسي رضي الله - تعالى -عنه أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر.

وفي لسان الميزان لابن حجر العسقلاني: بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قالت عائشة رضي الله - تعالى -عنها"أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فان القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم"أخرجه البخاري في الضعفاء.

وهذا الحديث وإن كان ضعيفا من ناحية سنده، لكن معناه يتفق مع تطور المجتمعات، وربما كان العكس صحيحا أيضا وهو أن القوم لما جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا نتيجة اختلال في ميزان القيم لديهم أشبعوا بطونهم.

يقول أبو طالب المكي: (مثل البطن مثل المزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار إنما صوته لخفته ورقته، لأنه أجوف غير ممتلئ، وكذلك الجوف إذا خلا.. )

وهكذا الجوف كالمزهر إذا امتلأ: لا صوت. !

وروي أن عيسى - عليه السلام - مكث يناجي ربه أوقاتا طويلة، لم يأكل فيها، فخطر بباله الخبز، فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف بين يديه، فجلس يبكي؛ علام يبكي وقد جاءه الخبز؟ هذا سؤال يطرحه أهل البطون، أما عيسى - عليه السلام - فقد بكى، بكى على فقد المناجاة،، إذ أدرك خطر الانشغال بالحصول على الرغيف. هذا الانشغال الذي نتمرغ في أوحاله صارفا للجمهور عن كل مشروع للإصلاح.

وهذا يطرح السؤال الآتي: ما فائدة الجوع الإرادي عند من يمارسونه وهم قادرون على الشبع كما هو شأن الدرس الرمضاني؟

من فائدته فيهم زوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله.

من فائدته فيهم: ألا ينسى الواحد منهم بلاء الله فلا ينسى أهل البلاء.

من فائدته فيهم: كسر شهوات المعاصي والسيطرة على النفس الأمارة بالسوء.

على كل حال لقد أصبنا بهذين المرضين: علم لا ينفع، وبطن لا تشبع، وعندما يصاب المرء بهذين المرضين فإنه يصاب بعد ذلك بالقلب الذي لا يخشع وبالعين التي لا تدمع. وفي النهاية: بالجوع الذي لا يردع

ومن هنا اجتمعت لنا أسباب التأخر والانحطاط.

إن سر تأخر المسلمين لا يكفي أن نقول فيه: إنه البعد عن كتاب الله وسنة رسوله،

لأننا لو اكتفينا بهذا الجواب ستظل الدهشة عالقة بأذهان الكثيرين منا، إذ يرون أن الغالبية الساحقة منا تردد هذا السبب، والكثيرون منهم يتمنون الأخذ بالكتاب والسنة، حلا لمشاكلنا، ويبقى السؤال بعد ذلك قائما: ما السر في أننا لا نقتحم هذا الحل ونأخذ به فعلا؟

في أعماقنا أنا لا نريد.

والسر في هجران الآخرة كمنهج عملي

والله أعلم

[1] تخويف.. ص 230

[2] أنظر إحياء العلوم ج3 ص 210

حوار الحضارات الجذور والتاريخ

شهد العالم في الخمس والعشرين سنة الأخيرة العديد من التغيرات الأيدلوجية التي دفعته إلى حقبة جديدة وشكل غير مسبوق من الصراعات والحروب والتدمير وتحول العالم عبر انهيار سور برلين وسقوط الشيوعية بعد أن كان ثنائي الأقطاب [بتوازن القوى بالاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية] إلى عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد نهضة حضارية قوية خاصة في مجالات العلوم المختلفة والتكنولوجيا ولعل هذا المشهد لا غرابة فيه أما المشهد الذي يليق به الاستغراب حقا فهو مشهد العالم وهو يعيش فترة سيطرة أحادية القطب [الولايات المتحدة الأمريكية] .

ثم هو بعد ذلك يعاني من ويلات الحروب والتدمير والإبادة أضعاف ما كان يعاني وهو في الوضع الثنائي القطب وهو الوضع الذي تسعى فيه كل حضارة أو بالأحرى قطب من الأقطاب للهيمنة على العالم ولذا فالغالب المتوقع في حال سيطرة ثنائي الأقطاب على العالم حدوث مصادمات فيما بينهم وهذا المشهد متكرر على مدار أزمنة التاريخ فمن الصراع الدائر بين الفرس والروم إلى انجلترا وفرنسا إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية وبين كل حقبة وأخرى من هؤلاء تتنوع الأمثلة وتتعدد الأشكال لحضارات تتصارع لتحقيق الهيمنة على العالم أما أن توجد حضارة واحدة يظهر من واقع العالم أنها الحضارة المسيطرة المهيمنة ثم بعد ذلك نرى مزيدا من الحروب والويلات والتدمير وملامح الاضطراب على الساحة العالمية بادية لا تخفى على أي ناظر فهذا هو المشهد الذي لا بد من الوقوف عنده وتأمله مليا للوصول إلى لبه ومضمونه.

إن وضع تصور حاكم للعلاقات بين الحضارات المختلفة كان الهم الشاغل للعديد من المفكرين والسياسيين والمنشغلين بتحليل الوضع الراهن للمنظومة العالمية حتى يمكن التوصل للفهم الناضج الواعي لطبيعة الأحداث ومن ثم محاولة الانتفاع بها وسوقها في الاتجاه المفيد النافع للبشرية وبناءا على ذلك فقد انطلقت العديد من النظريات تحاول جاهدة فهم وتحليل الواقع ومحاولة توجيه دفته إلى ما فيه النفع لعموم البشرية وظهرت أقوى تلك الأطروحات أو بالأحرى ما كتب له العيش منها على النحو التالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت