قبل ما يقارب من عقدين من الزمان والعالم ما زال في ذلك الوقت يتعامل بواقع ثنائي القطب إلى حد ما خرج المفكر الفرنسي روجيه جارودي على العالم أجمع بنظريته الرائدة ومشروعه للجمع بين الحضارات المختلفة على أساس أرضية مشتركة للتفاهم على مستوى شعوب الأرض وسماه بـ' حوار الحضارات ' ولكن مشروعه كان يتسم بسمة أساسية ألا وهي النقد الشديد للهيمنة الغربية والسيطرة الأمريكية حتى أنه بشر في ثنايا نظريته بزوال الغرب عموما لكن هذه الصيحة وأخواتها من جانب جارودي أو غيره من المفكرين والساسة الذين سعوا إلى وضع نظرية أو قاعدة تحكم وتفسر واقع المجتمع العالمي لم تجد الصدى اللائق بها في ذلك الوقت لواقع الصراع القائم والمسمي بالحرب الباردة بين قطبي العالم آنذاك ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بدأت نظريات أخرى بالصعود إلى السطح والظهور لتفسير كيفية تعامل القطب الأحادي مع العالم في ضوء الواقع الجديد ومن هذه النظريات ما خرج به الأمريكي الجنسية الياباني الأصل 'فوكوياما' بما يسمى ويعرف بنظرية نهاية التاريخ تلك النظرية التي انتشرت سريعا لتتداعى بسرعة أكبر ومفادها تصوير انتصار الرأسمالية على الأرض أنها نهاية التاريخ وأن الإنسان الأمريكي هو من وصل إلى أقصى مستوى حضاري ممكن وبالتالي فهي نظرية نهاية الإنسان والتاريخ ثم تلا هذا المشهد مشهد آخر في أواخر صيف 1993 م وكانت أول شرارة أشعلت المشهد مقالة نشرت في صحيفة [الشؤون الخارجية] للمفكر الأمريكي الشهير صمويل هتنجتون تحت عنوان [صدام الحضارات] والتي حاول فيها قراءة مستقبل العالم المعاصر وقرر فيها أن الصراع في خلال القرن القادم سيكون صراعا بين الحضارات وليس صراعا اقتصاديا أو أيدلوجيا وقد حدد في نظريته تلك سبع حضارات أساسية يتوقع أن يلتهب بينهم الصراع ولا بد في هذا الصراع من زوال البعض وخضوع البعض الآخر لهيمنة الأقوى وقرر في النهاية أن الحضارات المتوقع لها الاستمرار حتى النهاية لما تحمله من إمكانيات ومقومات للبقاء هي ثلاث حضارات الإسلامية والغربية والكونفوشيوسية [حضارة الصين] وحذر العالم الغربي من تحالف الحضارة الإسلامية مع نظيرتها الكونفوشيوسية في إشارة إلى إمكانية حدوث تحالف نووي بين الصين وبعض الدول الإسلامية.
مقالة هتنجتون أثارت عاصفة من الانتقادات والجدل حول المفاهيم التي تضمنتها وقابل هتنجتون ذلك بالرد أنه على الرغم من إمكانية الاعتراف بوجود ثغرات في نظرية صراع الحضارات إلا أن المعارضين والرافضين لهذه النظرية لم ينجحوا أن يقدموا بديلا في طرحهم يوازيها في الواقعية والوضوح وبأن نظرية صراع الحضارات وهذا من وجهة نظر هتنجتون بالطبع هي خير وأفضل تصور موضوع للمستقبل في القرن القادم.
ولعل من الجدير بالذكر ردا على دعوى هتنجتون أن أحدا لم يطرح البديل المناسب أقول لعل من المناسب في هذا المقام بيان أن العديد من المفكرين والساسة الذين عارضوا نظرية صراع الحضارات والفكرة القائمة عليها قد طرحوا لها بديلا قويا ألا وهي نظرية حوار الحضارات كوسيلة لتجنيب المجتمع ويلات الحروب والقتال.
وتم إنشاء العديد من المؤتمرات والجمعيات والمؤسسات الداعية لترسيخ سياسة الحوار والتفاهم والتعايش السلمي بدلا من الصدام وتبني العديد من الكتاب هذه النظرية ودعوا إلى تنمية الحوار بين العالم الإسلامي والغرب حتى يمكن لكل طرف أن يتفهم الآخر ويتعايش معه وقد حددت الأمم المتحدة عام 2001 م عام حوار الحضارات وعينت مندوبا متخصصا لهذا المنصب.
إلا أن أطروحة حوار الحضارات لم تخل من جدل شديد ونقد دائم مستمر حتى من جانب المفكرين المسلمين ولم يقف الجميع فيه على نسق واحد فمن رافض للفكرة من أساسها لعدم واقعيتها فكيف ستتحاور مع من يهدم بيتك ويشرد أهلك في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي إلى فريق آخر مؤيد للفكرة على الإطلاق وداع لها بغض النظر عن الواقع الحالي للأمة وفريق ثالث لا يستوعب المعنى المقصود من حوار الحضارات بل يحتفظ كل فرد في الفريق الثالث بفهم خاص له لهذا المصطلح.
ونحن بادئ ذي بدء لا نريد الوقوف مع واحد من تلك الفرق بدون نظرة محايدة منصفة قدر الإمكان ودراسة متأنية فالأمور لا تؤخذ كردود أفعال أو بدعوى الدفاع عن تهم لم نرتكبها أصلا أو بحكم العواطف والمشاهد الدامية كلا فالأمر يتعلق بمستقبل أمة وعلى الأمة أن تقرر طبيعة وشكل الطريق الذي تختار هي سلوكه في المرحلة القادمة بناءا على فهم واضح دقيق لأبعاد المصطلحات وحكم واضح صريح من علماء الأمة ومفكريها وقادتها مبني على قياس دقيق للمصالح والمفاسد.
بناءا على ما سبق يلزمنا إلقاء الضوء على نظرية حوار الحضارات وتحديد المقصود الدقيق بهذا المصطلح ثم بعد ذلك قياس حجم المصالح والمفاسد المترتبة على العمل بمقصودها ومن ثم تتضح إمكانية الحكم عليها.
' إن على الحضارات أن تكون قاعدة من الثوابت المشتركة فيما بينهم وتنطلق من خلال هذه القاعدة إلى حوار يؤمن بالتعددية وعدم هيمنة حضارة على الأخرى، هذا الحوار سيمكن كل طرف من تفهم الآخر والتعايش معه بدلا من الاصطدام والحروب ' هذه هي خلاصة نظرية حوار الحضارات وقبل أن نتسرع بإصدار الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب علينا أن نوضح بعض المحاور الرئيسية وهي:
7 شعبان 1425هـ - 21 سبتمبر 2004 م
إعصار كاترينا .. القدر يكشف هشاشة الحضارة الأمريكية
أ. أحمد محمد إبراهيم
هل هو عقاب إلهي لما ارتكبه الأمريكيون من مجازر وانتهاكات بحق العراقيين؟
تابع العالم بذهول هشاشة ما يسميه القوة العظمى الوحيدة على كوكب الأرض، وهي تواجه صعوبات في التعامل مع عواقب الإعصار كاترينا أو كما يقال"وهي غارقة في شبر مياه"!.وقال البعض إن الفوضى تكشف مدى التصدعات والانقسامات العميقة في المجتمع الأمريكي.
وعبر زعماء العالم والمواطنون العاديون عن التعاطف مع سكان جنوب الولايات المتحدة ومعظمهم من السود والملونين الذين عصف بهم الإعصار وما أعقبه من فيضان.
لكن كثيرين صدمتهم أيضا حالة الفوضى التي نقلت صورها إلى أنحاء العالم، مذكرة بالفوضى التي سمح بها جيش الاحتلال الأمريكي للغوغاء بنهب وسلب الممتلكات العامة إثر سقوط العاصمة العراقية بغداد، والتي بدت في الحالتين على أنها جزء من الثقافة الأمريكية التي يبشر بها بوش العالم!.
فقد انتشرت أعمال السلب في الشوارع المليئة بالحطام وآثار الكارثة بينما آلاف الجثث ملقاة في الشوارع والمستنقعات المائية وتحت الأنقاض، وآلاف الناس الذين ظلوا على قيد الحياة تجمعوا في"نيو أورليانز"بانتظار ما ستقدمه لهم السلطات من طعام وماء وأغطية.
وكأن المشهد الدرامي الذي لحق بمدن الجنوب الأمريكي جاء انتقاما لما ارتكبته قوات الاحتلال الأمريكي من مجازر بحق آلاف الأسر العراقية من أطفال وفتيات ونساء ورجال، وما تبع ذلك من أعمال اغتصاب وانتهاك لحقوق الإنسان.
صحيفة"الصن"الأوسع انتشارا في بريطانيا وصفت المشهد بالقول:"فوضى في الولايات المتحدة".
بينما كانت صحيفة"هاندلسبلات"الألمانية اليومية أكثر تأثرا بالكارثة فكتبت عنها تحت عنوان:"نهاية العالم الآن".